- الدفاع عن الرسول واجب منذ الانطلاقة الأولى للإسلام
- إساءة الصحف الأوروبية لن تكون الأخيرة
- من صور الدفاع: العناية الإلهية.. الدعاء.. المقاطعة.. القوة..
إعداد: عاطف عبد الهادي- دعاء حسين
في سبتمبر من العام 2005 قامت صحيفةٌ دانمركيةٌ نصف مشهورة (يلاندز بوستن) بإقامةِ مسابقةٍ لرسم كاريكاتير للنبي محمد- صلى الله عليه وسلم- وقامت الصحفية باختيار 12 رسمةً من الرسوم التي أُرسِلت، وفيها استهزاءٌ وسخريةٌ بالنبي محمد- صلى الله عليه وسلم- حيث أظهرت النبيَّ صلى الله عليه وسلم وهو يلبس عمامةً على شكل قنبلة بفتيل، وقد حاولت الجالية الإسلامية وقفَ الصور، لكنَّ الجريدة رفضت، بل إن الحكومة نفسها أيَّدت الجريدة ودعمتها؛ بحجة حرية التعبير, فقامت الجالية الإسلامية بتنظيم حملة للدفاع عن النبي محمد- صلى الله عليه وسلم- وتبعها في هذا العالم الإسلامي.
وفي العديد من الدول الإسلامية قامت مظاهراتٌ تندِّد بما حدث وتستنكر ما قامت به هذه الصحيفة في كلٍّ من مصر والسعودية التي سحبت سفيرها في الدانمارك وليبيا التي أغلقت سفارتها بالدانمارك، وإندونيسيا، وغيرها من دول العالم العربي والإسلامي، وصدرت إداناتٌ من جهات مختلفة مثل جماعة الإخوان المسلمين وحزب الله اللبناني وهيئة علماء المسلمين في العراق والبرلمان الكويتي والبرلمان المصري، وقد بدأت الدعوة إلى مقاطعة المنتجات الدانماركية في كثير من بلدان العالم الإسلامي.
وانتهت المظاهرات وهدأت الثورات ولم تعتذر حكومةُ الدانمارك ولا هذه الصحيفة عمَّا بدر منها من إساءةٍ ضد النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ولعلها ليست الإساءةَ الأولى التي تعرَّض لها النبي- صلى الله عليه وسلم- فقد تعرَّض النبي الكريم إلى إساءاتٍ قبل ذلك في حياته وبعد موته صلى الله عليه وسلم.
ونحن هنا نعرض لشيءٍ من هذه الإساءاتِ التي أساء فاعلُوها إلى النبي- صلى الله عليه وسلم- بهدفين:
الأول: إدراك حدَّة الصراع القائم بين الحق ممثَّلاً في شخص النبي صلى الله عليه وسلم والباطل ممثَّلاً في وجوه شتى من أرباب الفساد والشرك والكفر في كل عصر ومصر، والنهوض بهذا الإدراك لنصرة النبي صلى الله عليه وسلم، ودفع الأذى عنه، والتصدي لكل ما من شأنه الإساءة له عليه السلام، ومعرفة أن هذا ديدن الباطل ما دامت الشمس تأتي من مشرقها.
الثاني: وصْل الماضي بالحاضر والآتي، حتى تتبلورَ حقيقةُ التاريخ البشري، بل وبالأخص الإسلامي منه حتى تبدو الحياة الإسلامية وكأنها سلسلةٌ تكمِّل بعضها، وأن التاريخ إنما يُعيد نفسه يومًا بعد يوم وعامًا بعد عام، وبالتالي تظهر في أذهاننا حقيقةُ هذه الدنيا وأهمية إسلامنا العظيم وتاريخة الجليل.
