إننا- و بكل ما أوتينا من قوة- نكافح الانقلاب الدموي أملاً في أن نسحب الخنجر الذي غرزه في ظهر المجتمع في أقرب فرصة ودون أن يتدفق دم غزير.

 

ذلك أن الانقلاب لا يختلف عن الدبابة في شيء ولا عن المدفع الرشاش الذي ينطلق رصاصه؛ لا يكون له إلا هدف واحد، أن يحصد كل ما حوله.

 

والخدمة الوحيدة التي سيقدمها الانقلاب الظالم للناس ليست سوى سعيه لتحويلهم إلى عبيد يعملون في أراضيهم؛ ليواصلوا دفع ثمن الضرائب التي تؤمِّن ثمن الرصاص الذي يقتلهم والهراوات التي تلتهم لحمهم بلا رحمة وقنابل الغاز التي تخنقهم وحبال المشانق التي تلتف على أعناقهم.

 

هذه البديهيات كافحنا مرارًا وتكرارًا، نظريًّا وعمليًّا لتصل إلى من يهمه الأمر، إلى شعبنا الحبيب، ولكن وللأسف فإن جزءًا منه ما زال يخاصمنا دون وعي، وإنْ كان ثمة أسباب يبديها، فإنها مفتعلة ومفتراة؛ لا يحتاج تفنيدها إلى بصر حديد؛ إذ لا يضبطها عقل، ولا يزنها ضمير.

 

وما كان منه إلا أن وقف منا نفس موقف قوم إبراهيم- عليه السلام- الذي عقب عليه الأستاذ "جلال كشك" في كتابه "كلمتي للمغفلين": (عندما شاهدوا أصنامهم محطمة، وملقاة على الأرض، مجرد نفايات، فهل شكوا فيها أو كفروا بها، فضلاً عن الإيمان بإبراهيم؟!!!

 

بل راحوا يجمعون الحطام، ويلصقونه؛ لإعادة تركيب الآلهة، و كان همهم الأول وشغلهم الشاغل هو البحث عمن فعل هذا بآلهتنا؛ لا لمكافأته على كشف الحقيقة لهم، بل لحرقه في النار؛ تأكيدًا لإيمانهم بالنفايات الملقاة على الأرض، بالأصنام المحطمة، وتأكيدًا لإبراهيم أن كل ما بذله لإثبات كذب هذه الآلهة لم يزدهم إلا يقينًا بالأصنام الخالدة، التي تآمر على تشويه سمعتها).

 

وقد كان هؤلاء هم غطاء الانقلاب، الذي اعتمد عليه، وتذرع بموقفهم إلى فعل الكثير؛ حتى أفلح في خلق أشباح متحركة تعمل لحسابه، وهي تدري أو لا تدري.

 

ومهما بدت سوءاته أمامهم إلى حد الإساءة الى سمعة البلد وسحب الكثير من رصيد الاحترام له ولمن عاونوه وفقدان الثقة فيهم؛ فإن كثيرًا من مؤيدي الانقلاب يظل موقفهم عصيًّا على الفهم.

 

حتى صاروا إلى الحد الذي يفوق الحيوانات؛ إذ الانقلاب يتعامل معهم كما يتعامل الإنسان مع الحيوانات؛ لا يهمه أن تتسرب أحاديثه السرية أو يتحدث هو بأسراره أمامها أو أن يتعرى أمامها؛ فهي غير قادرة على الاستفادة من ذلك.

 

وصار المشهد كما وصفه الأستاذ "فهمي هويدي": (جرى تسميم الأجواء؛ بتعميق الكراهية من خلال إعلام الفتنة، وتوسل بدغدغة مشاعر الجماهير وإيهامها أنها باتت صاحبة الأمر والنهي في مصير البلاد، واستخدم رأس الانقلاب عناوين طنانة؛ تستدعي التصفيق، وتشحذ الحناجر، في حين أنها نوع قوي المفعول من المخدرات السياسية).

 

لذا كان قدرنا أن نخوض معركتين: معركة الوعي ومعركة الميدان؛ وهذا يقتضي منا- والكلام لمالك بن نبي رحمه الله-: (أن نفكر في المجتمع تفكير بناء وليس تفكير تكديس)، خاصةً أن جزءًا من المجتمع- لا يستهان بوزنه- لم يشعر بعد بمسئوليته عما حدث.

