* الاستشارة:
اسمي عبد النور بوسحاقي الحسني الجزائري- الجزائر: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أنا من شباب دعوة الإخوان المسلمين في الجزائر، ومن تلاميذ الشيخ محفوظ نحناح رحمه الله، ولقد آليت على نفسي متابعة درب أركان البيعة، وسؤالي هو: أنا من ولاية بومرداس في الجزائر (حيث كانت عائلتي تمتهن الإشراف على الأضرحة والقباب، ونشر معاني التبرك بالموتى، وكتابة التمائم) ولقد تابع أفراد من إخوتي عملية التأطير الشعوذي والشيطاني في منطقتنا، وكان توجهي السُنِّي في اتباع العقيدة الصحيحة سببًا في إعلانهم حربًا عليَّ طوال أكثر من 15 سنة منذ ما قبل الاحتلام، ولقد صارعت بقوة وشراسة ولم أشرك بالله، رغم الإغراءات والترهيبات، ورغم توريطهم لي في المحاكم، وضربِهم لي في الطرقات، وشقهم لجمجمتي، ولقد قاموا مؤخرًا بحَبْك عملية ضدي أدت إلى الحكم عليَّ بسنة سجنًا نافذًا..!!
أثناء ذلك أعانني إخواني الذين ربيتهم في سنوات التسعينيات على الفرار من البيت العائلي الشعوذي، وأوجدوا لي غرفةً في جامعة البليدة (مسقط رأس الشيخ محفوظ نحناح- رحمه الله)، وقد حصلت هناك على عمل كأستاذ مساعد في الإعلام الآلي، ونجحت هنالك في شهادة الماجستير في الإلكترونيك، لكنَّ مكْرَ إخوتي بي متواصلٌ، وقضية المحكمة هذه أربكتني، فأرجو منكم الدعاء لي بالثبات والنصر والشهادة، وأرجو منكم نصحًا في إطار "معركة المراغمتين" هذه والله أكبر ولله الحمد.
المستشارة: وفاء الجمل
إن النذر والسحر والتمائم والتبرك والتولة أمورٌ تحيد بعقيدةِ المسلمِ عن الطريقِ الصحيحِ، وتخرجه من النورِ إلى الظلماتِ، ومن توحيدِ الله إلى الشركِ به، ومن طريق الحق إلى طريق الباطلِ، وتلبس هذه الأمور على المسلمين أمرَ دينهم، فيقومون بهذه الأفعال ظنًّا منهم أنها طريقُ الحق، وأنها تقرِّبهم إلى الله، وينكرون على من يبصِّرهم بهذا الضلال وهذا الغي الذي هم فيه، وهذا ما لا ينبغي، فيجب على هذه الأمة أن تكون مثلاً عاليًا في إسلام الوجه لله، وفي إفرادِ التوحيدِ لله ربِّ العالمين، سواءٌ في النِّية أو العمل، بَيدَ أننا نلاحظ- آسفين- أن هذه المسالك منتشرةٌ بين الجماهيرِ الجاهلة بالإسلام، مع أن لها دلالاتِها الخطيرةَ على فسادِ التفكيرِ واضطراب العقيدة.
ولسنا من يحب إلصاقَ أو تصيُّد التُّهَم للناس ورميهم بالشرك جزافًا وظلمًا وعدوانًا، ولكننا أمام تصرفات توجب علينا الإمعانَ بالنظر فيها للنُّصح الخالص لمن يقعون في هذه الأفعال المهلكة.
عقيدة العامة وما يعتريها من خلل
فيا أخي الكريم.. إني أعلم كم تتأذَّى من فِعل أهلك بك، والخلل الذي يعتري عقيدتَهم، ولكنْ للأسف.. ليس أهلك فقط مَن يسلكون هذا الاتجاه؛ بل الكثير بتعددِ واختلافِ الصور فيهم وفي غيرهم لا يعرفون عن فضائلِ الإسلام ومبادئه وآدابه غير القليل، ولو دُعوا إلى واجبٍ ديني صحيحٍ لفرُّوا نافرين، فهم أسرعُ إلى الخرافاتِ من الفرارِ من النار.
فكل ما ذكرته من أفعال يسلكها أهلك فهي معتقداتٌ خاطئةٌ شرعًا.. هذا ما نعلمه أيضًا بحكم ما منَّ الله عليك بنعمةِ الهدى إلى الطريقِ الحق، فكل هذه الأفعال نهى عنها الرسول- صلى الله عليه وسلم- في سنته، ونهى الله عنها في كتابه الكريم، وهي شأنها شأن الأمور التي ذكرتها، فعندما نسألهم لمن النذر ولمن الدعاء؟! فيقولون للشيخ فلان مثلاً، وإن جادلتهم قالوا: إنه لله عن طريق الشيخ فلان، وأكثرهم يقول: إنهم يعرفون الله جيدًا، ونعرف أن أولياءه بشرٌ، وإنما نتقرب بهم إليه لأنهم أطهر منا.. فهذا الكلام وشبيهه يُعدُّ خطأً في عقيدتهم، بل خطأٌ جسيم.