في العهد المكي
1- في مهد الدعوة الإسلامية.. ولما أنزل الله أمرَه إلى نبيه محمد- محمد صلى الله عليه وسلم- بالصدع بالدعوة- وذلك قوله تعالى: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ(214)﴾ (الشعراء: 214)- خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى صعد الصفا وهتف: يا صباحاه، فقالوا: من هذا؟! فاجتمعوا إليه، فقال: أنا نذيرٌ لكم بين يدَي عذاب شديد.. أرأيتكم لو أخبرتكم أن خَيلاً تخرج من سفح هذا الجبل وأن العدو مُصبِّحُكم أو ممسيكم أكنتم مصدقي؟! قالوا: ما جرَّبنا عليك كذبًا.. قال: "فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد" فقال أبو لهب: ألهذا جمعتنا؟! تبًّا لك.. فأنزل الله عز وجل: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِيْ لَهَبٍ وَّتَبَّ﴾ ( المسد 1) إلى آخرها، بل وكانت امرأته أم جميل بنت حرب (العوراء) تمشي خلف النبي- صلى الله عليه وسلم- تضع الشوك في طريقه، ولقد أقبلت يومًا ولها ولولة وفي يدها فهر (حجر) تريد أن ترميَ به النبي الكريم وهي تقول مذممًا أبينا.. ودينه قلينا.. وأمره عصينا.. فأخذ الله بصرَها عن نبيه وحبيبه.. فكان أبو لهب وهو عمه وامرأته (حمالة الحطب) من أوائل من آذَوا وسبوا النبي محمدًا.
2- وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال أبو جهل هل يعفِّر محمدٌ وجهَه بين أظهرِكم؟ قيل نعم، فقال واللات والعزى لئن رأيته يفعل ذلك لأطأنَّ على رقبته، ولأعفرنَّ وجهَه، فأتى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وهو يصلي ليطأ على رقبته، فما فاجأهم إلا وهو ينكص على عقبيه، ويتِّقي بيديه!! فقِيلَ له ما لك؟ قال إن بيني وبينه لخندقًا من نار، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- "لو دنا لاختطفته الملائكة عضوًا عضوًا", (أخرجه مسلم).
3- وعن عبد الله بن عمرو قال: بينما رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ساجدٌ وحولَه ناسٌ من قريش وبالقرب منه سلا بعير- يعني أمعاءه وأحشاءَه- إذ قالوا: من يأخذ سلا هذا الجزور فيقذفه على ظهره، فجاء عقبة بن أبي معيط فقذفه على ظهره- صلى الله عليه وسلم- وجاءت فاطمة فأخذته عن ظهره، ودَعَت على مَن صنع ذلك.. قال عبد الله فما رأيت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- دعا عليهم إلا يومئذ فقال:"اللهم عليك بالملأ من قريش، اللهم عليك بأبي جهل بن هشام، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وعقبة بن أبي معيط، وأمية بن خلف" قال عبد الله: فلقد رأيتهم قُتلوا يوم بدر وأُلقوا في القليب غيرَ أن أميةَ كان رجلاً بدينًا، فتقطَّع قبل أن يبلغ به البئر" (متفق عليه).
4- ومن أشد المواقف التي صنعها المشركون بالنبي- صلى الله عليه وسلم- أنه كان يصلِّي في حجر الكعبة، فأقبل عليه عقبة بن أبي معيط، فوضع ثوبه في عنقه، فخنقه خنقًا شديدًا، فأقبل أبو بكر حتى أخذ بمنكبيه، ودفعه عن النبي- صلى الله عليه وسلم- وقال: أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله؟!
5- اجتماعهم بدار الندوة وجمعهم 40 شابًّا جلدًا قويًّا ووقوفهم بباب النبي- صلى الله عليه وسلم- ينتظرون خروجَه لصلاة الفجر حتى ينقضوا عليه فيضربوه ضربةَ رجل واحد فيتفرق دمُه بين القبائل، فيرضوا بالدية، ولكن كان القدر الأعلى هو الحافظ لنبيه ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ (9)﴾ (يس)
6- بل إن خروجه- صلى الله عليه وسلم- من المدينة كان مصحوبًا بطلب قريش المجيء به حيًّا أو ميتًا، بل ولقد تبعه سراقةُ بن مالك، والذي غاصت أرجل فرسه في الرمال فأدرك أن الله مانعٌ محمدًا نبيه ورسوله، فطلب من رسول الله الصفحَ والعفوَ، بل عاهد النبي على ألا يخبر عنه، وأسلم سراقة فيما بعد.