 

نعم نريد مشاركة المجتمع كله في كسر الانقلاب ودحره ولكن لا نريده كلاًّ أينما توجهه لا يأتي بخير، بل نريد الكيف لا الكم، وحتى لا تغرنا الكثرة الغثائية نفترض- والكلام لمالك بن نبي رحمه الله- أننا كدسنا عناصر البناء لعمارة معينة، من الحجر والإسمنت والخشب والحديد مئات الأطنان؛ فإننا لا نستطيع أن نقيم من هذا التكديس البناءَ ولو بعد مئات السنين، بينما لو سلكنا طريق البناء فإننا في شهر واحد نبني على الأقل شقة واحدة.

 

وهذا ما أردناه، بناء المجتمع وعيًا وإرادة وتحريكًا لطاقاته التي عطلها الحكم العسكري وأزلامه، انطلاقًا من إعلاء المصلحة العامة على المصلحة الخاصة؛ ليؤدي الواجب عليه نحو هذا الوطن والأجيال القادمة وإلا تضعضعت القضية من أساسها.

 

إذ التخلص من الحكم المستبد لا يمكن إلا من خلال ثورة إحيائية تتخلص من البيئة التي حمت الاستبداد وشكلت مناخًا يتقبل الاستبداد والفساد.

 

ولأن الحاضنة الاجتماعية هي الاحتياطي الإستراتيجي لمناهضي الانقلاب؛ بهم يصول وبهم يجول اليوم وغدًا، وآية ذلك موقف شعب غزة الأبي من المقاومة مما كان له الأثر العظيم على صمودها وقوتها على الصعيدين العسكري والسياسي.

 

ولذلك نريد كل فرد في الوطن- والكلام لمالك بن نبي رحمه الله- كما النحلة لو انفصلت عن خليتها ماتت؛ لأن المصلحة التي تجمع وتنسق سلوك كل نحلة من الخلية لو انعدمت لسببٍ ما؛ فإن الخلية ستتمزق، أي يضيع المجتمع ويضيع أفراده.

 

لأن النحلة لا يمكنها أن تعيش بعسلها ونشاطها ولا أن تحقق أهداف حياتها وكيانها لو لم يكن نشاطها هادفًا إلى فكرة عامة ومستقرة في حياة المجتمع الذي هي جزء منه، أي في حياة ثلاثة أو أربعة آلاف في الخلية؛ فلو أنها انفصلت يومًا من الأيام أو فصلاً من الفصول عن الخلية فإنها ستموت حتمًا مهما يكن في الطبيعة من زهور ومهما يكن فيها من طاقات للعمل.

 

والأيام القادمة حبلى بأحداث واحتمالات لا نهايةَ لها، وسيكون صاحب الكلمة فيها من يملك الانتصار في معركة الوعي،  ورسّخ أقدامه في الميدان، أما المُغيب وفاقد الصلاحية مسلوب الإرادة فلا ناصر له وغاية أمره الانتظار السلبي وهو ما يعني مراكمة الصدأ فوق جسده وروحه.

 

كل هذا وغيره؛ يحتم علينا أن نخوض معركة الوعي جنبًا إلى جنب معركة الميدان، بأن نفتح حوارًا مع أهلنا جميعًا؛ لنشر الوعي؛ كي لا نتركهم فريسةً بين مَن أطلقهم الانقلاب؛ ممن يملكون سعةً في الضمير لا تفوقها إلا سعة رحمة الله؛ ينهشون العقول حتى وقع في أحابيلهم جم غفير.

 

وإذا كان الباطل- والكلام للشيخ الغزالي- يبذل جهودًا مضنيةً؛ فإن على حملة الحق أن يكونوا أطول نفسًا، وأشد غيرةً، وأرسخ قدمًا؛ ويوم يعرف الشعب الحق سيبادر إلى قبوله وإِنْ تريث إلى حين؛ لأن الاقتناع الحر أساس النجاح؛ وهذا يقتضي جهادًا طويلاً من العناصر الثلاثة التي أحصاها القرآن في دعوته: الحكمة، و لموعظة الحسنة، والجدال الهادئ الرفيق، والزمن جزء من العلاج؛ فليس من العقل أن تبذر اليوم لتحصد اليوم!).