إذا كانت أمتنا العربية والإسلامية تتميز برصيدها الديني والعلمي والثقافي والحضاري والتاريخي فإنها أيضاً تتميز بوضع جغرافي عظيم وتكتل بشري ضخم وثروات طبيعية غزيرة ، فإن مصر لها القدح المعلى والنصيب الأوفى من كل ذلك , ففضلها على هذه الأمة عظيم بل على العالم أجمع فهي التي صدت غزو التتار الذين كانوا يهددون العالم بالدمار ، وتصدت للحملات الصليبية وطهرت منهم البلاد والمقدسات ، ونشرت العلم في ربوع الأمة ، وأفاءت بخيرها على ماحولها من الدول وأسهمت بعلمائها وخبرائها وعمالها في نهضتها .
كل هذا منح مصر مكانة الشقيقة الكبرى بين دول المنطقة وهذا حملها أعباء أن تكون على علاقة حسنة مع جميع الدول وأن تتبنى قضاياها لاسيما قضية التحرر الوطني من الاستعمار الغربي ، وأن تدعمها بكل وسائل الدعم ، وأن تسعى في تنميتها وأن تقف موقفاً عادلاً فيما بينها ، كما أنها كانت في موقع الريادة والصدارة في القضية الفلسطينية بحكم تلك المكانة وبحكم الالتصاق الجغرافي وبحم المخاطر والتهديدات التي تمثلها الدولة الصهيونية .
إلى أن جاء الانقلاب العسكري في يوليو 1952 ، فأوقد نيران الكراهية والحرب بين الدول العربية وقسمها إلى دول تقدمية ودول رجعية وتبنى المذهب الاشتراكي في الاقتصادي ، وحاول إسقاط الأنظمة التي أسماها رجعية (الملكية) وزعم أن تحرير فلسطين لابد أن يمر إولاً عبر تحرير عواصم تلك الدول من هذه الأنظمة ، وخاض ضدها حرباً إعلامية ومخابراتية وسياسية ضروساً ، بل خاض حرباً عسكرية على جبال اليمن أنهكت الجيش المصري وكبدته خسائر فادحة إضافة إلى إنهاك الاقتصاد المصري وإضاعة كمية كبيرة من الرصيد الذهبي في محاولة شراء ولاء بعض القبائل اليمنية في ظل هذا المناخ حيث جسد الأمة مثخن بالجراح ونفوسها مشبعة بالكراهية شنت الدولة الصهيونية عدوانها على مصر وسوريا والأردن سنة 1967 فانهارت جيوشها في ستة أيام وفقدت مساحات من أرضها تزيد على مساحة فلسطين عدة مرات ، ومن يومها بدأت مصر تفقد مكانتها بالتدريج ، فابتلع النظام المصري عداوته للدول الرجعية الملكية وطلب منها العون والمساعدة وقد سارعت كلها لانقاذه والوقوف بجانبه حتى كان نصر أكتوبر 1973 ، إلا أنه شذ عنها وعقد معاهدة سلام مع الصهاينة وأسلم نفسه للأمريكان يتبعهم فيما يريدون ، وعادى الدول العربية من الموقع المناقض لمواقفه السابقة ، وفي كل مرة يفقد قدراً من مكانته وتصغر مصر في نظر أشقائها ، حتى جاء مبارك وحكم ثلاثين سنة تنازل عن كل مبادئ التحرر والكرامة الوطنية ، وتنكر للقضية الفلسطينية وصادق الصهاينة وانصاع لهم حتى أصبح كنزاً استراتيجياً لهم ، واستسلم تماماً للإرادة والسياسة المريكية ، وتعاون مع مجموعة من الدول العربية ( الرجعية الملكية ) التي تتبنى سياسة فيما عرف بمحور الاعتدال (الانبطاح) بالتعبير الصحيح ، بل أدار ظهرة لقارة أفريقيا ومصالح مصر الحيوية والاستراتيجية فيها عظيمة ، ناهيك عن القمع والقهر لشعب مصر ، والفساد غير المحدود في الداخل ،والسلب والنهب لثروات مصر حتى غدت مصر دولة فقيرة مدينة متخلفة ، تمد يدها للدول العربية والأجنبية ، حتى كادت تفقد رصيد كل مكانتها ، وتقزم دورها كما لم يحدث من قبل .
وقام الشعب المصري بثورة يناير 2011 رفضاً لكل هذا ، وسعياً لإنقاذ مصر ، ورفعها إلى مكانتها اللائقة بها .
