- هالة مصطفي: دخلت الحزب من أجل الإصلاح فاكتشفت لوبي المصالح

- رشوان: الذين انضموا للجنة بحثوا عن المصالح والوظائف في لجنة الوهم

- إدريس: اللجنة هامشية وغير منتجة وقوتها من ابن الرئيس فقط

 

تحقيق- علي عبد العال

جاءت استقالة د. أسامة الغزالي حرب- رئيس تحرير مجلة "السياسة الدولية"-، من أمانة السياسات- التي يترأسها جمال مبارك في الحزب الحاكم، معترضًا على فشل الحزب في تنفيذ أي إصلاحاتٍ حقيقية- لتعكس حقيقة الأوضاع داخل أهم وأخطر لجنة- حاليًا- في مصر.

 

ولم تكن استقالة الخبير في العلومِ السياسية والناشط الليبرالي لتثير موجةَ الجدل التي صاحبتها، لولا ما يُثار حول هذه اللجنة من لغطٍ داخل الشارع المصري، منذ تشكيلها أواخر عام 2002، فضلاً عن الانتقاداتِ التي وجهها "حرب" للحزبِ الوطني ولجنته عقب إعلانه الاستقالة.

 

ففي تصريحه لوكالة "الأسوشيتدبرس" أبان "حرب" عن دوافعه للاستقالة قائلاً: عندما انضممت لهذه اللجنة كنتُ أعتقد أنها تنوي إجراء عملية إصلاح ديمقراطي حقيقي، ولكن اتضح أنَّ الأمور تسيرُ في اتجاهٍ آخر تمامًا.. والنتيجة أنَّ مصر تُعاني الآن فجوةً سياسيةً مرعبةً، سببها فشل الحزب الحاكم في تحقيقِ الإصلاح والتغيير وتقديم سياسات بديلة للوضع القائم.

 

وفتحت استقالة "حرب" الملف الشائك حول صراع النفوذ و"اللوبي" أو "الشللية" داخل هذه اللجنة من قِبل بعض أعضائها؛ إذ كشفت التصريحات العديدة التي أدلى بها تهميش الدور السياسي لغالبية أعضاء اللجنة، واقتصارها على عدد من رجال الأعمال المقربين من نجل الرئيس مبارك.

 

وجاءت استقالة أسامة الغزالي، متزامنةً مع انتقادات وجهها أعضاء آخرون في اللجنة التي يهيمن عليها جمال مبارك، على رأسهم الدكتورة هالة مصطفي- رئيس تحرير مجلة "الديمقراطية"-، كما كانت مصادر صحفية أشارت إلى نية اللجنة في الإطاحة بالكثير من أعضائها البارزين، وعلى رأسهم الدكتور عبد المنعم سعيد- مدير مركز الأهرام للدراسات السياسية-، على خلفيةِ تأييده المطالب بتسريع خطى الإصلاح السياسي في مصر، ودلت هذه المصادر على انتقادات شديدة وجهها "سعيد"، للجنة السياسات وأمينها، وتصريحه بأن الرئيس مبارك لا يختلف عن الرئيسِ العراقي صدام حسين، واتهم لجنة السياسات بالخضوع لروح "الشللية"، وأنها لم تقم بأي إصلاحات جادة، وهو ما يخالف ما قامت من أجله اللجنة.

 

وكانت د. هالة مصطفى- الباحثة السياسية- نشرت مقالاً على صفحات الـ"واشنطن بوست" الأمريكية انتقدت فيه النظام الحاكم، ووصل الانتقاد إلى حدِّ اتهام حزب مبارك، بمد قبضته على كل شيء في البلاد، إلى حدِّ اختراق أجهزة الأمن والحكومة ووسائل الإعلام.

