- الأشعل: العربدة الأمريكية لا تقف عند حد التعذيب بالوكالة

- عليوة: أمريكا تريد تعذيبًا بدون رقابة

- سعيد: الإمبريالية الأمريكية تحتاج للخبرة الصهيونية

 

تحقيق: أحمد الطهطاوي

البوارج آخر صيحات الأمريكان في مدرسة التعذيب التي تدرسها في الشرق الوسط ومن يخالفها في الرأي، وكان لنشر الخبر الذي تناقلته الصحف المحلية والعالمية صداه عند البعض الذي دهشوا من تنوع الأساليب الأمريكية في التعذيب وبين عدم الاهتمام ممن يعرفون بسياستها الغبراء.

 

حيث كشف الأمين العام لاتحاد الأسرى والسجناء السياسيين في العراق محمد دهام الحمد النقابَ عن أن قوات الاحتلال الأمريكية لديها معتقلاتٌ خاصةٌ بالعراقيين في بوارج أمريكية في المحيط الهندي.

 

وقال الحمد- في تصريح خاص لصحيفة (القدس العربي)-: إن هناك 18 سجنًا أمريكيًّا في عموم العراق، وهناك تعذيبٌ منظَّمٌ من قِبَل قوات الاحتلال الأمريكية ضد المعتقلين العراقيين، مشيرًا إلى أن هذه السجون تمتد من قاعدة الوليد الجوية غربًا، ووصولاً إلى مدينة الرمادي؛ حيث هناك سجون ومعتقلات في منطقة الورار لا يمكن للمنظمات العاملة في مجال حقوق الإنسان ولا للصحفيين الوصول إليها، ومعرفة ماذا يحصل داخلها، مؤكدًا أن كل قاعدة أو معسكر أمريكي هو عبارة عن مركز تحقيق أولي.

 

كما كشف الحمد عن معلومات هي الأولى من نوعها تفيد بأن بعضًا من السجون الأمريكية يُدار من قبل عناصر في الموساد الصهيوني مثل سجن كوبر في مطار بغداد وسجن أبو غريب وسجن قاعدة سي سي، أما سجن بوكا في جنوب العراق فحسب قوله يُدار من قبل دولة مجاورة رفض ذكر اسمها، وأن هناك أبشع أنواع التعذيب التي تمارس في هذا السجن، على حد تأكيده!!

 

أمريكا.. تاريخ للتعذيب

ولا يمكن لأي متابع أن يغفل عن الدور القيادي الذي تقوم به أمريكا في مجال تعذيب البشر، سواءٌ على أراضيها أو خارج أراضيها، مثل العراق وأفغانستان وأوروبا وكوبا، فهي دولة "مارقة" تخرج على الالتزام الدولي وتخرق كافة الاتفاقيات دون رادعٍ أو التزامٍ أخلاقيٍّ وقد وصلت لمرحلة عدم المحاسبة.

 

وتاريخ الأمريكان مع معسكرات التعذيب مملوءٌ، فقد أشار تقرير دولي أعدته مجموعة (إراك بودي كاونت Iraq Body Count) الأمريكية البريطانية- والذي رصد غياب الأمن في ظل سقوط العراق عام 2003م- إلى "أن لصواريخ "توما هوك" المنطلقة من البوارج الأمريكية في عرض البحار حصةً لا بأس بها في إزهاق أرواح المدنيين، ما بين 57 و100 بالقرب من خورمال في كردستان صباح 22 من مارس، و4 في الموصل في اليوم نفسه، وما بين 14 و15 في سوق الشعب بضواحي بغداد الذي استهدفه صاروخان من هذا الطراز يوم 26 من مارس، و5 في شمال بغداد ظهر 24 من مارس، و20 بمنطقة الجنابيين ببغداد، و2 في قضاء الشطرة بمحافظة ذي قار قُتلا عندما صادف مرور سيارتهما قرب مبنى حكومي يوم 25 من مارس، وما بين 9 إلى 14 في الساعة الثالثة ظهر 7 من أبريل عندما قصف منزل في حي المنصور السكني ببغداد كان يُعتقد أن رئيس النظام المخلوع صدام حسين وولديه كانوا بداخله".