وأقام حكماً مدنياً ديمقراطياً حراً ، فراح يحافظ على كرامة مصر والمصريين ، ويوفر لهم الحرية وحقوق الإنسان ويتحرر من التبعية والعبودية والانبطاح ، ويسعى للاكتفاء الذاتي من الغذاء والدواء والسلاح ، وينهض بالبلاد في مختلف المجالات ، ويحقق العدالة الاجتماعية في حدود الامكان ، ويطهر المؤسسات من الفساد ، ويقضي على الاستبداد ، ويحافظ على هوية الأمة ، إلا أن القوى العالمية التي لا تريد لمصر ولا للمنطقة خيراً ، وكذلك القوى الإقليمية الفاسدة والمتخلفة ، والمؤسسات الداخلية المغرقة و المنتفعة من الفساد لم تصبر على النظام الجديد أكثر من سنة وضعت في طريقه الكثير من العقبات فلما تجاوزها بعد العناء أوعزت إلى رؤوس الغدر والخيانة من قادة الجيش القيام بانقلاب عسكري ، أطاح بكل معالم الحرية والديمقراطية في البلاد واختطف الرئيس المدني المنتخب وألغى الدستور وحل البرلمان ، وقام بمجازر تشيب لهولها الولدان قتل فيها الآلاف واعتقل فيها عشرات الآلاف وصادر الحريات وزور الاستفتاء والانتخاب واستخدم كل المؤسسات في نقيض ماجعلت له فالجيش والشرطة لارهاب الشعب وقتله واعتقاله وتعذيبة والقضاء لنشر الظلم وإعدام الأبرياء والاعلام لصناعة الكذب وتغيب الوعي وتشويه المعارضين وصناعة الفرعون والتشريع لافقار الفقراء ومصادرة الحريات واستيلاء الجيش على اقتصاد البلاد ،وتقنين الفساد.
أما في الخارج فالتسول من الدول الخليجية والخضوع لأوامرها ، وبيع الكرامة الوطنية على أعتابها ، وعرض الجيش لتلبية رغباتها وكأنه جيش من المرتزقة ، وها نحن الأن نسمع أن دولة الأمارات العربية شنت عدواناً جويا على أحد الفريقين (الاسلاميين) المتنازعين في ليبيا من القواعد الجوية المصرية في ذات الوقت الذي نقرأ فيه أن الإمارات العربية وافقت على مد مصر بمشتاقات البترول حتى نهاية العام .
وهو أمر يثير العجب فالإمارات الدولة الصغيرة التي لايزيد عدد سكانها عن مليون نسمة أصبحت قوة عظمى تعتدي على ليبيا على بعد الآف الأميال ، لقتل إخوانهم العرب الإسلاميين ، وفي ذات الوقت لها ثلاث جزر محتلة بواسطة إيران لا تستطيع أن تسعى لتحريرها ، ولكنها تستقوي بمصر التي يحكمها النظام الإرهابي الانقلابي عقدة كراهية الإسلاميين ، ويتصرف تصرفات سياسية وعسكرية مراهقة لاتعي دروس التاريخ وتضحي بشعب ليبيا الذي هو امتداد لشعب مصر ويرتبط معه بأخوة الدم والدين والعروبة والجوار والإنسانية ، ثم إن ليبيا تعتبر إمتداداً استراتيجياً لمصر كما أنها وقفت داعمة لمصر بعد حرب1967 ، كما أن بها مايزيد على مليون ونصف عامل مصري يدعمون الاقتصاد المصري فإلى هذا الحد تقذمت مصر حتى تسوقها دولة الإمارات العربية ، وهل ساد الجهل والغباء والارهاب إلى هذا المستوى أم هي الخيانة لصالح أهداف أجنبية تسعى لتمزيق هذه الأمة أكثر مما هي فيه .
ظلت القضية الفلسطينية هي القضية المحورية في العالم العربي والإسلامي حتى كانت معاهدة كامب ديفيد ثم بدأت الدول العربية تنفرط وتفرط فيها ولكن لم يكن أوسع الناس خيالاً يتصور أن يأتي اليوم الذي تصطف فيه دول عربية إلى خندق الصهاينة وتحرضهم غلى القضاء على الفصائل المقاومة التي تحافظ على جوهر القضية والتي تمثل أشرف ظاهرة عربية في هذا الزمان وتشترك هذه الدول في حصار المجاهدين ، سعى الانقلاب في هزيمتهم على مائدة المفاوضات مسجلين أبشع خيانة لله ولرسوله وللمؤمنين والمسلمين والعروبة وللإنسانية غير آبهين بآلاف الشهداء والجرحى من الأطفال والنساء والرجال والخراب الذي حل بالقطاع ، وكأن قلوب قدت من حجر .
وكان بمقدورهم لو أرادوا أن يضغطوا مع بقية الدول العربية والإسلامية وأحرار العالم لتحرير أهالي غزة من سجن الحصار القاتل المحيط بهم .
كما أن التفريط من زمن في حقوق مصر المائية في نهر النيل ، والموقف المائع من قضية سد النهضة التي قال بشأنه رئيس وزراء سابق أنه سيجلب الخير لكل دول مجرى النهر ، ثم تبين أنه ينذر بجفاف وخراب في مياه الشرب والزراعة والصناعة ثم لا يحاسبه أحد .
كل ذلك يدل على المسار المشئوم الذي يسير به الانقلاب بمصر والمصير الاسود سواء كان في المكانه أو الاقتصاد أو السياسة أو العدل أو الأمن أو العدالة الإجتماعية التي يقودنا إليها .
ومن ثم وجب على المصريين لإنقاذ حياتهم وأجيالهم وبلدهم وكرامتهم وحريتهم وسيادتهم ومكانتهم أن يسعو لإسقاط هذا الانقلاب الدموي وإنهاء حكم العسكر إلى غير رجعة .
﴿وَالَّذِينَ جَاهِدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾
والله أكبر ولله الحمد .