وهكذا نرى أن الفترة المكية التي كانت محضنَ الدعوة الإسلامية جاء إيذاء النبي- صلى الله عليه وسلم- فيها على نحو الطعن في شخصيته والسخرية والتحقير والاستهزاء والتكذيب, وإثارة الشبهات وتكثيف الدعايات؛ حيث وصفه البعض بأنه مصابٌ بنوع من الجنون، وأحيانًا قالوا: إن له جنًّا أو شيطانًا يتنزل عليه كما ينزل الجن والشياطين على الكهان, وكانوا يعملون للحيلولة بين الناس وبين سماعهم القرآن، ولما رأوا أن هذه الأساليب لم تُجدِ نفعًا في إحباط الدعوة الإسلامية استشاروا فيما بينهم، فقرَّروا التطاول على شخصه، بل لقد تعداه إلى الإيذاء البدني كما رأينا مما سبق، حتى لقد وصل الأمر إلى أن يبصق عدو الله أميةُ بن خلف في وجه النبي- صلى الله عليه وسلم- الشريف، بل قاموا بضربِه- صلى الله عليه وسلم- عدة مرات وكانت هناك عدة محاولات لاغتياله.
ولكن على كل حال كان هناك رد فعل ولو بقدره، فتارة يكون الذَّب عن رسول الله من قِبَل العناية الإلهية الربانية كما فُعل بأمِّ جميل وأبي جهل والـ40 شابًّا المجتمعين عند بيته صلى الله عليه وسلم يوم الهجرة وموقف سراقة، وتارة بدفع الأعداء عن الرسول محمد كما فعل أبو بكر وفاطمة، وتارة بالدعاء كما في توجه النبي إلى ربه بالدعاء عليهم.. أي إن إيذاء النبي محمد صلى الله عليه وسلم ومنذ العهد الأول من الدعوة الإسلامية يحتم على المسلمين الدفاع عنه بالكيفية التي تناسب كل زمان والتفاعل مع هذا الخَطْب بالدعاء.. بالمقاطعة.. بالرد والصد أو ما شابهه.. إلخ.
في العهد المدني
بعد أن استقر له الحال- صلى الله عليه وسلم- في المدينة أمَّن جوانب المدينة بأن بنى المسجد الذي هو ملتقى المسلمين، ثم آخى بين المهاجرين والأنصار، ثم وضع الوثيقة العظيمة بين مَن خالفه من اليهود الذين يقطنون المدينة كبني قريظة والنضير وقينقاع.
وربما كانت قبلة الرسول- صلى الله عليه وسلم- أول الأمر هي هي نفس القبلة التي يتوجه إليها اليهود في عبادتهم، ولكن لحكمةٍ أرادها الله وليعلم مَن يتبع الرسولَ ممن ينقلب على عقبيه وليعلم المؤمن الحق من المنافق أمرَ حبيبه صلى الله عليه وسلم أن يولِّي وجهَه قِبَل المسجد الحرام؛ ما كان سببًا أوليًّا في بداية أول عداء بين اليهود والرسول- صلى الله عليه وسلم- ليبدأ مسلسلٌ جديدٌ من الإهانات والدسائس والمكر والحيل والخداع وإثارة القلاقل والفتن ضد النبي- صلى الله عليه وسلم- وجماعته المسلمة؛ ومما تعرض له النبي- صلى الله عليه وسلم- من إساءاتٍ ما يلي:
1- الشاعر اليهودي كعب بن الأشرف، وقد كان يستعمل شعرَه في إيذاء النبي وسبِّه، وقد آذى رسول الله بعد انتصار المسلمين في بدر؛ حيث حرَّض المشركين على قتال النبي- صلى الله عليه وسلم- وكان يؤذي رسول الله- صلى الله عليه وسلم- والمؤمنين، ويشبِّب في أشعاره بنساءِ المؤمنين، وذهب بعد وقعة بدر إلى مكة وألبَّ على رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وعلى المؤمنين، فقال عليه الصلاة والسلام:"من لي بابن الأشرف فإنه قد آذى الله ورسوله" فكان له محمد بن مسلمة الذي قتله ثأرًا للنبي محمد صلى الله عليه وسلم.