 

ويضيف التقرير أنه "من بين الأماكن المدنية الصِّرف التي استُهدفت برج الساعة الأثرية لجامع الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان، وقبة كلية الإمام الأعظم الملحقة بالجامع؛ إثر تعرضهما لقصف دبابة أمريكية يوم 10 من أبريل، ومستشفى الأطفال في الرطبة الذي تعرض لقصف جوِّيٍّ في 26 من مارس؛ أسفر عن مصرع شخصين، ومستشفى الهلال الأحمر للولادة في حيِّ دراغ الذي قُصف جوًّا في التاسعة والنصف صباح 2 من أبريل وأسفر عن مصرع ما بين 5 إلى 8 أشخاص، والجناح السوري في معرض بغداد الدولي لم يسفر عن قتلى أو إصابات، ومكاتب قناة (الجزيرة) الإخبارية صباح الثامن من أبريل الماضي أسفر عن مقتل مراسل القناة طارق أيوب، وفندق فلسطين ميريديان الذي قصف بنيران دبابة يوم 8 من أبريل؛ مما أسفر عن مصرع مدنيين اثنَين".

 

وفي هذا التحقيق نحاول الاقترابَ من هذه البقعة المحرَّمة من التاريخ الأسود لأمريكا للتعرف عن أساليبها في تعذيب الأبرياء، وكان هذا التحقيق:

 

في البداية يؤكد السفير عبد الله الأشعل- مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق- أن العربدة الأمريكية لن تقف عند أيِّ حدٍ، فلا يمكن أن ننسى ما جرى في جوانتانامو، وكل الدنيا ذهبت لرؤية أمريكا على حقيقتها، والسجون السرية في أوروبا، مع تورط بعض الحكومات العميلة لأمريكا؛ مما حدا بالبرلمان الأوروبي إلى إجراء تحقيق، وأثبتت وجود السجون في بعض البلدان الأوروبية، إلا أن اختراع البوارج له نهجٌ جديد، فالبوارج ليس لها أصحابٌ فهي أماكن عالية في أعالي البحار ولا تقع لسلطان أحد!! فالقضاء الأمريكي يبسط سلطانه على كافة الأراضي والقواعد العسكرية وأعالي البحار أيضًا.

 

ويضيف الأشعل أنه لا فرقَ عنده بين السجن الأمريكي والبارجة الأمريكية، فكلاهما معتقل ولا يوجد تجريمٌ عندهم لما تفعله أمريكا.

 

وعن البوارج يؤكد أنها خطةٌ ذكيةٌ من الأمريكان لانتزاع الاعترافات من المعتقلين بالقوة الجبرية دون أدني مسئولية؛ حيث لا يراهم أحد، ومن الممكن أن يلقوا بهم في المياه بعد موتهم حال كثرة التعذيب.

 

غياب الرقابة الدولية

وحول لجوء أمريكا للبوارج يقول الدكتور السيد عليوة- رئيس قسم العلوم السياسية بجامعة حلوان- إنه من المعلوم أن الولايات المتحدة قوةٌ عظمى، وهذا هو عصبُ الإمبريالية في القرن الحادي والعشرين، وتستطيع مدَّ يدِها إلى كل ربوع العالم، ومن مظاهرها الأساطيل البحرية كالخامس والسادس، وهي إحدى أدوات الإستراتيجية الأمريكية لتحقيق المصالح والطموحات الأمريكية للتأكيد على هذه الهيمنة الدولية على النظام العالمي وبالذات المواقع الإستراتيجية ومصادر الطاقة والأسواق والمواد الخام.

