- نجاح حماس انحياز لثوابت الأمة وكراهية الفساد
- الثقافة الفلسطينية لن تتأثر بمحاولات طمس الصهيونية
- أدب المقاومة شكَّل وجدان الشعب وثقافته منذ النكبة
كتب- عبد الرحمن يحيى
جاء اختيار الشعب الفلسطيني لحركة المقاومة الإسلامية حماس في الانتخاباتِ الفلسطينية الأخيرة لتتولى إدارة الدولة؛ تأكيدًا على انحيازِ الشعب لثوابته التاريخية، وأنه مهما طال عمر الاحتلال إلا أنَّ ثقافةَ الشعب الفلسطيني وهويته لم ولن تتأثر بأية أفكار تحاول باستمرارِ اقتلاع الشعب من جذوره، ولكن هيهات هيهات ما يضمرون..!!
هذا ما أكده الشاعر الفلسطيني الكبير هارون هاشم رشيد ومندوب فلسطين بجامعةِ الدول العربية في حديثه لـ(إخوان أون لاين)، حول قراءاته الثقافية لاختيارِ الشعب لحركة حماس.
* بدايةً ما قراءتك الثقافية لاختيار الشعب الفلسطيني لحماس في الانتخابات التشريعية الأخيرة؟
** أولاً أود أن أشير إلى الدورِ المهم للثقافة منذ عام 1948م؛ حيث قامت بدورٍ مهمٍ في بناءِ كيان الشعب السياسي والفكري والحياتي، فمنذ أن ألقت الزوارق بأفواج اللاجئين على الشواطئ بدأت الثقافة تلعب دورَها في مواجهةِ المأساة الكبيرة التي كان يُمكن أن تقضي على شعبٍ بأكمله والتي لم يشهد لها التاريخ مثيلاً؛ لأنها عملية اقتلاع شعب من جذوره، ولكنَّ المثقفين من الأدباء والمفكرين ممن عاصروا النكبة دَعَوا المسئولية كاملةً وهي مواجهة الكارثة والحفاظ على إرادةِ الشعب، وفي ذلك الوقت كنت أحد الشباب الذين استقبلوا اللاجئين، وعندما شاركتُ في دق أول خيمة للاجئين وجدت نفسي أكتب:
أخي مهما ادلهمَّ الليل سوف نطالع الفجرا
ومهما هدَّنا الفقرُ غدًا سنحطم الفقرا
أخي والخيمة السوداء قد أمست لنا قبرا
غدًا سنحيلها روحنا ونبني فوقها قصرا
إلى فلسطين التي ذهبت سترجع مرةً أخرى
فهذه هي ثقافة الشعب الفلسطيني، وعندما قلت:
وترعش دمعة حرة وتدفق خلفها دمعة
وتمضي حرفة ابنته وتترك في الدجى سمعه
أيصرخ سوف نرجعه سنرجع ذلك الوطن
ولن يقتلنا جوع ولن يلحقنا فقرا
فصبرًا أبتي صبرًا غداة غد لنا النصرا
وبعد أكثر من 30 سنة تصبح هذه الكلمات شعارًا لحركة فتح عندما قادت ثورة حتى النصر، فتحوَّل الأدبُ والثقافةُ إلى الكيان الفلسطيني كجزءٍ منه بثوابته؛ ولذلك قراءتي لاختيار الشعب الفلسطيني لحماس وليس فتح، فإن الشعب اختار الثوابت الفلسطينية، والذي يقرأ منطلقات فتح وثوابت حماس يجدها واحدةً هي ثوابت الأمة، فالذي نجح هي الثوابت، بما فيها عودة الوطن وعودة الحقوق المشروعة وتحقيق العدالة وإقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشريف، وهي ثوابت مشتركة، ولكن اختيار حماس جاء نتيجة أنه في السنوات العشر الماضية أثناء حكم السلطة استشرى الفساد وقد صرخ منه أبناء فتح قبل أن يصرخ الآخرون، فالشعب انتخب الإرادة الفلسطينية ضد الفساد لتحقيق المقاومة والثوابت، وهي ثوابت مشتركة بين فتح وحماس وكل الفصائل الفلسطينية، ولكن لم تستطع فتح تحقيق مطالب الشعب في حين استطاعت المقاومة المسلَّحة تحقيق جزء من الانسحاب في غزة.
وكذلك أقرأ من هذه الانتخابات أن الشعب الفلسطيني قدم نموذجًا حقيقيًّا بوعيه وثقافته لتحقيق الديمقراطية، وبها كشفَ زيفَ المزاعمِ الأمريكية عندما رفضت ديمقراطية الشعب الفلسطيني، وهي تزعم أنها تريد ديمقراطيةً في الشرق الأوسط.
* من المعروف أن أيَّ محتل يحاول باستمرار السيطرة على ثقافة وعقول الشعب الذي يحتله يسهل قيادته وقد كان للدور الصهيوني- وجهات أخرى- دورٌ مهم في هذا، فإلى أي مدى استطاعت الثقافة الفلسطينية أن تصمد في مواجهة الحملات الصهيونية وغيرها؟!