2- يهود بني النضير، وقد ذهب إليهم الرسول- صلى الله عليه وسلم- يطلب منهم العونَ على دية القتيلين- حسب بنود المعاهدة- اللذين كان قد قتلهما عمرو بن أمية الضمري خطأ، فقالوا له: نفعل يا أبا القاسم، اجلس ها هنا حتى نجمعَ لك المال، فأسند النبي- صلى الله عليه وسلم- ظهرَه لأحد الجدران، وكان معه بعض الصحابة.. منهم أبو بكر وعمر، هنا خلا اليهود بعضهم ببعض، ومعهم شيطانهم الذي سوَّل لهم الشقاء، وأرْدَاهم المهالك، فتشاوروا فيما بينهم على اغتيال النبي- صلى الله عليه وسلم- بإلقاء حجر كبير على رأسه، فانبعث أشقاهم- وهو عمرو بن حجاش- وأخذ الحجر وصعد سطح البيت من أجل إلقائه على رأس النبي صلى الله عليه وسلم، ولكنَّ الله عز وجل أطلَع رسوله عليه الصلاة والسلام على الأمر، فيخرج مسرعًا من ديارهم، حتى إن أصحابه لم ينتبهوا لذلك، ثم أمر الرسول بمغادرة اليهود للمدينة، وإمهالهم فقط مدة عشرة أيام، فمن وَجده بعد ذلك ضرب عنقه، فلم يجد اليهود مناصًا من الخروج، فمكثوا عدة أيام ليتجهَّزوا للجلاء، ولكنَّ عبد الله بن أبيِّ بن سلول- رأس النفاق- أرسل إليهم أن يمتنعوا عن الخروج؛ ومنَّاهم بألفي مقاتل يدخلون معهم الحصون ويقاتلون حتى الموت، وأغراهم بأن غطفان وبني قريظة معهم، عندها أرسل حُيي بن أخطب للرسول- صلى الله عليه وسلم- قائلاً: "إنا لا نخرج من ديارنا؛ فاصنع ما بدا لك!"، عندها قرَّر النبي- صلى الله عليه وسلم- والصحابة مهاجمةَ اليهود مهما كانت الظروف، فتجهَّز الصحابة وتوجَّهوا لديار بني النضير وشدُّوا عليهم الحصار وأَحرقوا بساتينهم، فتخلَّى بنو قريظة وغطفان والمنافقون عنهم.
وبعد حصار استمرَّ مدة ست ليال قذف الله في قلوبهم الرعب، فاندحروا وقرَّروا الاستسلام وإلقاء السلاح، وأرسلوا الى الرسول- صلى الله عليه وسلم- يطلبون الخروج من المدينة، فأذِن لهم على ألا يحملوا معهم إلا ما حملت ظهور الإبل، فخرب اليهود بيوتهم بأيديهم، حتى حملوا جذوع النخل على ظهور الإبل، وتوجَّهوا على ستمائة بعير إلى خيبر، ولم يُسلم منهم سوى رجلين هما يامين بن عمرو وأبو سعد بن وهب، وكان يامين ابن عم عمرو بن حجاش الذي أراد اغتيال النبي- صلى الله عليه وسلم- فقال النبي عليه الصلاة والسلام ليامين: أرأيت ما كان يريد ابن عمك!!" فجعل يامين- رضي الله عنه- جعلاً لرجل حتى يقتل ابن عمه عمرو، وبالفعل قتله هذا الرجل، وكانت أموال بني النضير خالصةً للرسول عليه الصلاة والسلام يضعها حيث يشاء؛ لأنها مما أفاء الله عليه من غير قتال، فجعلها النبي- صلى الله عليه وسلم- في المهاجرين الأولين فقط، وأنزل الله تعالى في تلك الغزوة سورة الحشر.
