وحدة البحوث والدراسات
كنتاج رئيس لظاهرة الفقر- بنتائجها وعواملها الأخرى الرئيسة والفرعية كالبطالة والعنوسة- وانتشار أعدادِ المهمَّشين في المجتمع المصري، واتساع نطاقِ توزيعِهم الجغرافي، ومع وقوع الغالبية العظمى من هذه الفئةِ من أبناءِ المجتمعِ المصري والذين رجَّحت الدراسات الحديثة تعدادهم بين السبعة إلى عشرة ملايين مواطن في الشرائح الدنيا من المجتمع.
ونتيجةً لعدد من العوامل الأخرى، مثل القمع السياسي، وازدياد وطأة العنف المشروع وغير المشروع الذي تمارسه الدولة المصرية- سواءٌ على المستوى الجنائي أو السياسي- وكذلك الفساد السياسي والإداري، وفي ظل مجموعة من المتغيرات الحاصلة في وسائل الإعلام وتأثيراتها، ونوعية المواد التي تقدمها والقيم التي تقوم بنقلها بالصوت والصورة وعلى رأسها الفضائيات والإنترنت..
كل هذه العوامل- بالتوازي مع التحولات القيمية الكبيرة التي تشهدها المجتمعات الإنسانية في الداخل والخارج- أدَّت إلى حدوث مجموعةٍ من التحوُّلات المفاجئة والعنيفة في المجتمع المصري، بدَّلت الكثير من السمات الأخلاقية والقيمية وكذلك على المستوى السلوكي فيه، وهذه التحولات التي تواءمت مع حالة من العَوز غير المسبوقة في تاريخ المجتمع المصري؛ نتج عنها العديدُ من الآثار، كان على رأسها تحولُ خصائصِ المجتمع المصري وعلى رأسها التسامحُ الديني والأخلاقي والاجتماعي وقبول الآخر إلى النقيض، وبدأت الجريمة والعنف في التبلور بشكل أكثر تنظيمًا وتوسعًا وكذلك خطورةً في المجتمع المصري.
ومع كون الجريمة والعنف المجتمعي هما الجانبين الأكثر ارتباطًا بقضية الفقر في مصر فقد بات من الواجب الحديثُ في هذا المجال بجدية أكبر وتعمُّق أكثر مع كون هذه المسألة إحدى أهم محددات الأمن القومي المصري ومهدداته في هذه المرحلة الحرجة من التاريخ المصري سياسيًّا واجتماعيًّا.
وللتدليل على أهمية هذه المسألة يكفي القولُ بأن العنف في مصر نتيجةً للعوامل التي تلت هزيمة يونيو من العام 1967م وممارسات القمع السياسي والإنساني التي مارسها النظام الناصري السابق، ثم حالة الانفتاح السياسي غير الرشيدة في المجتمع المصري في حقبة السبعينيات.. أدَّت إلى أن تخسر مصر أولاً طبيعة الترتيب الهرمي للمجتمع، وباتت الطبقة الوسطى في حكم المُلغَاة؛ مما أفقد المجتمعَ صِمامَ أمانِه، وثانيًا اتساعُ نطاقِ العنفِ السياسيِّ والاجتماعي والجنائي.. إلخ؛ حيث خسرت مصر آلاف القتلى في مواجهاتِ العنفِ السياسي، ومن بين هؤلاء القتلى رئيس للدولة، وهو الرئيس السابق أنور السادات، إضافةً إلى عدد من كبار مسئولي الدولة ورموزها السياسيين، مثل رئيس مجلس الشعب السابق الدكتور رفعت المحجوب.
هذا وتتنوع أشكال العنف والجريمة بين ما هو في المستوى الجنائي الأدنى مثل السرقة الفردية، وصولاً إلى جرائم القتل وما هو في المستويات السياسية والاجتماعية الأعلى مثل العنف السياسي والاضطرابات المدنية والقتل على الهوية والاغتيالات، وصولاً إلى النمط الأكثر جنوحًا وشذوذًا من العنف السياسي والاجتماعي وهو الحرب الأهلية.
وفي السياق التالي سوف نحاول أن نتعرف على ملامح عامة حول العنف كظاهرةٍ ذات طبيعة وأسباب متنوعة (سياسية واجتماعية واقتصادية) ومدى تأثيراتها على الأمن القومي المصري بمختلف مشتملاته وأبعاده المتنوعة أيضًا بما فيها البُعد الخاص بالأمن الداخلي:
تعريف العنف
مبدئيًّا يُعرَّف العنف على أنه "فعلٌ يأتيه فاعلٌ لتحقيقِ هدفٍ أو مجموعةٍ من الأهداف المتشابهة أو المتباينةِ في طبيعتها، باستخدامِ القوةِ المادية أو المعنوية، وللعنف في هذا الإطار مستوياتٌ (فردية أو جماعية أو بنائية)" وفي السياق الإجرائي فإن العنف- وبالتالي الجريمة كصورة من صور العنف- إنما هو بالأساس ظاهرة ذات أصل اجتماعي وفعل أو شكل سلوكي.