 

كما التقت بوزيرة الخارجية الأمريكية كوندليزا رايس أثناء زيارتها الأخيرة لمصر، وأخبرتها بأن أجهزة الإعلام الحكومية أصبحت (مسخرة) لتشويه صورة الإصلاحيين والمثقفين المطالبين بالإصلاح، في إشارةٍ إلى صحيفةِ "روز اليوسف"- لسان حال لجنة السياسات- حيث شنَّت هجومًا على هالة مصطفى، وهو ما دعاها إلى مطالبةِ "رايس" بربط المعوناتِ الأمريكية المقدمة للنظام الحاكم بتسريع خطى الإصلاح في البلاد.

 

إلا أنه، وفور سؤالها عن الاستقالة نفت هالة مصطفي، الخبيرة بمركز الدراسات السياسية والإستراتيجية، أن تكون تقدَّمت باستقالتها للجنة السياسات حتى الآن، وأضافت: لكنني أحترم الذين تقدموا باستقالاتهم من الحزبِ أو اللجنة خلال الفترة الماضية. ورأت أن: الذين كتبوا عن استقالتي انطلقوا من مواقفي الهجومية الأخيرة على الحزب، ابتداءً من شهرِ نوفمبر الماضي قبل اكتمال الانتخابات البرلمانية وحتى الآن، وتوصلوا لانطباعٍ بأنني تقدمت باستقالتي فعليًّا.

 

ونوَّهت بأنها انضمت إلى لجنةِ السياسات قبل ثلاث سنوات ضمن مجموعة من السياسيين والأكاديميين الإصلاحيين، على أمل إحداث إصلاح داخلي وحيوي، ولكن مع مرورِ الوقت ازداد نفوذ مجموعة محدودة من رجال الأعمال والاقتصاديين والأكاديميين فيما يُشبه (اللوبي) مع تهميشٍ تامٍ للإصلاحيين الحقيقيين.

 

وانتقدت هالة مصطفى الطريقة التي تمَّ بها اختيار القيادات للمؤسسات العامة السياسية والصحفية وقالت: إنها لم تحدث أي تغيير حقيقي، بل إن من تم تصعيدهم لم يكونوا ضمن الصفوف الأولى في لجنة السياسات والتي تضم نحو 120 من الخبراء. وقالت هالة مصطفى: هناك ارتباك في الرؤيةِ لدى القيادة، حول ماهية الإصلاح وتحديد خطواته العملية على الأرض. وأشارت إلى أنَّ هذا الارتباك انعكس بشكلٍ كبيرٍ على أداءِ لجنة السياسات نفسها.

 

استقالات متعددة

وكان أعضاء بارزون في الحزبِ الحاكم قدموا استقالاتهم أيضًا ووجهوا انتقاداتٍ شديدةً للوطني، على رأسهم النائب السابق محمد علام- أمين مساعد الحزب في سوهاج وأمين التنظيم-، الذي عبَّر عن احتجاجه على "الصراع الداخلي" في الحزب، وتصفية جميع عناصره الملتزمة، وكذلك "الأفعال التي من شأنها انتهاك جميع مبادئ الالتزام الحزبي". كما شنَّ هجومًا شديد اللهجة على كبار قيادات الوطني، من بينهم أحمد عز "أمين التنظيم"، الذي قال عنه: إنه يدير الحزب وكأنه شركة للحديد والصلب، وقال علام: إنه فوجئ بأن ما يدعو إليه الرئيس مبارك ونجله من فكرٍ جديد، لا يتعدى كونه تغييرًا في الأشخاصِ لا السياسات. وأضاف: "لو استمرَّ الحزب الوطني في العملِ بهذه الطريقة التي يُدار بها فسوف ينهار في الانتخاباتِ المقبلة.

 

وأشارت تقارير كذلك إلى أنَّ عددًا آخر من أعضاءِ لجنة السياسات، سبق لهم التقدم باستقالاتهم من اللجنةِ ومن الحزب، والتقدم "مستقلين" للانتخاباتِ البرلمانية الأخيرة لمواجهة أعضاء الحزب الوطني، مثل هشام مصطفى خليل- نجل رئيس الوزراء الأسبق-، والصحفي رفعت رشاد- عضو مجلس نقابة الصحفيين-، ومن قبلهم د. إبراهيم صالح- الخبير الاقتصادي مستشار وزير التخطيط-.

