المظاهرات التى عمت مدينة فيرجسون الأمريكية بعد مقتل أحد المواطنين السود، وأرغمت أوباما على قطع إجازته السنوية.. استرعت انتباه الخارجية الانقلابية، التى تعاطفت مع المتظاهرين، وأدانت الإدارة الأمريكية (المستبدة!!)؛ حيث طالبت خارجية العسكر السلطات الأمريكية بضبط النفس مع المتظاهرين، والتعامل معهم بما يرضى (الله!!) والقانون، بل أبدت أطراف أمنية (انقلابية بالطبع) استعدادها لتفريق هذه المظاهرات بالغاز فقط، دون وقوع أى إصابات -على حد زعمها.
وقد ظننت أن هذا الخبر كذبة -عندما قرأته على المواقع الإلكترونية، لكننى قرأته -والله- «مانشيتًا» فى «المصرى اليوم» فيما بعد وبه تفاصيل مضحكة مبكية أكثر مما ذكرتها.. بل قرأت خبرًا آخر فى يوم تال، أفردت له صحف الانقلابيين مساحة كبيرة، يتحدث عن شروع مصر فى توريد الحليب واللحوم والأسماك لروسيا التى ينتظر مواطنوها السلع المصرية على أحر من الجمر..
وهكذا عشنا ورأينا التدليس بعينه، والكذب فى أبشع وأحط صوره، ورغم أن تاريخ الاستبداد وإرهاب الحكام لشعوبهم ملىء بمثل هذا الاستخفاف، لكننى -بحق- لم أقرأ ولم أسمع بمثل هذه الجرأة فى الضحك على عقول الشعوب.. وفيما يبدو فإن العسكر يعتقدون اعتقادًا جازمًا أنهم يحكمون معسكرًا من الأسرى الذين تعرضوا لعمليات مكثفة من غسيل المخ، أو أنهم يحكمون شعبًا أتوا به من القرون الوسطى أو من عصور الظلام.
مصر العسكر التى أدمت قلوب الملايين، وأوجعت ذاكرة الوطن، ومارس سفاحوها القتل بدم بارد، وهتكوا الأعراض وسجنوا واعتقلوا عشرات الآلاف، بل أعطوا الأوامر لجنودهم بالقتل دون تردد لمن يفكر فى التظاهر أو الاعتصام.. هؤلاء المجرمون ينصحون أعتى دول الديمقراطية وأكبر إمبراطورية اقتصادية وسياسية فى تاريخ الخلق بضبط النفس مع المتظاهرين، وبعدم التجاوز معهم، وهم لم تجف بعدُ دماء ضحاياهم، بل لو سرت الآن فى مناطق رابعة والنهضة والمنصة والحرس الجمهورى والفتح وعشرات الميادين المصرية الأخرى لوجدت دماء هؤلاء الضحايا الأبطال، ولسمعت نحيب وأنات ساكنى هذه المناطق الذين كانوا شهودًا على تلك المذابح المروعة، التى إن نسيها مرتكبوها من الشياطين والأشرار، فلن ينساها الشعب المصرى الأبى الذى يحتضن الثورة ويحتفظ فى ذاكرته بتلك المآسى والجرائم التى لن يمحوها سوى القصاص وإعادة مصر للطريق الشرعى الذى قامت من أجله ثورة يناير المجيدة.
إن كل مستبد جاهل، يلزمه آلة إعلامية مزورة، وحاشية ضالة مضلة، وإلا ما استطاع البقاء فى منصبه ساعة، فالإعلاميون المزورون يقومون بالتغرير بالشعب وتزيين الحق باطلا والباطل حقًا، والمنكر معروفًا والمعروف منكرًا، وهم -فى سبيل ذلك- لا يتورعون عن سلوك أحط الأخلاق، ولا يرون ذلك عيبًا، بالعكس فإنهم يعتبرون أنفسهم قادة الرأى، أو النخبة، من يشكل عقل وفكر الأمة.. وهذا أمر صنعه إبليس من قبل، بإغواء آدم وزوجه، ومن بعد ذريته، فهور غرور -كما وصفه الله تعالى- لكنه وقت محاسبته على ما قام به من تضليل وتغرير سوف يبدى ندمه الشديد -ساعة لا ينفع الندم- بل سيتهم من تبعوه بالغباء وسفاهة الرأى، إذ ما كان لهم أن يتبعوه وهو الشيطان الرجيم.
أما حاشية المستبد فهم على شاكلة هامان وقارون، غرتهم قوتهم وملكهم، وظنوا أنهم باقون خالدون، وأن الزمن سوف يتوقف عندهم مبقيًا إياهم على عنفوان شبابهم وجبروتهم..
هذا من عقاب الله للمجرمين، حيث يصيب ذاكرتهم بنسيان الخالق وإنكار البعث والنشور، ثم الإملاء ليكون كيدُ الله المتين، فهو خزى فى الدنيا وعذاب شديد فى الآخرة، وفى الحالين لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
والعاقل يدرك أن مصر لن تكون -تحت حكم العسكر- ندًا لأمريكا حتى تنصحها بضبط النفس مع المتظاهرين- ولو طال بها الزمن مئات السنين، ولن تصدر لحمًا ولا سمكًا ولا حليبًا لروسيا إلا بعد أن يحكمها الأطهار الصالحون، وبعد أن ينتهى الفساد والمفسدون، وبعد أن يسود العدل ويحكم الشرع، وتعود الحقوق لأصحابها فلا يكون بيننا مظلوم أو مهضوم أو تعيس.. وهذه لعمرى سنن الله الباقية، وقوانينه الأزلية الخالدة، وما عداها كذب وتضليل وخداع، لن تجر وراءها سوى الهزائم والانكسارات..