ينتشر على ألسنة بعض شبابنا مفردات الصدمة في أخلاق شعب مصر.

 

- فهم لم يتصوروا أن الشعب سيسكت على الدماء الزكية المهراقة في مذابح الانقلاب.

- ولم يتصوروا أنه محصن ضد التفكير الواعي لدرجة جعلت بعضه يعادي الحراك الثوري ويرفع الخائن على اﻷكتاف.

- ثم نشأت قناعة بأن هذا الشعب متفرد في جبنه وحبه للعبودية، وبالتالي فلا يستحق التضحية من أجله، بل رأى البعض أن الحياة أصبحت مستحيلة بين هؤلاء الناس، لذا يدعون إلى الهجرة صوب بلاد تحترم آدمية الإنسان!

والحقيقة أننا نفقد البوصلة حين نترك جهادنا أو ننحرف عنه يأسًا من شعب لم نقرر يومًا واحدًا أنه يمتلك مواصفات المجتمع المسلم الحقيقي.

- وذلك لأن الدعوة منذ البداية تعاملت مع الشعب على أنه مسلم مريض، وأن الفقر والجهل والمرض والتخلف قد فتكوا به، وأن القيادات السياسية والفكرية للوطن الإسلامي هي صنيعة الاستعمار وقد أنشبت مخالبها في دين الشعب ووعيه وثرواته، وعملت على تدميرها، وأن دورنا هو استنقاد الشعب وهويته ومقدراته، وكل هذا مرصود في كتابات الحركة الإسلامية.

- ورغم حالة الشعب فقد استطاعت الصحوة الإسلامية أن تعيد للحياة قضايا كادت أن تموت، ابتداء من مفاهيم شمولية اﻹسلام والخلافة وحتى إحياء قضايا الأقصى والأقليات الإسلامية والتعاطف الإسلامي مع المسلمين في العالم.

- وشملت الصحوة جموعًا من أبناء (الشعب)، منهم من حمل الرسالة ومنهم من دعمها، أو أيدها أو تعاطف معها.

وهؤلاء كلهم ما زالوا موجودين وهم الذين يحملون هم الوطن ...وهؤلاء من الشعب.

- فأنت أيها الثائر من استهدفته الصحوة اﻹسلامية من الشعب لضبط المعادلة، وهاأنت تفرض نفسك ممثلاً (عن الشعب) في الصراع بعد أن كانت أمتنا رهينة بين المستعمر وبين حكام صنعهم اﻷعداء.

- إذن لا شعبنا صدمنا ولا جهدنا قد ضاع سدى.

- ولا تحدثني عمن أقيمت لهم الأسواق الخيرية وإيصال زكوات الأغنياء إليهم ثم يصطفون في صف العسكر ليلقي إليهم بالفُتات، فالفقراء والمهمشون قد أصبحوا حطام إنسان لا إدراك لهم فكيف نحاسبهم؟

- أما ما ينتشر حول خصائص الشعوب، وأن الشعب الفلاني شعب أبي لا يقبل الضيم، وهذا شعب مقدام، وثالث عبقري، ورابع وخامس.. أما شعبنا فجبان وعبيد، فهذا ما لم تثبته أي دراسة اجتماعية ولا حتى تاريخية، كما أنك تعلم أن الشعب اﻵن واقع تحت تأثير إعلامي مخابراتي رفع عنه القلم!!

- والتاريخ ليس حكمًا عادلاً، ﻷن كتابة التاريخ نفسها هي قضية نظرية مختلف عليها، وكل شعب قد كُتِب تاريخه بآيادٍ مختلفة عن اﻵخر وليست هناك قلم واحد له نفس المعايير العلمية قد كتب تواريخ الشعوب كلها ليمحص الفروق بين شعب وآخر.

- وقد تجد شعبًا له تاريخ من الجبن حينًا ومن الشجاعة حينا (كاليابان)، أو العمران حينا والتخريب حينًا (كالصينيين وجيرانهم)، أو شعبًا غبيًّا ثم غاية في الإبداع مثل (اليهود).

- فلا منطق هنا لتمييز شعوب على أخرى، ولكن السياق التاريخي لكل شعب يحكم حركته،

خاصة أن الشعوب الغربية التي تحيا الآن في نعيم تقدم مادي، لا ينظر إليها المسلم من هذا المنظور فقط، إذا يعتبر هذا مجرد فرصة متاحة لنشر الإسلام، أما الذوبان والانبهار والانسحاب للاحتماء بهذه الأمم المتقدمة هروبًا من أمتنا المتخلفة، فهو نسيان لأصل الرسالة وتنكب عن الطريق الواجب.

- وقد ترى معي أن يأس البعض من الشعب ولَّد لديه شعورًا بأنه لن يثور أبدًا وبالتالي لن تُحسم المعركة مع العسكر إلا بحمل السلاح، وأكد هذا الشعور الإعجاب ببعض الجماعات المسلحة على ساحات الصراع اﻵن.

- ومعلوم أن قرارات (سلمية أو عسكرة) الثورة تأتي (قرارًا) ولا تأتي (اضطرارًا)، وإلا سيكون الثوار مجرد أداة بيد العسكر يدفعونهم حيث شاءوا.

وإذا قررنا ابتداء بأن (كل) الخيارات مفتوحة أمامنا لنيل حريتنا وكرامتنا واستنقاد مقدرات أمتنا، فليس معنى ذلك أن ييأس الثوار بسرعة من طريق قدَّروا صحته، أو أن يلجئوا لطريق آخر لمجرد بروز بعض البطولات فيه، أو الجزع من تعاظم التضحيات، أو اليأس الخاطئ من الشعب.

- إذن فالواجب أن يلجأ الجميع إلى التفكير الهادئ، والبعد عن السخرية وإلقاء الاتهامات داخل نسيج الثورة، وكل الأفكار (نعم كلها) ينبغي أن تمحص في إطار (جدية البحث، ومسئولية القرار)، حتى لا ينتشر وعي زائف (استسلامي أو متهور) تحت ضغوط المعركة.

- والخلاصة أن هذه هي ظروف ثورتنا: (شعب مغيب، وعسكر خونة، وثوار صابرون).

فمن أراد الاجتهاد لتطوير الثورة فأهلا به، ومن يئس فليدركنا لاحقًا.

مكملين …

لا رجوع …

mohamedkamal62@ymail.com