 

كذلك وجَّه نواب بالحزب الوطني في البرلمانِ انتقادات حادة للحكومة أثناء مناقشة بيان الحكومة وأعلنوا موافقتهم "مضطرين" على بيانِ الحكومة؛ لأنها اكتفت في بيانها بوضع "أحلام وردية وكلام على الورق" دون خطط للتنفيذ على أرض الواقع.

 

وأعلن عبد الوهاب كريم، نائب الوطني عن المنيا، رفض برنامج حكومة أحمد نظيف، واتهم الحكومة بالفشل في إدارةِ الأزمات؛ وهو ما أثار دهشة الدكتور أحمد فتحي سرور- رئيس البرلمان-، الذي أعاد سؤاله عن انتمائه الحزبي!.

 

كما اتهم النائب محمد عبد الفتاح، الدكتور محمود محيي الدين- وزير الاستثمار- بتبديد ثروة مصر، بسبب قضية بيع شركة "عمر أفندي" العامة بثمنٍ بخس، وطالب وزير الداخلية حبيب العادلي بتشديد الحراسة على وزيرِ الاستثمار بعدما قدمت بلاغات للنيابة تعترض على صفقة بيع "عمر أفندي" بسعر أقل من المناسب.

 

وإزاء ذلك رأى خبراء سياسيون أنَّ هذه الاستقالات والانتقادات، لها بُعْد آخر يرجع للصراعات الداخلية بين الحرس الجديد والقديم، كما أنها وثيقة الصلة بقضية التوريث، وهي كذلك تفتح الباب لكشف المستور خلف كواليس "الوطني" وبين أروقته.

 

إدارة واحدة

فمن جهته رأى الباحث السياسي ضياء رشوان، الخبير بمركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام، أن المشكلة تكمن في أن لجنة السياسات في الحزب الحاكم تدار كما تدار مصر، بما يعني سيادة حالة من الفوضى، دون أن يكون معروفًا من المحرك الحقيقي للأمور أو من هو الذي يقود، وإن كانت الخيوط كلها تنتهي- لا شك- لدى (ابن الرئيس).

 

هذه اللجنة ليس لها أي صلاحيات حقيقية، على عكس ما يصور الإعلام. أما فيما يخص مجموعة الأعضاء الذين تقدموا باستقالاتهم أو تحدثوا عن الاستقالة، فرأى رشوان، أنهم دخلوا الحزب دون أي هدف، وإن جاءوا الآن ليقولوا لنا لماذا استقالوا، فلم يسبق أن أعلنوا لنا عام 2001م ما الذي دفعهم إلى الانضمامِ إلى الحزب "الوطني" واللجنة لم تكن قد شُكلت بعد. ومن ثم أكد ضياء رشوان أن هؤلاء لم ينضموا إلى لجنةِ السياسات سوى بحثًا عن وظائف، حيث إنهم دخلوا الحزب في العام 2001م ولم يكن إذ ذاك أي إصلاح في البلاد، أو الحديث عن إصلاح، وعندما انفض موسم الوظائف الكبيرة كالوزاراتِ ورئاسة الصحف القومية رأوا أن وجودهم لم يعد مجديًّا، وبناءً على ذلك يكون إرجاعهم الاستقالة الآن إلى تعثر الإصلاح ضربًا من الادعاء لا يملكون عليه دليلاً.  وأضاف أن هؤلاءَ ليس لهم أي تأثير حقيقي في عمل الحزب الوطني، ولا يعرفهم أحد، ولو أن شخصًا ما توجه بالسؤال إلى أمين "الوطني" في البحيرة أو مطروح أو أي محافظة إقليمية لما عرفهم أحد. ومن ثم فهم ليسوا أكثر من مجموعة من الأشخاص دخلت الحزب ولجنته من أجل تبرير التوريث لابن رئيس الجمهورية.