 

وبالتالي أصبح من المنطقي أن تُستخدم قطع الأسطول الأمريكي في المحيطين الهندي والهادي، بعيدًا عن أي رقابة دولية أمريكية أو خارجية؛ حيث إن إدارة عمليات التعذيب- بواسطة المخابرات الصهيونية- هي في إطار التحالف بين الطرفين وبالذات الكيان الصهيوني كأداة من أدوات الإستراتيجية الأمريكية وأمريكا كحامٍ للمخططات الصهيونية دون خضوع للمنظمات الحقوقية واتفاقيات جنيف الرابعة وكافة المواثيق الدولية، ولا يتم ذلك على أرض أمريكية بعيدًا عن أي مساءلة وأعين الرقباء؛ لأنها في المستقبل يمكن أن تمتد أبصار منظمات حقوق الإنسان لمحاسبتها عن هذا الخرق القانوني لحقوق الإنسان!!

 

واختتم عليوة رأيَه بالتأكيد على أن الغطرسة الأمريكية الإمبريالية للإمبراطورية الجديدة جعلتها تحت حكم المحافظين الجدد (اليميني المتطرف)؛ حيث جعلها تتناسى التقاليد الأمريكية الدستورية في الحرية وحقوق الإنسان، وهذا هو درس التاريخ حينما تبلغ الإمبراطورية أقصى قوتها تهمل المبادئ والقيم الإنسانية التي قامت عليها.

 

أمريكا والصهاينة

وحول العلاقة الوثيقة بين أمريكا وإدارة المخابرات الصهيونية لهذه المعتقلات يقول الدكتور محمد السيد سعيد- نائب رئيس مركز الأهرام للدراسات الإستراتيجية- إن (إسرائيل) هي صاحبة الخبرة الكبيرة من حيث خرق القوانين والإرهاب فـ(إسرائيل) دولةٌ لا تملك أن يباريَها أحدٌ عالميًّا في خرق القوانين أو عدم الاعتداد بأي قانون دولي يرتبط بحقوق الإنسان.

 

فالخبرة التي أضافتها (إسرائيل) لسجلاَّتها تكمن في معرفة التعامل مع حركات التحرر الوطني العالمية والتعامل مع الفلسطينيين ومَن تسميهم بالإرهابيين، فلديها "خبرةٌ عريضة" في التعاطي مع التمرد وكل أشكال العصيان المسلَّح، وهو ما تحتاجه الإمبريالية الأمريكية، رغم أنه تمويه على الحقيقة، فأمريكا لا يستطيع أحد محاكمتَها؛ لأنها فوق القانون وتحل لنفسها كل آليات العمل العسكري والاستخبارتي بدون رادع قانوني، ولكن- والكلام لسعيد- تحتاج إلى رفع كفاءاتها واستقطاب خبرات للتعذيب، وبالطبع (إسرائيل) لها خبراتٌ عريضةٌ في الإجرام وتحتاج لأموال الأمريكان لتغرفَ منهم "ويسرقوا" من أموال الأمريكان بمعنى "استهبال أو استعباط دولي"!!

 

فمنذ انتهاء الحرب الباردة و(إسرائيل) تحاول تأكيد أهمية دورها الأمني بالنسبة للغرب عمومًا ولأمريكا خصوصًا، بعدما تحجَّم هذا الدور حصيلة انهيار الاتحاد السوفيتي واستفراد أمريكا بموقع الدولة العظمى في العالم، وبعد استقرار الوجود العسكري الأمريكي في أكثر من مكان بالشرق الأوسط، وعقد معاهدات عسكرية وأمنية مع معظم دول المنطقة.

 

وقد ثبت للولايات المتحدة الأمريكية حاجتها إلي الدور العسكري (الإسرائيلي) في حرب أمريكا مع الصرب في يوغوسلافيا، كما هو الحال أيضًا الآن في حرب أمريكا مع طالبان وجماعة القاعدة في أفغانستان.