3- أهدت له زينب بنت الحارث امرأةُ سلام بن مشكم شاةً، وقد سألت أيَّ عضوٍ من الشاة أحب إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم-؟! فقيل لها: الذراع، فأكثرت فيها من السم ثم سمَّت سائر الشاة ثم جاءت بها; فلما وضعتها بين يدي رسول الله- صلى الله عليه وسلم- تناول الذراع فلاكَ منها مضغةً فلم يسغها، ومعه بشر بن البراء بن معرور قد أخذ منها كما أخذ رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فأما بشر فأساغها، وأما رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فلفظها، ثم قال "إن هذا العظم ليخبرني أنه مسموم" ثم دعا بها، فاعترفت فقال "ما حملك على ذلك"؟ قالت: بلغتَ من قومي ما لم يخفَ عليك فقلت: إن كان ملكًا استرحت منه وإن كان نبيًّا فسيخبَر، قال فتجاوز عنها رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ومات بشر من أكلته التي أكل.
4- عوف بن الحارث، وهو الرجل الذي انفرد بالنبي- صلى الله عليه وسلم- حتى قام على رأسه ورسول الله عائدٌ من غزوة ذات الرقاع، فتقلد سيف النبي- صلى الله عليه وسلم- وقال: "من يمنعك مني؟!" قال- صلى الله عليه وسلم-: "الله"، فسقط السيف من يده، فأخذ رسول الله- صلى الله عليه وسلم- السيفَ، فقال له:"من يمنعك مني؟" قال: "كن خيرَ آخِذ"، قال:"تشهد ألا إله إلا الله؟" قال: "لا، ولكن أعاهدك على ألا أقاتلك ولا أكون مع قوم يقاتلونك"، فخلَّى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- سبيله، فجاء إلى أصحابه، فقال: "جئتكم من عند خير الناس" (رواه الإمام أحمد).
5- ابن قمئة: حيث أصيبت رباعية النبي- صلى الله عليه وسلم- في غزوة أحد، وشُجَّ في وجنته، وعلاه ابن قمئة بالسيف، فوقاه طلحة بن عبيد الله- رضي الله عنه- فسلت أصبعه- أي قطعه؛ حيث لم يبق مع النبي- صلى الله عليه وسلم- غير طلحة بن عبيد الله وسعد بن أبي وقاص، وكانت أحرج ساعة في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفرصة ذهبية بالنسبة إلى المشركين، ولم يتوانَ المشركون في انتهاز تلك الفرصة، فقد ركَّزوا حملتَهم على النبي- صلى الله عليه وسلم- وطمعوا في القضاء عليه، رماه عتبة بن أبي وقاص بالحجارة وأُصيبت رباعيته اليمنى السفلى وكُلِمَتْ شفته السفلي، وتقدم إليه عبد الله بن شهاب الزهري فَشَجَّه في جبهته، وجاء فارسٌ عنيدٌ هو عبد الله بن قَمِئَة، فضرب على عاتقه بالسيف ضربة عنيفة شكا لأجلها أكثر من شهر، إلا أنه لم يتمكن من هتك الدرعَين، ثم ضرب على وجنته صلى الله عليه وسلم ضربةً أخرى عنيفة كالأولى حتى دخلت حلقتان من حلق المِغْفَر في وجْنَتِه، وقال: خذها وأنا ابن قمئة.. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يمسح الدم عن وجهة: "أقمأك الله"، وفي الصحيح أنه- صلى الله عليه وسلم- كُسرت رَبَاعِيَتُه وشُجَّ في رأسه، فجعل يَسْلُتُ الدم عنه ويقول: "كيف يفلح قوم شجوا وجهَ نبيهم، وكسروا رباعيته، وهو يدعوهم إلى الله" فأنزل الله عز وجل: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذَّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ (آل عمران: 128).
وهكذا في المدينة المنورة أيضًا نرى ثقافة الدفاع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تتجدَّد حسب هذا العهد من النصرةِ والدفاع ولو بقتل المتجرئ على رسول الله، ولا يفوتنا أننا كنا نسمع في هذا العهد في أكثر من رواية فيها أن رجلاً آذى الرسول إلا ويرفع عمر بن الخطاب سيفَه ويقول يا رسول الله "دعني أضرب عنقه فقد آذى الله ورسوله".