 

شللية

أما الدكتور محمد السعيد إدريس- الخبير بمركز الدراسات السياسية والإستراتيجية-، فرأى أن وجود لجنة السياسات بهذا الشكل الذي هي عليه الآن داخل الحزب الحاكم، يضع تساؤلات حول حقيقة هذه اللجنة المسيطرة، وهل هي بالفعل مسيطرة لحقيقة الدور الذي تضطلع به؟، أم أنها مسيطرة لشخص نجل رئيس الجمهورية؟، وماذا لو لم يكن (ابن الرئيس) مهتمًا بدور اللجنة ووجودها داخل المجتمع؟.

 

ورأى الدكتور إدريس أن لجنة السياسات استعانت منذ تشكيلها بمجموعة من الخبراء والمتخصصين، بكونهم متواجدين بمراكز الأبحاث والدراسات المتخصصة في العمل السياسي، وقد دخل هؤلاء اللجنة لتقديم دور وطني، إلا أنهم اكتشفوا- فيما بعد- أن القضية قضية "شللية"، وأن وجودهم من بين أعضاء اللجنة تجميلي في الأساس.

 

وأضاف: أنهم اكتشفوا أنه ليس ثمة دور حقيقي لهم داخل اللجنة أو الحزب بشكلٍ عامٍ، وتأكد لهم ألا وجود لأي إصلاح داخل المجتمع، وأن الإصلاح صار في حكم المجمد إلى أجل غير مسمى. والمقصود أنه تأكد لهؤلاءِ المتخصصين أنَّ دورهم أصبح هامشيًّا، وغير فعَّال، إضافةً إلى كونهم شاهدين على عمليةِ الالتفافِ التي يُمارسها النظام الحاكم على الإصلاح في البلاد، ومن ثَمَّ فقد تأكد أهمية الخروج من هذا الواقع الذي فرض عليهم، وانقسموا إزاء الاستقالة من هذه اللجنة إلى فريقين: الأول: وهم أصحاب المصالح الشخصية الذين عجزوا عن التضحية بها.

 

الثاني: وهم الذين انتصروا لأنفسهم وأعلنوا تبرأهم مما يجري باسمهم داخل لجنة السياسات وينعكس أثره- بالتالي- على المجتمع.

 

ومن جهته، اعتبر جمال سلطان- كاتب إسلامي- الاستقالات التي حدثت في لجنة السياسات "مؤشرًا إيجابيًّا" بالنسبة للحياة السياسية في مصر، وأكد أنه بغض النظر عن أنَّ لجنةَ السياسات تحولت إلى لجنة للطامحين والباحثين عن قطار السلطة السريع، فإن خروج أسامة الغزالي من هذه الدائرة "شيء إيجابي"؛ لأنه يمثل توجهًا ليبراليًّا حقيقيًّا وجادًا.

 

وهم الإصلاح

أما جورج إسحق- المنسق العام للحركة المصرية من أجل التغيير "كفاية"- فرأى أن كل الشواهد تدل على أنه لا يوجد أي جناح إصلاحي داخل الحزب الحاكم، وأن الأشخاص الذين استقالوا من لجنة السياسات، أو الذين تحدثت الأوساط الصحفية عن استقالاتهم، اكتشفوا أن الحزب "الوطني" له سياسة واحدة، ورؤية إستراتيجية واحدة- إن صح المسمى- ومطلوب من الجميع أن يصفقوا لها، لا أن يبدوا آراءهم حولها.

 

وأكد إسحق أن كل هذه الممارسات غير منفصلة تمامًا عن الترتيبات التي يعد لها النظام وحزبه لفرض مبدأ التوريث على المصريين، وهو ما يؤكد أن النظام الحاكم في البلاد نظامٌ مستبد، لن يقبل الآخر، ولا الحوار معه، والدليل على ذلك الحوار الذي أجراه الحزب الحاكم مع أحزاب المعارضة الرئيسية وانتهى أخيرًا بحوار (الطرشان).