وفي هذا الإطار- وفي سياق الحديث عن الأسباب والعوامل التي عجَّلت بظهور مشكلة العنف في المجتمع المصري- فإننا هنا أمام مستويين للتحليل كما حدَّد عددٌ من أساتذة علم الاجتماع والعلوم السياسية، ومن بينهم الدكتور علي ليلة أستاذ علم الاجتماع بكلية الآداب بجامعة الإسكندرية، والدكتورة هالة مصطفى الأستاذ في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة.
المستوى الأول: هو ذلك المتعلِّق بالعواملِ المؤديةِ لظهورِ ثقافةِ العنفِ والجريمة.
أما المستوى الثاني: فهو ذلك الخاص بالمسارات التي تؤدِّي إلى تفاعلاتِ ثقافةِ العنفِ والجريمةِ في المجتمعات الإنسانية، والمجتمع المصري ليس استثناءً منها.. وهذه المستويات مرتبطةٌ بالأساس فيما بينها بعددٍ من الروابطِ ذات الطابع السياسي والسلوكي.
أولاً: على مستوى العوامل المولدة لثقافة العنف
1- عوامل نابعة من النظام العالمي والقضايا الإقليمية: ومن ذلك اعتماد ثقافة القوة والقهر لحسم الصراعات على المستوى العالمي، وأيضًا العنف الإعلامي والثقافي، مثل تهميش الثقافات، والإساءة إلى المقدسات أو على مستوى الأزمات الإقليمية مثل العراق وفلسطين والجزائر؛ مما يؤدِّي إلى ظهورِ ردودِ أفعالٍ ذاتِ طابع عنيف، وإن مال هذا الملف إلى الجانب السياسي.
2- العوامل النابعة من المستوى القومي الداخلي: وهذه العوامل تتعلق بالأساس بثقافة الانغلاق والردة الاجتماعية للثقافات المحلية على نفسها؛ مما أفسد الثقافة العامة للمجتمع وأدَّى إلى نقص مساحة تأثيرها، كذلك تنامي الفقر واتساع الهُوَّةِ بين الطبقاتِ والعشوائيات؛ حيث تسود ثقافة العنف وتهميش القانون والأخلاق، ويضاف إلى ذلك عواملُ نابعةٌ من النظام السياسي الحاكم، مثل القهر السياسي والاستبداد والعنف غير المبرَّر وانتهاكات حقوق الإنسان والفساد.
ثانيًا: على مستوى العوامل المنظمة لتفاعلات ثقافة الجريمة والعنف
هنا يمكن حصر مجموعة من العوامل الأساسية من ضمن العوامل التي تؤدِّي إلى سيادةِ ثقافةِ العنفِ وفرضِها على المجتمع المصري، وهي:
1- حالة الإحباط والاغتراب، وكذلك التهميش الاجتماعي التي تُواجه الكثير من شرائح المجتمع المصري، مثل الشباب العاطل والمهمَّشين وأسراب الهجرة الداخلية من الريف إلى الحضر ممن يعيشون على هامش المجتمعات الحضرية في المدن، لا سيما في مدن القاهرة الكبرى الثلاثة (القاهرة العاصمة، الجيزة، القليوبية).
2- عدم الثقة بين أفراد المجتمع والنظر إلى الآخر على أنه "عنصر تهديد"؛ بسبب حالة العَوز والفقر القائمة داخل المجتمع المصري بنسبة وصلت إلى حدِّ الـ60% والـ70%، طبقًا لإحصائيات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي.
3- غياب ثقافة احترام القانون في سياق أشمل، وهو غياب القيم وتباين الضوابط والأخلاقيات الاجتماعية.
عوامل عدة
من خلال التعريفات والمفردات السابقة يتضح لنا أن قضية الفقر والهامشية الحضرية هي التي تقف وراء تنامي حالة العنف في المجتمع المصري على مختلف مستوياته، وفي هذا الإطار تجدُرُ الإشارة إلى ظاهرة "الهامشية الحضرية"، أو ما يُعرَف باسم "الهلامية الحضرية" وهم بالأساس سكان المناطق العشوائية، وهم طوائفُ متزايدةٌ في تعدادها من السكان تتجمَّع في الضواحي حول المدن؛ حيث تُقيم لنفسها أحياءً جديدةً في نطاق مدني أو حضري لم تعرف الدولة كيف تنظمه، لا على صعيد البُنى التحتية (ماء- الصرف الصحي- الكهرباء- النقل والمواصلات والاتصالات) ولا على صعيد التأطير السياسي والثقافي، وعادةً ما تكون بيوت هؤلاء من أكشاك أو عشش الصفيح أو دور ومنازل صغيرة مبنية من مواد أولية.
