ما بين حادثة كنائس الإسكندرية وبين الحكم الصادر عن محكمة القضاء الإداري المصرية مؤخرًا لصالح زوجين يسعيان منذ نحو العامين للحصول على حق انتسابهما للبهائية في المستندات الرسمية خيطُ صلة رفيعٌ، ولكنه متينٌ ومخيفٌ وهو خيط الطائفية في مصر.

 

والسؤال على خلفية ما جرى هو: ماذا يحدث في مصر الآن؟!، سؤال جرى ولا يزال يجري على ألسنة وفي عقول الكثيرين داخل وخارج هذا الوطن الكبير، بعد العديد من الأحداث التي شهدتها الساحة المصرية مؤخرًا والتي توضح أن هناك مخططًا مبرمجًا يجري على قدم وساق لهدم الأسس الرئيسة التي تقوم على أساسها الدولة المصرية، بما يهدد، وفي الصميم الأمن القومي المصري.

 

هذه الأحداث تمس في أساسها هويةَ المجتمع المصري وطبيعةَ اتجاهات العلاقات القائمة بين مختلف أطرافه، أو بمعنى أكثر وضوحًا فيما يتعلق بقضية الطائفية داخل مصر مجتمعًا ودولة، ومن خلال مجموعة من الأحداث التي جرت مؤخرًا- والتي من المرجح ألا تكون الأخيرة- فإنه من الممكن أن نلمح وجود مخطط واسع النطاق لتطوير البعد الطائفي في الخطاب المصري على نحوٍ يهدِّد في بعد من أبعاده وحدةَ التراب الوطني المصري، بما يجعل بعض الأفكار السلبية تقفز إلى الأذهان عند تناول هذه الإشكالية.

 

هذه الأحداث المشار إليها- كما سبق القول- تمس ملف الطائفية في مصر، وبعض هذه الأحداث يمس في جانب من جوانبه سياسة الدولة المصرية الخاطئة إزاء هذا الملف، مما أدى إلى تفاقمه، وأيضًا تبدو فيه- على نحو واضح ولا يحتاج إلى دليلٍ مادي لإثباته- أبعاد مؤامرة دولية على مصر باعتبار أن هذا البلد هو بالفعل مفتاحٌ مهم وفعالٌ لعلاج أزمة الأمة العربية والإسلامية.

 

ولدى التركيز في هذا المقام على بعض ما جرى في مصر في السنوات الأخيرة يمكن أن نلحظ مجموعةً من الأحداث التي تكرس هذه القضية كإشكالية مهمة ينبغي البحث عن علاج فعال لها، يقوم على أساس دراسة عميقة لظاهرة الطائفية في مصر ومدى تأصلها في المجتمع والعوامل التي أدَّت إلى ظهور هذه الظاهرة في مجتمع موحَّد عرقيًّا وفكريًّا مثل المجتمع المصري ومحاولة علاجها بشكل جذري وليس بالطريقة "الساذجة" التي يتعامل بها الإعلام الحكومي وأجهزة الدولة الرسمية المصرية.

 

ولن تكون نقطة البدء في هذا المقام أحداث عين شمس أو الزاوية الحمراء في السبعينيات الماضية؛ لأن هذه الأحداث على خطورتها كانت مفتعلة إلى حدٍّ كبير وارتبطت بظاهرة محدودة في المجتمع المصري وهي التطرف الديني وما صاحب تلك الفترة في مصر من انفلات سياسي وأمني استطاعت مصر الخروج منه بثمن باهظ.

 

ولكن نقطة البدء الحقيقية تعود إلى حقبة التسعينيات الماضية، حيث لعبت مجموعةٌ من العوامل السياسية والاجتماعية مثل الفقر وعودة العنف السياسي إلى البلاد مجددًا، ولكن بشكل أكثر دموية وأَثَّر تأثيرًا باهظًا في المجتمع المصري، حيث بدأت أحداث العنف الطائفي في الظهور بشكل أكثر برمجةً وتنظيمًا وإن حاول الإعلام الرسمي للدولة احتواء آثاره أو نفي وجوده باستمرار دون أن يقوم الحكم القائم في مصر حاليًا بدوره في محاولة ضبط الأمور وعلاج مسبباتها.

 

 تشييع جنازة أحد ضحايا أحداث الكشح

 

ومن هنا جاءت أحداث الكشح الأولى والثانية وجاءت أحداث مسرحية "كنت أعمى ثم أبصرت" لتكرِّس بعضًا من جوانب الصورة، وما بين أحداث الكشح وسوابق فترة تفاعل العنف السياسي في مصر في التسعينيات الماضية وبين حادثة الإسكندرية الأخيرة خيوطٌ لعلاقات وتفاعلات عدة مرت في كثير من مراحلها بحالات من التوتر الذي كاد أن يتحول إلى أزمة حقيقية كما في قضية الراهب المشلوح بدير المحرق أو في قضية السيدة وفاء قسطنطين زوجة راهب البحيرة.

 

وفي كل هذه الحالات كانت تبدو أمام الناظرين ملامح من احتقان طائفي أعلن عن نفسه في الكثير من المظاهر مثل مصاد