ونرى هنا أيضًا ردَّ الفعل القوي إزاء الاعتداء على النبي صلى الله عليه وسلم من إجلاء بني النضير والإيذان في مقتل كعب بن الأشرف، والدعاء على ابن قمئة، ولربما تسامح النبي محمد مع من أراد قتله أكثر ممن سبَّه، فالدفاع عنه صلى الله عليه وسلم والذب عنه واجبٌ محتمٌ على كل مسلم ومسلمة رغم أن الله تعالى تكفَّل بحفظه ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ﴾ (المائدة: من الآية67)
في العهد الأموي
في العهد الأموي توسَّعت دائرة الدولة الإسلامية وكثرت الفتوحات واختلطت أمة الإسلام بغيرها من الأمم الأخرى ممن يحملون لغاتٍ أخرى غير العربية ودياناتٍ أخرى غير الإسلامية، وكان تعامل المسلمين مع غيرهم من هذه الأمم مستمَدًّا من أخلاق الإسلام وقيمه وسلوكياته، حتى كان النصارى يباشرون أعمالاً قريبة من كرسي الخلافة الأموية.
في هذه الآونة والأمر هكذا ظهر رجلٌ مسيحي يُدعى يوحنا الدمشقي، والذي ظهر حقدُه على الإسلام بكتابته سلسلةً من الكتب- ومنها كتاب مشهور باسم De Haeresbius ومعناه الهرطقة- التي هاجم بها النبي صلى الله عليه وسلم شخصيًّا؛ حيث وصف الرسولَ باستغلاله الدينَ لمصالحه الشخصية، بل وذكر أن الراهب النسطوري بحيرا الراهب كان يساعد النبي محمدًا في كتابة القرآن، وقد كان رد فعل الخليفة الأموي على ذلك أن قطع يده.
كان والد يوحنا الدمشقي مسيحيًّا وذا نفوذ عند الأمويين؛ حيث كان يعمل في منصب رفيع في بيت مال الدولة الأموية، وكان هذا في عهد الخليفة عبد الملك بن مروان، واختار والد يوحنا الدمشقي لابنه معلمًا يعلمه أصول المسيحية، ووقع اختياره على أحد الأسرى الذين تم القبضُ عليهم في سواحل إيطاليا أثناء معارك الفتح الإسلامي في سواحل أوروبا، حيث عمل الأب جاهدًا على إطلاق سراح هذا الأسير، معتمدًا على نفوذه وقربه من خليفة الدولة الأموية، وكان اسم هذا الأسير "كوسماس"، والذي اتضح من أمره فيما بعد أنه قسٌّ مشهورٌ من صقلية، وقام هذا القس بتعليم يوحنا الدمشقي أصولَ الديانة المسيحية.
وقد تولى يوحنا الدمشقي منصبَ والده في خزانة الدولة بعد موته، وأثناء فترة توليه المنصب أصدرَ بطريرك من كنيسة القسطنطينية تعليماتٍ بمنع المسيحيين من تقديس صور للمسيح أو لمريم العذراء، ولم يعجب ذلك يوحنا الذي بدأ يكتب رسائل ومخطوطات ضد ما أصدره البطريرك، فقام الإمبراطور البيزنطي ليو الثالث بتقديم شكوى للخليفة الأموي بدعوى أن الدمشقي يحرِّض على ثورة ضدَّ الإمبراطورية، فعزله الخليفة، ومن ساعتها بدأ حقده على الإسلام والرسول محمد صلى الله عليه وسلم.
لاحظ أيضًا هنا وبعد مرور أكثر من قرن من الزمان على النبي صلى الله عليه وسلم لكن من الواضح وضوح الشمس في كبد السماء أن الدفاع عن النبي الكريم أمرٌ واجبٌ، حتى إنه منوطٌ بالولاة والخلفاء قبل عامة الشعب، وهو ما قام به الخليفة الأموي بأن قطع يد الدمشقي.
