أفاقت مصر بل العالم في الساعات الأولى من صباح يوم ٢٠١٣/٨/١٤ م على أكبر جريمة شهدتها مصر عبر تاريخها، حتى إنك لا تكاد تمر بخاطرك بله أن ترى صورة أو مشهدًا إلا أن تنتفض والألم يحز في نفسك والعَبرة تترقرق في عينيك عقب درس مؤثرٍ باكٍ، درس تمتزج فيه البطولة بالخيانة، و التضحية بالغدر و الماضي بالمستقبل.

 

وإذا كان هنالك في هذه الدنيا من شيء يُسمَّى الشرف فلا شيء يشرفني أكثر من أكون واحداً من هؤلاء الأبطال، و يالها من حسرة إذ لم أكن معهم شهيداً؛ إذ كنت خارج حدود مصر.

 

فقد كانت رابعة الصمود مدرسة للرجال بل جبابرة الكفاح الشريف؛ وجدوا فيها مأربهم، و مرت بهم الأيام و الليالي يراودهم حلم التغيير في حياة نظيفة كريمة لا ذل فيها أو استخفاف بالإنسان و مستقبل أفضل تسوده الحرية و النهضة.

 

فأثار صمودهم نفوس الظالمين و الحاسدين، و أزعجهم ألا تلين إرادتهم، وإلا فقل لي أيها الظالم الباغي _ بالله عليك _ :

ماذا جنوا حتى أرقت دماءهم  ***  و بأي حقٍ في مضاجع وُسِدوا

 

فقد كانوا _ و ما زالوا _ رجالاً في الوقت الذي خان فيه غيرهم أو ممن خافوا على أناقتهم الثورية  أو  ممن لا يريدون أن  يتحولوا _ حسب زعمهم _ إلى جسر يعبر فوقه الإخوان المسلمون.

 

وهكذا في قلب المعركة يُمتحن كل طرف ليشهد التاريخ عمن يملك الحل و من يمثل الأزمة؛ في الوقت الذي - و الكلام للدكتور الجوادي _ كانت الشبابيك كفيلة لنا بالهروب من القطار مراتٍ عديدة؛ لأن الانقلاب كان يسير بسرعة بطيئة لا تهدد من يقفز من شبابيكه.

 

فأبت نفوسنا حسبة لله و لسان حالنا:

إذا حُمِلْتُ على الكريهة لم أقلْ ****  بعد الكريهة:  ليتني لم أفعلِ

و سينهض التاريخ شاهداً أننا اخترنا طريق الحق و مقاومة الانقلاب عن قناعة بأنه الفعل على طريق التحرر و يصبح علينا أن نمضي في طريقه بقدر إيماننا بأننا اخترنا الطريق الصحيح؛ لأن غيابنا كان يعني المراهنة على مصر كلها.

 

أقولها و الدموع غزيرة لقد قضت رابعة عمرها مثل الزهور؛ عيشها قصير و لكنها تركت عطرها فواحاً في نفوسنا و الحمد لله إذ تركت بها عاطفة سامية لا تعمر إلا القلوب الكبيرة.

و عهدٌ قطعناه لك يا رابعة

تمرُ بنا الأيامُ و العهد بيننا  ****  على الثأرِ من جلادنا يتجددُ

دعِ الدهر يمضي والليالي تنقضي ****  فنحن على الأيام للقومِ رُصَّدُ

فسلام الله على من قضى ، و باركِ اللهم فيمن بقى .