فالنَّذْر لا يكون إلا لله وحده لقوله تعالى: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ (الحج: من الآية 29) فيجب أن يكون النذر لله تعالى خالصًا دون شريكٍ وبغيرِ وسيط، فالله لم يطلب منا أن نجيء معنا بآخرين ليحملوا عنا سيئاتنا أو ليستغفروا لنا ذلاتنا لقول الرسول- صلى الله عليه وسلم-: "وإذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله"، ولقوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنْ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ (الشورى: من الآية 21).
فالسحر والشعوذة وغيرهما من الآفات المنتشرة في الخفاء وفي بعض الأحيان في العلن لا بد أن يتصدَّى لها المجتمعُ المسلم بشتى الوسائل ليتخلَّص من الفتن التي تأتي من ورائها.. فانظر إلى هؤلاء المشعوِذين وأصحاب السحر تجدهم يأتون بكلماتٍ مجهولة أكثرها الشرك والضلال ليفرِّقوا بين الرجلِ وزوجِه والجارِ وجارِه والأخ وأخيه وغيرها من الآثام التي يفعلونها.
ألا يعلموا أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: "اجتنبوا السبعَ الموبقات" وذكر منها السحر؟! والموبقات بمعنى المُهلكات، وبالتالي فعلى الإنسان أن يتقيَ اللهَ ربَّه، ولا يدخل فيما يخسر به الدنيا والآخرة، وقد قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "ثلاثة لا يدخلون الجنة: مدمن خمر، وقاطع رحم، ومصدق بالسحر" (رواه الإمام أحمد في مسنده)؛ لأن الإنسان يعتقد فيها أن الأمرَ لا يتم إلا إذا ارتدى أو لبس خرزةً بلون معين وشكلٍ معين أو شيء ما، وكذلك نجده يتوسَّع في الأمر فيلبسها لأولاده أو في بيته أو يعلِّقها في رقبته هو نفسه، أو في دابته (السيارة الآن) وكما يزعمون أن ذلك يذهب العين أو يتم الأمر، وغير ذلك من الاعتقادات الخاطئة، وبالتالي كل هذا أيضًا يُعدُّ من أفعال الجاهلية، ومن اعتقد ذلك فقد أشرك لقول رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "الرقى والتولة شرك" (رواه أحمد وأبو داود).
التبرك والتوسل
وهو التبرك بأهل البيت، فنجده يذهب إلى ضريحهم، يتبرك بهم ويتمسَّح بالضريح، بل ويجعلهم وسيلةً بينه وبين الله في الدعاء "التوسل" وهذا هو المقصود، وهذا أيضًا يُفعل مع أناس صالحين قد ماتوا.. يقيمون لهم ضريحًا ويتبركون بهم ويتوسلون بهم في دعائهم.
الحكمة والموعظة الحسنة
وهنا أود أن أنصحك نصائح مهمة فيما بينك وبين أهلك قبل أن أشرع في الحديث عن الأمر الذي أثَّر فيك:
أولاً: أن تنصحهم بالحكمة والموعظة الحسنة وباللين وخَفض جناح الذل لهم، وأن تصبر على فعلهم وآذاهم لك، قال تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ (طه: من الآية 132).
ثانيًا: البُعد كل البعد عن الضيق والزجر والغضب في حديثك مع أهلك، وكُن كما كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وهو الذي صبر على أهل مكة رغم ما كان يملأها من المعتقدات الخاطئة والشرك وعبادة الأصنام، إلا أنه استمر يربِّي فيهم العقيدة ثلاثةَ عشر عامًا لا يكَلّ ولا يمَلّ، وكل هذا باللين والصبر قال تعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ (آل عمران: من الآية 159).
ثالثًا: بالمعروف تلين القلوب، وبالودِّ والحب والرحمةِ تعود النفوس الضعيفة إلى ربها، وتذكر قوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ (لقمان: من الآية 15).
رابعًا: وإذا لم يستجيبوا لك فلقد قمت بواجبك تجاه أهلك، وتذكَّر قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ (القصص: من الآية 56).
المسلم وشدة الابتلاء
أما عما ورد في سؤالك عن الابتلاء فتذكر أن الفترة التي ابتُلِيْتَ فيها ابتلاءً شديدًا كان سبب هذا الابتلاء هم أقرب الناس إليك (الأهل) وقد أثر هذا الأمر عليك بالسلب نفسيًّا.. بالفعل هذا الموقف يؤثِّر على أي إنسان يوضع في نفس مكانك، سواءٌ نفسيًّا أو اجتماعيًّا أو هما معًا، فمن الناحية النفسية قد يكون ذلك بإحساس الإنسان بالظلم الذي وقع عليه، خاصةً عندما يكون هذا الظلم من أقرب القريبين له وهم أسرته التي نشأ فيها، ومن الناحية الاجتماعية حيث يؤثر هذا الأمر على الوضع الاجتماعي في العمل مثلاً أو الوضع بين الناس أو الأهل؛ مما يعيق الكثير من الأمور.