في العهد المملوكي
وتحديدًا في نهاية القرن السابع الهجري 693هـ حيث قام أحد النصارى- ويدعى عساف- بسبِّ النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وقد شهد عليه جماعةٌ، فأخبروا ابن تيميةَ، فاجتمع ابن تيمية بالشيخ زين الدين الفارقي، وتوجَّها للأمير عز الدين أيبك الحموي- نائب السلطان- فكلماه في أمره فأجابهما إلى ذلك، وأرسل ليحضر عساف هذا الذي جاء الأمير ومعه أمير آخر كوسيط له عند أيبك، وكان الناس قد أخذوا يرمونه بالحجارة ويسبونه.
فأرسل أيبك في طلب الشيخين (ابن تيمية والفارقي) فضربهما بين يديه حتى انصرف الأمير وعساف ثم عاد الأمير ليُرضي ابن تيمية والفارقي، وقد قتل عساف قريبًا من مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قتله ابن أخيه هناك، ولقد صنف الشيخ ابن تيمية في هذه الواقعة كتابه العظيم (الصارم المسلول على سابِّ الرسول) وعمره 32 عامًا تقريبًا.
وهنا نرى أن ابن تيمية قد انبرى للذَّبِّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إنه ألَّف في هذا كتابًا بشأن نصراني سبَّ أبا القاسم صلى الله عليه وسلم، وخلاصة القول: إن سب النبي صلى الله عليه وسلم من أعظم المحرمات، وهو كفر وردة عن الإسلام بإجماع العلماء، سواء فعل ذلك جادًّا أم هازلاً، وأن فاعله يُقتل ولو تاب، مسلمًا كان أم كافرًا، ثم إن كان قد تاب توبةً نصوحًا، وندم على ما فعل، فإن هذه التوبة تنفعه يوم القيامة، فيغفر الله له.
في العهد الحديث
رواية آيات شيطانية
صدرت فى عصرنا مطبوعاتٌ تطعن في شخص الرسول صلى الله عليه وسلم، ومن أبرزها رواية (آيات شيطانية) لسلمان رشدي وهو روائي بريطاني من أصل هندي، وقد صدرت هذه الرواية في لندن في سبتمبر من العام 1988، وكان بهذه الرواية ما بها مما يسيء إلى النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وقد بنيت الرواية أساسًا على رواية مكذوبة مؤداها أن الرسول- صلى الله عليه وسلم- كان قد همس له الشيطان بهذه الكلمات: تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى.
والآيات المقصودة هنا هي الآيات 18 و19 من سورة (النجم) التي تنص على ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَالْعُزَّى* وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُُخْرَى* أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنْثَى﴾، وحسب الرواية فإن همس الشيطان بهذه الكلمات- "تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى"- يعني أنه ذكَر تلك الأصنام بخير في القرآن، وهذه إشارةٌ إلى أن الرسول- صلى الله عليه وسلم- حاول بطريقة أو بأخرى تقليل معاداة أهل مكة لدعوته وكف الأذى عن أتباعه بأن ذكر آلهة مكة بخير، وذكر كاتب الرواية فيها أن مكة كان بها دار للدعارة في مدينة الجاهلية (ويعني بها مكة) بها 12 امرأة، وكانت أسماؤهن مطابقةً لأسماء زوجات الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، وفيها أيضًا وصفٌ تفصيلي للعمليات الجنسية الذي قام بها ماهوند (ما أطلقه صاحب الرواية على النبي محمد، وهو اسم ألصق بالنبي محمد يفيد التحقير والاشمئزاز والسخرية منه صلى الله عليه وسلم).
وبعد أيام قلائل من صدور هذه الرواية منعت الهند سلمان رشدي من دخول بلادها، وتم سحب الكتاب من دور بيع الكتب، وقامت بلادٌ عدة بمنع الكتاب وخرجت مظاهرات تنديدٍ بالكتاب في أقطار إسلامية، وتم حرقُ أعداد كبيرة من هذه الرواية الساقطة، وكان على أثر ذلك أن أفتى الخوميني بأن سلمان رشدي حلال الدم، وقد كان لحرق هذه الأعداد وفتوى الخوميني رد فعل كبير من قِبَل وسائل الإعلام الغربية حيث تم اتهام المسلمين "بالبربرية" و"عدم السماح بحرية التعبير".