![]() |
|
الفقر من عوامل تنامي العنف في مصر |
وبعيدًا عن المناحي الأكاديمية في التناول والمصطلح فإن قضية العنف بأنواعه في المجتمع المصري من جهة المسببات- بجانب قضية الفقر والهامشية الحضرية- يمكن رصدُها من خلال مجموعة الظروف الاقتصادية والاجتماعية وكذلك السياسية القائمة في الوقت الراهن داخل المجتمع المصري.
فهناك أولاً ظاهرة انحراف أجهزة الدولة الأمنية عن وظيفتها الشرعية في حفظ الأمن وحماية القانون والدستور وممارسة الدولة للعنف غير المشروع تجاه المواطن؛ مما زاد من وطأة الإحساس بالظلم الاجتماعي لدى المواطنين، مع اتساع نطاق التعذيب وانتهاك حقوق الإنسان من جانب أجهزة الأمن الداخلي، سواءٌ في حق المعارضة أو حتى المواطن العادي في ظل قانون الطوارئ سيِّئ السمعة ومجموعة أخرى من القوانين المُقيِّدة للحريات من جهة والتي تُطلق- من جهة أخرى- يدَ أجهزة الأمن والعمل السري في المجتمع المصري بحرية وصلاحيات واسعة النطاق تتجاوز الكثير من الشرعية والدستورية في سياقاتها.
كذلك تراجُع عملية التنمية البشرية في المجتمع المصري كذلك كان- ولا يزال- أحدَ أهم مسببات الجريمة والعنف في مصر، فقد تراجعت عملية التنمية البشرية على مستوى كافة المعايير الرئيسة لهذه القضية في مصر من مستوى الرفاهية الاجتماعية ومستوى المعيشة وصولاً إلى قضية حماية البيئة مرورًا بحقوق الإنسان ووضعية فئات بعينها بحاجةٍ إلى رعاية واهتمام أكثر من غيرها في المجتمع المصري، مثل ذوي الاحتياجات الخاصة والأطفال والمسنين والمرأة والمراهقين، وحالة الخدمات العامة المقدَّمة للمواطن المصري (وهي حصريًّا: المياه النقية- الصرف الصحي- التعليم- الصحة- النقل والمواصلات- الطاقة من كهرباء وغاز طبيعي- الاتصالات).
وطبقًا لتقرير التنمية البشرية للعام 2005م الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP)- بالتعاون مع معهد التخطيط القومي التابع لوزارة التخطيط المصرية في يناير الماضي 2006م- يمكن ملاحظة تراجع الأرقام التي ذكرت في التقرير في خصوص القطاعات السابقة، سواءٌ على المستوى المطلق أو على المستوى النسبي مقارنةً بمجتمعات وبلدان أخرى نامية أيضًا وليست بلدانًا متقدمة حتى لا تكون المقارنةُ ظالمةً، فالإنفاق على القطاع الصحي في ماليزيا يساوي أربعة أضعاف ما يُنفَق في مصر من إجمالي الموازنة العامة للدولة.
كذلك تنخفض متوسطات الأعمار في المجتمع المصري عن مثيلاتها في دول العالم العربي والإسلامي بنحو سبع سنوات، وبالمثل هناك ذات الفجوات بين مصر والبلدان العربية والإسلامية والعالم المتقدِّم في مجالات الإنفاق على التعليم والخدمات الصحية، فمعدَّل وفيات الأطفال لكلِّ ألف طفل في مصر هو 35 طفلاً فيما هو 7 في الولايات المتحدة و8 في ماليزيا و6 في الكيان الصهيوني، فيما أن معدل وفيات الأمهات لكل مائة ألف هو 84 امرأة في مصر و8 في الولايات المتحدة و5 في الكيان الصهيوني ورقم مماثل في ماليزيا التي تُعتبر هنا نموذجًا للبلدان الآخذةِ في النمو في العالم العربي والإسلامي.
ومن هنا يمكن القول بأن المسبب الأكبر للعنف في مصر- من خلال المؤشرات السالفة الذكر- هي قضية التنمية البشرية؛ باعتبارها المحك الرئيسي لملف العنف بكل ما تحويه هذه القضية (التنمية البشرية) من محكَّات وملفات فرعية، مثل الفقر، وانتهاكات حقوق الإنسان، وتراجع الحالة المعيشية والخدمية للمواطن المصري.