 

فإذا كان معظم دول منطقة الشرق الأوسط في حالة معاهدات صداقة وتعاون مع أمريكا والغرب وإذا كانت البوارج الأمريكية تحيط بكلِّ شواطئ المنطقة، ولكن تظل حاجة أمريكا لـ(إسرائيل) في تنفيذ مخططاتها الإجرامية.. فما الحاجة الأمنية الغربية لـ(إسرائيل) في المنطقة؟! سؤال وجدت (إسرائيل) الإجابة عنه في إدخال الغرب في حالة حربٍ مع "الإرهاب" العربي والإسلامي حيث لـ(إسرائيل) الدور المهم في هذه الحرب المفتوحة زمانيًّا ومكانيًّا.

 

عمل إجرامي

وعن التوصيف القانوني لهذه العملية يرفض الدكتور السعيد إسباغ أيَّ شكلٍ من الأشكال القانونية، فهو يرى أنه عملٌ إجراميٌّ بكل المقاييس مهنيًّا وأخلاقيًّا وسلوكيًّا، فأمريكا مثلاً تجعل البوارج خارجَ أراضيْها وفي المياه الدولية لتتنصَّل مِن المسئولية، ولكن لمجرد وجود علم أمريكا عليها أو بها سجناء أمريكا فهي بذلك تعترف بمسئوليتها عن البوارج.

 

فالطريف أن أمريكا لديها نظريةٌ غريبةٌ وقانونيةٌ تحتكرها في صميم القانون الأمريكي، وهي "مد النظام التشريعي الدولي في الخارج" أي أنها تمد سلطاتها خارج أراضيها لمجرد أن لديها أرضًا أو شركةً ذات أصول أمريكية خارج حدودها.

 

وبالتالي- ووفقًا لهذه النظرية وقانونهم- فهي خاضعة لولايتها القانونية حتى لو كانت خارج أراضيها، فالسفارات تتبع الحكومات وسيادة السفارات لدولها وكذلك أعالي البحار، فالبوارج الأمريكية تتبع أمريكا والسيادة فيها لأمريكا إلا إذا كانت هذه البوارج قد أعلنت العصيان.

 

الوقت الضائع

ورغم أن ما تفعله أمريكا يمثل خرقًا للقانون العام إلا أن الدكتور السفير الأشعل له رأيٌ خاصٌّ، مفادُه أن أمريكا بهذه الطريقة قد بدأت تلعب في "الوقت الضائع" فما تفعله يمثل "حلاوة روح" لا أكثر، خاصةً في ظل تصاعد الاتهامات العالمية والمنظمات العالمية كحقوق الإنسان التي تتهم أمريكا بتشجيع النظم الديكتاتورية التي تجثم على صدور شعوبها؛ من أجل تثبيت حكم أمريكا وحمايتها في أراضيهم وإخفاء الحقائق عن المعتقلين الذين تأخذهم أمريكا للقمر أو تهبط بهم أسفل الأرض أو تلقيهم في جوانتانامو.

 

ويتذكَّر الأشعل أنه منذ سنتين دعُي لبرنامج تليفزيوني على إحدى القنوات اللبنانية، وكان المتحدث على الطرف الآخر المستشارة والقانونية لوزارة الدفاع وقال لهم أحسن شيء أن القضاء الأمريكي غير مختص بوجود القاعدة العسكرية خارج أراضيه وأنه ليس من اختصاصه، وبالتالي لا يحاكم أعضاء القوات المسلحة في الميدان، فالقاعدة ليست امتدادًا للقضاء الأمريكي بحكم الاتفاقية مع كوبا، والمحكمة العليا الأمريكية أكدت أن المحاكم العسكرية غير مختصة وعليكم إطلاق سراحهم؛ حتى لا تدخلوا في مشاكل مَن تم اعتقالهم وحتى محاكمتهم طبقًا للقانون الدولي لحقوق الإنسان، ثم حصل التعذيب، وبعض الدول طالبوا بأولادهم، وانتهى الأمر بأن وزير الخارجية الأمريكي يفكر في إطلاق سراحهم.

 

وقال الأشعل إن المتابعة الصحفية في كافة الصحف وفضح الاحتلال والأمريكان في أي خروقات يحد منها ويفضحها، وبالتالي يجعلهم في دائرة المدافع عن نفسه؛ مما يقلل من جرائمهم.