لاحظ: (1) رد فعل الخوميني بأن أحل دم رشدي (2) وسحب الكتب من دور البيع.
كتاب (نبي الخراب)
وقد صدر هذا الكتاب بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر؛ حيث روَّج الغرب الشائعاتِ والأقاويلَ ضد الإسلام ورسوله صلى الله عليه وسلم، وهذا الكتاب لم يكن وحده، بل وافقه في ذات الوقت كتبٌ وإصداراتٌ أخرى وكلها تنمُّ عن ضحالة بل جهالة كاتبيها، ومن أشهر الكتب التي صدرت في هذه الفترة كتاب (نبي الخراب) لكريك ونن، والذي وصف الرسولَ محمدًا بأنه قاطعُ طريق، استعمل البطشَ والاغتيالاتِ والخداعَ للوصول إلى السلطة المطلقة، وكان أيضًا- حسب وصف المؤلف- منحرفًا، ومن الجدير بالذكر أن كريك ونن كان رجل أعمال وصاحب أموال كثيرة، وقام بجمع ثروته من خلال تسويق المنتجات عن طريق الشبكة الدولية للمعلومات (الإنترنت).
الصحيفة الدانماركية (يلاندز بوستن)
في العام 2005 وتحديدًا في شهر سبتمبر قامت (يلاندز بوستن) وهي صحيفةٌ دانماركية مشهورةٌ بإقامة مسابقة لرسم كاريكاتير للنبي محمد- صلى الله عليه وسلم- واختارت الصحفية 12 رسمةً من الرسومات التي أرسلها القراء، ويصاحبها استهزاءٌ وسخريةٌ من النبي محمد- صلى الله عليه وسلم- حيث أظهرته وهو يلبس عمامةً على شكل قنبلة بفتيل.
وزعمت الصحيفة وإدارتها- بل والحكومة الدانماركية نفسها- أنها بهذا تباشر حقَّها في التعبير عن الرأي، وتمارس حقَّها الصحفيَّ في نشر ما تريد، ولم تُبدِ اعتذارًا ولا أسفًا لما حدث احترامًا لمشاعر المسلمين؛ بل إن الصحيفة وصحفًا أخرى أعادت نشر تلك الصور في وقت لاحق لما تم نشره المرة الأولى.
وقد توالت صيحاتُ العالم الإسلامي من كل حدب وصوب مندِّدةً بما حدث ومستنكرةً سكوتَ الحكام المسلمين على ما بدَر من هذه الصحيفة الخبيثة.
فهكذا يكشف لنا التاريخ الطويل من التآمر على الرسول- صلى الله عليه وسلم- أن الله تعالى دائمًا مع نبيه لإنقاذه والدفاع عنه، فجبريل عليه السلام يخبره بما همَّت به بنو النضير، وتنطق الشاة "لا تأكلني فإني مسمومة"، ويُطلعه ربه على من سحر له، وهو عليه الصلاة والسلام الذي لم يغضب لنفسه قط، ولم يحارب يومًا ليدافع عن حياته، وإنما خاض حروبه ومعاركه لنصرة دين الله وإعلاء لكلمة الله.
وأما اليوم.. فلئن لم ينتهِ المرجفون في الغرب عن الدسيسة لرسول الله- صلى الله عليه وسلم- لتتدخلنَّ السماء لنصرته والذودِ عنه، فحتى لو تقاعس المتقاعسون أو تخاذل المتخاذلون عن نصرته عليه الصلاة والسلام فإن السماء بالمرصاد.. وعين الله لا تسهو ولا تنام.
وهاهو حبه عليه الصلاة والسلام يغمر النفوس ويبعث في العالم الإسلامي صحوةً لم يسبق لها مثيل، وخرجت الجموع الغاضبة هاتفة: كلنا فداؤك يا رسول الله.. نبي الهدى نحن جند الهدى.. سنبقى على العهد طول المدى... بذلنا الدما وارتضينا الردى... لنشر الهدى يا رسول السلام.