بقلم: فوزي منصور
بعد الفوز الكاسح لحركة المقاومة الإسلامية (حماس) في فلسطين في الانتخاباتِ التشريعيةِ وتشكيلها الحكومةِ الفلسطينيةِ أرادَ المتربصون بالإسلام شلَّ حركة هذه الحكومة حتى تفشل؛ لأنهم يعلمون أن نجاح هذه الحكومة معناه تقويض الأطماع الصهيونية وتطهير الأرض الفلسطينية من رجس الاحتلال الصهيوني، كما أرادوا معاقبة الشعب الفلسطيني على اختياره الحرّ لبرنامج الحركة فاتبعوا معه سياسة التجويع وأغلقوا المعابر، وحاربوه في لقمة عيشه، هذا بالإضافة لما صرَّح به رئيس الوزراء الفلسطيني إسماعيل هنية بأن وزير الاقتصاد الفلسطيني قد ورث "خزانة فارغة بل ومثقلة بالديون".
ونحن هنا سوف نتحدث عن وجوب التكافل الاجتماعي بين المسلمين، مدعَّمًا بالأدلة من الكتاب والسنة، كما نتحدث عن عقوبة التقصير في هذا الحق، والله أسأل أن يوفقنا إلى ما فيه الخير والنفع لأمتنا.
التكافل سمة من سمات هذه الأمة
لقد سبق الإسلام كلَّ نظريات الأرض وكلَّ مَن يتحدث عن حقوق الإنسان بأن جعل ربع ما تُحصِّله الدولة من أموال الزكاة للفقراء والمساكين، وشعب فلسطين في هذه الأيام التي لا يجد فيها رغيفَ الخبز يُعتبر تحت خط الفقر، وبالتالي فمِن حقه أن يحصل على أموال الزكاة، كما يجب على الدول الإسلامية جمع الزكاة وإرسال جزءٍ منها إلى شعب فلسطين، ووالله لو أخرج كل غني زكاة ماله ما وجدنا مسلمًا جائعًا، فما جاع فقيرٌ إلا ببخل غني.
كما يجب أن يتحقق التكافل بين المسلمين على أعلى مستوياته وبين الدول بعضها البعض؛ ولنضع نصب أعيينا أن فعلَ الخير من سمات هذه الأمة، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ(77)﴾ (الحج).
وكلمتا البر والخير في القرآنِ كلمتان يجتمع فيهما كل الخصال الطيبة، والمطلوب من المؤمن ومن أمةِ الإسلام أن تفعل الخير على الإطلاق.. الخير المطلق لجميع الناس، ومن الخير العام في القرآن الكريم جانب العطاء، والمسلم من مميزاته هذا الجانب، جانب العطاء، كما أن العطاء دليلٌ على صدق الإيمان، كما نلاحظ أن جميع الآيات التي بها أمرٌ بإقامةِ الصلاة جاءت مقرونةً بإيتاء الزكاة.. ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ (البقرة: من الآية43).
فهناك تلازم بين الصلاة والزكاة، فالعطاء دليلُ الإيمان؛ ولذلك يقول صلى الله عليه وسلم: "السخي قريبٌ من الله قريب من الجنة قريب من الناس بعيدٌ عن النار، والبخيل بعيدٌ عن الجنة بعيدٌ عن الناس قريبٌ من النار ولَجاهلٌ سخي أحبُّ إلى الله من عابدٍ بخيل".
