هي مدرسة تمت صناعتها وحازت سبقها بمصر بسبب الحكم العسكري المتطاول من أيام محمد علي
أما تجلياتها الحاضرة فلا تكاد تخطئها العين، فهي المدرسة التي تحرص على (مكانة) تظنها (فاعلة) أو (مؤثرة) أو (مُصلِحة)، رغم أجواء القهر والعدوان على كل ما هو إنساني، ولدى كل فصل من فصول هذه المدرسة (مُسكِّنات منطقية) و(مبررات نخبوية) تكاد تُلبس الحق باطلاً والباطل حقًا، لكنها لذيذة المذاق بحيث يمكن أن تخفى على ذوي العقول والكياسة.
وتتعدد فصول هذه المدرسة في حاضرنا الانقلابي كالآتي:
أولاً: فصل (انتظار ما لا يجيء):
وهذا الفصل في المدرسة، رواده غالبًا من المحترمين، وهم يتصورون دائمًا أن حفاظهم على مكانتهم المؤثرة سياسيًا (أو حياديًا) سيجعلهم أهلاً للثقة من الأطراف المتصارعة، وناظر هذه المدرسة الآن هو الأستاذ "فهمي هويدي"، فالرجل أعلم الجميع في معرفة أننا نعيش انقلابًا عسكريًا وغدًا غاشمًا حقيرًا، لكنه يتعامل مع الأحداث كما لوكنا في دولة مستقرة، لذا فهو يوجه خطابه للانقلابيين كما تتعامل الفتاة الرقيقة مع "قطعة البيتي فور"، لن نسيء الظن برواد هذه المدرسة، كما لن ننتظر منهم مفاجأة سارة، فهم يتصورون أن كلمتهم ستسمع إذا لم يصدعوا بالحق في وجه العسكر، لدرجة أن أحد روادها وهو (عبود الزمر) قضى عمره سجينًا يرفض الاعتراف (بفكرة) استشهاد السادات، أما قضية اختطاف الوطن فقد رآها تستحق التنازل والحلول الوسط، وكأن المسألة فعلًا (اختلاف شريف) بين أشراف، أو أن اغتصاب الوطن وبيعه لليهود، وسلب إرادة الشعب هي مجرد مسألة فيها نظر!.
إنهم ينتظرون دورًا إيجابيًا لن يأتي أبدًا؛ لأنهم إن كانوا يلومون على الإخوان أنهم خُدعوا في ظلام المؤامرات، فإن رواد هذا الفصل يرضون لأنفسهم أن يُخدعوا في رابعة النهار،ورغم أن الحرب على مقدرات الوطن دائرة الرحى فما زالوا يتمنون ألا تكون هناك معركة!، فهل هو سوء تقدير لحقيقة المشهد، أم هو سلوك يخفي خوفًا من المواجهة؟!
ثانيًا: فصل (التسليم للأقوى):
إنهم يسلمون للأقوى، ويشرعنون له، سواء بالفتاوى الدينية أو بالتنظير السياسي، وتجد هذه المدرسة مصالح في وقوفها مع الأقوى، وأهمها جلب السلامة والحفاظ على المكتسبات.
فالدكتور "برهامي" يعلم يقينًا أنه يدلس ويغش الناس، فالرجل أذكى وأفقه كثيرًا من هذا السخام السياسي والفقهي الذي يوطد به الأرض للطاغية، وهو لا يبحث عن الحكم الفقهي للحوادث الجارية، وإنما يتخذ رأيًا سياسيًا ثم يأتي له بالمؤيدات من التراث الفقهي، وهو يخالف- عمدًا- المفهوم الحقيقي (للشوكة) و(التغلب) و(الإمامة) و(البيعة) و(الخروج).. إلخ، ولا يشغل باله باستدعاء ميراث مواجهة الطغاة.
وهو يضع تراثنا الفقهي في الوحل يومًا بعد يوم، ولو ترك له الأمر لدفن ميراث "ابن تيمية"، في وقت يزعم أنه أحد متزعمي إحياء تراث الفقيه (والمجاهد) العظيم.
وخطيئة هذه المدرسة أنها تضع نفسها في خندق أراذل القوم وصنائع المخابرات وأمن الدولة واليهود، وهم بذلك يتزوجون الأقوى ويهبونه (العصمة) ليوظفهم كيف يشاء ويهجرهم متى شاء، والأيام الماضية رأينا كيف يحط الهوان والذلة على أكتاف د/ برهامي ورجاله، في نفس الوقت الذي ظهرت فيه خسة أصدقائهم العلمانيين من نفس الفصل أمثال معتز بالله وحمدي قنديل وسكينة والليثي، ناهيك عن جيش الإعلاميين.
يراهن هذا الفصل رهانًا صفريًا على الدبابة لذا فحين يعلو (الحق) على (الدبابة) لن يكون لهم وجود.