** منذ عام 1967م وكنت في جامعة الدول العربية تشكَّلَت لجنة خاصة بالمناهج الدراسية في الأرض المحتلة عامي 1948م، و1967م، وقامت الجامعة بهذه الغاية مشكَّلةً من فلسطين ومصر والأردن وسوريا ولبنان، وهي الدول المحيطة بالأرض المحتلة لتنشئَ برامج مواجِهةً ترد على محاولات التشويه الصهيوني، الذي أخذ يلغي المناهج الدراسية وكل ما يحافظ على الكيان الصهيوني وهوية الشعب والتراث والتاريخ العربي والمعارك العربية وكل ما هو عربي ووطني وقومي وديني أيضًا، وكانت هذه اللجنة تجتمع مرتين في العام وتدرس ما يقدمه الصهاينة في المناهج لترد عليه في الإذاعات العربية، والتي كانت تُوجَّه يوميًّا وكان لها دورها في الحفاظ على الثقافة الفلسطينية.
ولأن الصهاينة يعرفون ما تفعله الثقافة فقد حاربوها واغتالوا العديد من الرموز الفلسطينية في الوطن العربي، مثل غسان كنعاني، وكمال ناصر، وآخرين.. ولكن الثقافة الفلسطينية منذ الاحتلال وهي تؤدي دورها في الحافظ على الثوابت ولا تعني من قريب أو بعيد ما تفرضه السياسة الصهيونية لأنها إرادة الشعب.
* هل تأثر الشعب الفلسطيني بأي تيار عربي من التيارات التي كانت ولا تزال نموذجًا في المنطقة العربية؟
** لم يتأثر الشعب الفلسطيني بأي تيار غربي؛ لأنه يعيش قضيته يوميًّا، حتى وإن كان في المهجر فهم يحافظون على ثوابتهم؛ ولذلك أكرر أن ما ظهر من بعض الذين تولوا مناصب في السلطة أو في مكاتبها الخارجية أو سفاراتها من سلوكيات اتسمت بالانتهازية أو التصرف في المال العام.. هؤلاء كانوا من الأسباب الرئيسة التي تجعل نتيجة الانتخابات لصالح حماس، فالشعب يصرُّ ولكنه في النهاية يعطي رأيه.
* ولماذا تأخر اختيار الشعب للإصلاح؟
** لا.. الشعب لم يتأخر قط، وإنما كان يعطي الفرصة للمسار السوي، وعندما جاءته الفرصة ليقول كلمته جاءت كما شهدناها، فالذي سقط في الانتخابات ليست حركة فتح ولكنها الانتهازية والفساد.
* نجحت حماس التي حملت الثوابت التي يؤمن بها الشعب.. إلى أي مدى شكَّل أدب المقاومة في فلسطين هذه الثقافة للشعب؟
** يعجب الكثيرون كيف لهذا الشعب الفلسطيني أن يُخرج هؤلاء الذين يبذلون حياتهم دون تردد من أجل قضيتهم، وعندما بدأت النكبة عام 1948م قال المنظرون الغربيون: انتظروا الزمن فهو الذي سيُنهي القضية، فالكبار سيموتون والصغار سيموتون.
* والذي نراه الآن أن هؤلاء الصغار أشد حماسةً مما كان الأولون.. لماذا؟!
** لأن الثقافة الفلسطينية التي جاءت أول التربية في الطفولة على أناشيد الشعراء قبل "بلادنا بلادنا من أجلها استشهادنا" وغيرها التي تنقل منذ أكثر من 30 سنة وغيرها قبل:
لن ينام الثأر في صدري وإن طال مداه
لا لن يهدأ في روحي وفي قلبي لظاه
صوت أمي لم يزل في مسمع الدنيا صداه
وأبي ما ظال في سمعي وفي روحي نداه
إن تقم ثابت الخطو تقدم وتقحم حالك الأهوال للثأر تقحم
بالإضافة إلى النشيد الذي كان يردده اللاجئون كل مطلع شمس:
عائدون عائدون إننا لعائدون
ومن أهم المقاطع التي فيه:
يا فلسطين دعا هاتف إلى السلاح
فحملنا المدفع ومضينا للكفاح
ومنذ ذلك التاريخ وحتى تعود فلسطين لم تتخل الثقافة الفلسطينية عن هذا المسار، فكانت هذه الثقافة نتيجة الأدب الذي حمل لواء المقاومة منذ عام 1948م، وحتى الآن من مختلف التيارات.
* ولكن كيف يواجه المثقف الفلسطيني محاولات طمس الهوية التي يمارسها الصهاينة عن طريق تغيير الأسماء للمدن والبلدان والآثار الفلسطينية؟!
** إن المثقف يعمل الآن على ترسيخ كل الأسماء الفلسطينية في المدن أو القرى والآثار التي هُدمت، والمثقف الحريص على وطنه وأمنه حريصٌ بالتالي على تكريس هذه الأسماء في الأعمال التي يقدمها.. شعرًا أو نثرًا، ويناهض كل محاولات الطمس المستمرة لحظةً بلحظة.