والمسلم ليس مطلوبًا منه فقط أن يؤدي فريضةَ الزكاة؛ بل حثَّ الإسلام على كثرة الصدقات، ووعد المنفقين بالخير الكثير، فما بالكم في حالة حدوث مجاعة لشعب من الشعوبٍ المسلمة، كما هو الحالة لشعب فلسطين، شعب كان يأتيه الدعم من غير المسلمين ثم امتنعوا عن دعمه، أفلا يقف بجواره كل مسلم على ظهر هذه الأرض؟! والله سبحانه وتعالى سوف يحاسبنا على تقصيرنا في حقِّ هذا الشعب، بل اعتبر النبي- صلى الله عليه وسلم- من يَبيت شبعان وجاره جائعٌ وهو يعلم ناقصَ الإيمان؛ فقال: "والله لا يؤمن، من بات شبعان وجاره جائع وهو يعلم"، وشعب فلسطين جارٌ لنا جميعًا، ونحن نعلم أنه جائعٌ فكيف يطيبُ لنا العيش وأكل ما لذَّ وطاب من الطعام وهو لا يجد لقمة العيش؟!
ولنتذكر جميعًا حديثَ رسول الله- صلى الله عليه وسلم-:"وما من امرئ ينصر مسلمًا في موضع ينتقص فيه من عرضه وينتهك من حرمته إلا نصره الله في موطن يحب نصرته" (رواه أحمد)، فإنْ نصرنا إخواننا بأموالنا ووقفنا بجانبهم أمام هذا المحتل الجبان نصرَنا الله عزَّ وجل، وإلا فسوف تدور الدائرة علينا.
منع الزكاة هلاك ودمار
ونختم بعقوبة تارك الزكاة؛ لعل المسلمين أن يفيقوا من غفلتهم ويُخرجُوا زكاة أموالهم، ويقفوا بجانب شعب فلسطين حتى ينصرَه الله عز وجل ويرفعَ عنه هذا البلاء.
لتارك الزكاة عقوبتان؛ عقوبةٌ في الدنيا وعقوبةٌ في الآخرة، أما عقوبة الدنيا فهي مَحقُ البركة من هذا المال، بل الهلاك والدمار لهذا المال الذي لم تطهِّره الزكاة والحرمان من رزق الله عز وجل، كما حدث لصاحب الجنتين حين امتنع عن إخراج حق الفقراء؛ فكانت النتيجة ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا(42)﴾ (الكهف)، وكما حدث أيضًا لأصحاب الجنة حين رفضوا أن يعطوا الفقراء حقَّهم المعلوم؛ فكانت النتيجة ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ(19) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ(20) فَتَنَادَوا مُصْبِحِينَ(21) أَنْ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَارِمِينَ(22) فَانطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ(23) أَنْ لا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ(24) وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ(25) فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ(26)﴾ (القلم).. نحن ضللنا الطريق.. ليست هذه حديقتنا، ثم رجعوا ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ(27)﴾ (القلم) هي هي لكننا حُرمنا رزقَ الله عزَّ وجل.. هذه عقوبة دنيوية للذي يقبض يده وينسى ربه ويحب الدنيا أكثر من حبه للآخرة، وينسى حق إخوانه الفقراء، وما يحدث اليوم للمسلمين من ابتلاءات وضياع أموال وخسارات هنا وهناك هو بسبب عدم تطهير هذه الأموال، فوالله لو طهَّر كل غني مالَه بإخراجِ الزكاة لنما مالُه وحلَّت فيه البركةُ وكَثُر الخير.
أما العقوبة الأخروية فهي واضحةٌ في القرآن والسنة؛ ففي القرآن يقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (التوبة: من الآية 34) لا يخرجون زكاتها ولا يتصدقون منها ﴿فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ تُؤتَى كاملةً إذا كانت فضةً أو إذا كانت ذهبًا أو إذا كانت أيَّ شيء.. ﴿يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ﴾ ويُقال لهم أثناء العذاب: ﴿هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ (التوبة: 35).
أما في السنة فيقول الرسول- صلى الله عليه وسلم-:"من آتاه الله مالاً فلم يؤدِّ زكاته مُثِّل له يوم القيامة شجاعًا أقرع له زبيبتان يطوِّقه يوم القيامة فيأخذ بلهزمتيه- أي بشدقيه- فيقول: أنا مالك أنا كنزك" ثم تلا هذه الآية ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (آل عمران: من الآية180).