قضايا اجتماعية وسلوكية
وبجانب هذه الإشكاليات فإن هناك حزمةً أخرى من العوامل النفسية والاجتماعية التي تتحكَّم في قضية العنف داخل المجتمع المصري، على رأسها العنف الأسري والاجتماعي ضدَّ الأطفالِ والمرأةِ، وفي الحالةِ الأولى يمكن رصد نحو 170 ألف طفل في مصر من أطفال الشوارعِ، يُمارَس في حقِّهم أسوأُ أنواع الانتهاكات التي تتعارض مع قواعد الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل وأبسط قواعد الإنسانية، وفيما يتصل بالمرأة فإن حالات الاغتصاب وصلت إلى عشرة آلاف حالة لم يُعلَن عن أكثرها بخلاف حالات التعذيب من جانب الأزواج بحق الزوجات.
وفي التقارير الحقوقية الصادرة عن ملتقى الحوار للتنمية وحقوق الإنسان حول الجريمة والعنف في مصر وعلاقته بالفقر فإنه من اللافت للنظر ما جاء في الدراسة التي أعدها الملتقى حول هذه المشكلة وواقعها في المجتمع المصري خلال فترة الربع الثاني من العام المنصرم 2005م (مارس- يونيو 2005م)؛ حيث أوردت الدراسة مجموعةً من الحقائق حول هذه المشكلة تُبرِز مدى خطورتها.
ففي الفترة المذكورة بلغ عدد الجرائم التي كان الفقر دافعها الرئيس 197 جريمةً بمعدل 1.6 جريمة يوميًّا، فيما بلغ عدد المواطنين الذين ارتكبوا تلك الجرائم 360 من المواطنين، وكانت محافظة القاهرة (العاصمة) هي الأعلى في جرائم الفقر؛ حيث شهدت تلك المحافظة عدد 80 جريمة، فيما جاءت محافظة الجيزة في المرتبة الثانية بعدد 30 جريمة، فيما بلغ عدد تلك الجرائم بمحافظتي الإسكندرية والغربية عدد 17 جريمة، وقد كان الفقر دافعًا رئيسًا في 98 جريمة قتل و43 جريمة سرقة ودافعًا رئيسًا أيضًا في ارتكاب 13 جريمة تسول، فيما انتحر 15 مواطن بسبب الفقر!!
أما على مستوى الحالة التعليمية لمرتكبي تلك الجرائم فقد كان هناك عدد 15 شخصًا من حملة المؤهلات العليا، و23 من التعليم المتوسط، فيما ارتُكبت 166 جريمة من جرائم الفقر على يدِ مَن يجهلون القراءةَ والكتابة.
والمُدهش أن المبالغ الماليةَ والعينيةَ موضوع الجرائم بسبب الفقر قد تراوحت من 5 جنيهات إلى 2000 جنيه مصري، أي بحدٍّ أقصى يبلغ أقل بكثير من معدلاتِ الفقر السنوية للدخل كما حدَّدتها معاييرُ الفقر لدى الأمم المتحدة وصندوق النقد والبنك الدوليين، كما بلغ عدد الجرائم بسبب الفقر داخل الأسرة الواحدة أو بين الأقارب 75 جريمة، أي بنسبة 38.1% لباقي الجرائم، وهو مؤشر اجتماعي آخر خاطئ.
من جهة أخرى فإن ضعف الرقابة الحكومية على وسائل الإعلام ووسائط المعلومات أدى إلى سيادة مواد إعلامية وبرامجية بعينها تعتمد العنفَ والإثارةَ الجنسية بالذات وسيلةً لها لجذب المشاهد، ويكون الشباب هم الضحيةَ الأولى لهذه المشكلة بنسبة بلغت نحو 40%، يليهم الأطفال الذين يتعلمون العنف من خلال ما يشاهدونه في الوسط المحيط بهم في الأسرة والمدرسة والحي وجماعات الأقران، وجانب آخر لضعف الرقابة الحكومية وتأثيراته يتعلق بالمؤسسات الإصلاحية؛ حيث إنه في إحدى دور رعاية الأحداث رُصِد وجود ما بين 5 إلى 6 مشرفين من بين عدد مطلوب هو 40 فردًا، وذلك تحت ادعاء عدم كفاية الميزانية.
وتعتبر قضية العنف بمستوييها الفردي والجماعي وبألوانه المختلفة (السياسي والاجتماعي والجنائي) من أبرز الملفات والمشكلات الراهنة التي تواجه صانع القرار المصري، رغم أنه المسئول عن نسبة الغالبية الساحقة من هذه الأزمة.