ثالثًا: فصل (التنظير لصالح لخصم):
هذه مدرسة خاضت معركة ضد الظالم فكسرها في قوتها، وقهرها في روحها، فلم تتوارَ لتترك المعركة دائرة الرحى بين الظلمة والثائرين عليهم، لكنها أبت إلا أن "تُنظِّر" لتأكيد صحة موقف الخصم!!.. وتستدل على ذلك تدليسًا ببعض أخطاء الثائرين، وناظر هذه المدرسة هو الدكتور "ناجح إبراهيم" الذي تم كسره على يد حكم مبارك وأصبح ملاذًا للمنكسرين من أبناء جماعته وصلتهم بأمن الدولة، والرجل الآن يمارس دوره، فهو يشرعن بالمنطق للحكم القائم، ويريد من الحركة الإسلامية بكاملها أن تعود للمحتوى الصوفي الذي أطلق عليه (الهداية)، وبالتالي تترك الجمل بما حمل، وتذر الشعوب فريسة للقادرين على قهرهم.
وهو لا يترك فرصة إلا استخدام صوته الرخيم وعينيه الخاشعتين واستدلالاته العطوف، كل ذلك كسهام في قلب الإسلاميين؛ باعتباره مفكرًا إسلاميًا.
وستلاحظ أن د. محمد حبيب إلى الآن يُستضاف باعتباره "نائب المرشد السابق" فهذا ما يؤلم الإخوان، أما ناجح فلقبه المفكر الإسلامي؛ لأن "ناجح" أهم عندهم من شخصيات يستفاد بها وقتيًا مثل حبيب ونوح والهلباوي كتلاميذ في هذا الفصل... فهو (مُنَظِّر للهزيمة)، وداعية للانكسار، وإمام للفرار من الزحف.
لذا فهو (مفكر)، وهم قياديون سابقون بالإخوان!
رابعًا: مدرسة (قلنا لكم):
حين نشرت مقال (لماذا نرفض عسكرة الثورة؟) جاءتني ردود غاضبة من أنحاء الكرة الأرضية، فمنهم من كال الشتائم على تخاذلنا ووجوب رفع السلاح في وجه العسكر و(كفانا رومانسية ضيعت الدعوة والوطن).
ومنهم من أراد أن يثبت أن كل الثورات السلمية التي ذكرتها في المقال "هي ثورات مسلحة أو انتهت إلى التسليح".
ومنهم من رد بأن الإخوان لا يسمعون لأحد، ولا يقبلون النصح، (وقد حذرناكم من الجيش، و حذرنا من انقلابات، وحذرنا وحذرنا....).
وهذه مدرسة كلها تقريبًا من المخلصين، يعيشون ألم الهزيمة كأنهم يتلذذون بالدم النازف من أجسامهم، وهم لا يقدرون أن القائد يستمع للجميع لكنه يتخذ قرارًا واحدًا وفي كل الأحوال ستكون قراراته مخالفة لآراء الكثيرين، وهم لا يقدرون أيضًا أن الانقلاب العسكري في دولة يحكمها العسكر لا يمكن التحسب منه في المراحل الأولى لوصول المدنيين لقصر الرئاسة.
لكن هذه المدرسة ترتاح إلى التشكيك وجلد الذات، ويصبحون لقمة سائغة لتأثير الأعداء، فتراهم يتحولون من النقيض إلى النقيض، من الثقة بالنفس والجماعة والقيادة والصف... إلى الانهيار، من الثقة المفرطة في الديمقراطية إلى الإيمان الجازم بحمل السلاح، من ضرورة مشاركة الجميع في الحكم إلى إقصاء الجميع باعتبارهم خونة.
وبالقطع لا يدخل مع هؤلاء الثوارُ الذين عاشوا في ميادين 25 يناير، ثم في محنة الحكم عامًا، ثم محنة الانقلاب، وما زالوا بالميادين، فهؤلاء نقدهم مقدر وغضبهم مشروع؛ لأنهم أبدًا لا يشعرون بالهزيمة، ولا يسلمون للطغاة، ولا يهدمون بنيان ثورتهم وتيارهم الأقوى لأخطاء ارتكبت أو لتكالب الجميع عليهم.
أخيرًا.. إن مدرسة الاستمتاع بالهزيمة لها لغة لا نعرفها، وفقه نرفضه، وسلوك نحاربه.
_ وستظل موجودة كل هذه الشخصيات والأفكار ما دام الباطل منتفشًا.
_ لكن أهل الحق لا تزيغ أبصارهم، ومعركتهم لا تنتهي إلا بالنصر مهما نال منهم العدو.
_ فليعش من شاء في سعادة الزيف، أما الثوار فقد قبلوا الشقاء في خدمة الحقيقة والدم من أجل الوطن.
مكملين ...
لا رجوع ...
-------------
MohamedkamalHYPERLINK "mailto:Mohamedkamal62@ymail.com"62HYPERLINK "mailto:Mohamedkamal62@ymail.com"@ymail.com