وهناك ثلاثة أمور لعلها تكون عونًا لك:
أولاً: أن تتذكَّر النعمَ التي حبَاك الله بها؛ حيث إن المؤمن البصيرَ لا ينبغي أن ينظرَ إلى ما ينقصه ويفتقده فقط؛ بل يجب عليه أن ينظرَ إلى ما عنده من النعم التي أعطاها الله له، وسيجد أن ما عنده كثير ولكنه لا يراه أو يراه ولكنه يبخسه ولا يقدره حق التقدير.
ورضي الله عن عروة بن الزبير فقد نزلت به مصيبتان في يوم أحد:
فالأولى: رفست فرسٌ ابنًا له فمات، وقُطعت أحد رجليه حتى لا يسري الداء في بدنه، ولكنه مع هذا حمد الله.. انظر، إنه حمد الله؛ حيث نظر عروة بن الزبير- رضي الله عنه- إلى ابنه المقتول وإلى ابنه الآخر الحيّ فقال: اللهم إن كنت أخذت فقد أعطيت، ونظر إلى رجله المفقودة ورجله الأخرى السليمة، وقال: اللهم إن كنت ابتَلَيت فقد عافَيْت، فكانت نظرته إلى النعمة التي لديه هي التي أعانته على الشكر، ولو نظر إلى النعمة التي سُلِبت منه فقط لأدَّت به إلى السخط والجذع، وكذلك لو نظرت إلى نفسك لوجدت عندك نعمًا جمَّةً وكفى بنعمة الإسلام نعمةً، وطريق الحق والصلاح نعمةً أخرى.
ثانيًا: عسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم، وهي الحقيقة الثانية، أن الإنسان لا يدري أين يكون الخير، واين يكون الشر، فهو يحكم بالظاهر ولا يعلم الباطن، وهذه طبيعة الإنسان، ينظر إلى الحاضر ولا يعلم المستقبل وغير ذلك، قال تعالى: ﴿عَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: من الآية 216).
وما يدريك يا أخي لعل الله يريد أن يصهرك في بوتقة الابتلاء ويربيك في أتون المحن كما ربى أنبياءَه العظام الذين ابتُلوا فصَبَروا وصابروا حتى بلَّغوا رسالتهم.
فهل كان سيدنا يوسف عليه السلام يعلم أن المحن التي نزلت به منذ صغره وطوال حياته ستنتهي به إلى أن يصبح عزيز مصر وتكون بيده خزائن الأرض المالية والزراعية والتخطيط والتموين، وأن تحل على يديه مشكلة القحط ويُخرج مصر من أزمة الجوع والجفاء.
ولذلك فعلينا أن نواجه المتاعب والآلام بصبر جميل ولنعتبر هذا البلاء هديةً من الله كما يذكِّرنا قول رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "يُبتلى الرجل على قدر دينه، وما يزال البلاء ينزل بالعبد حتى يمشي على الارض وما عليه خطيئة".. فالمؤمن الحق هو الذي يجعل البلاء نعمةً تستحق الشكر بدل أن يجعله مصيبةً تستحق الصبر، وفي هذا جاء عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: ما أُصَبت ببلاء إلا وجدت الله فيه علَيَ أربع نعم:
أ) أنه لم يكن في ديني.
ب) أنه لم يكن أكبر منه.
ج) أنني لم أحرم الرضا به.
د) أنني أرجو الثواب من الله عليه.
ثالثًا وأخيرًا: اليأس ليس من شيم المؤمن، فلا تياس يا أخي من أن يكون يومك خيرًا من أمسك، وأن يكون غدك خيرًا من يومك؛ فإن من سنن الحياة الدنيا أن الأيام دول، لقول الله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ (آل عمران: 140).
وقال الشاعر:
اشتدى أزمةً تنفرجي قد أذن لك بالبلج
كما قيل أيضًا:
ضاقت فلما استحكمت حلقاتها فرجت وكنت أظنها لن تُفرجا
وقال الشاعر:
ولرب نازلة يضيق بها الفتى ذرعًا وعند الله منها المخرج
فانتظر مطلع الفجر، فإنَّ أشد سويعات الليل سوادًا وحلكةً هي السويعات الأخيرة التي يطلع منها الفجر والضوء والنهار والخير.
ثبَّت الله فؤادك وقدميك على طريق الخير، وشرَح صدرَك باليقين، ويسَّر لك أمرَك وحلَّ عُقَدك.. آمين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.