- وضع النهضة في تونس يشبه إخوان مصر زمن عبد الناصر

 

- العالم العربي بصدد التغيير والإسلاميون هم البديل

 

أجرى الحوار: محمد أحمد نصر

تشهد الساحة التونسية العديد من التطورات، كان آخرها القرار الرئاسي بالإفراج عن عشرات المعتقلين السياسيين، وهو ما فتح بابًا من الأمل والجدل في آنٍ واحدٍ عما يعقب هذا القرار من نتائج أخرى، وهل يمكن أن يكون ذلك مقدمةً لانفراجة سياسية في دولة محكومة بالحديد والنار أو أن هذا القرار المفاجئ في صالح عدد من المعتقلين قد يكون من منطلق سدِّ الباب أمام منظمات حقوق الإنسان العالمية، وخاصةً منظمة العفو التي أكدت في تقريرها الأخير تردي حالة حقوق الإنسان في تونس؟!

 

على الجانب الآخر يتساءل البعض عن تأثير هذا القرار على الحركة الإسلامية- وخاصةً الإخوان المسلمين- وهل يمكن أن تجبر الأوضاع العالمية الرئيسَ التونسيَّ على غلق باب كراهيته للجماعة؟!

 

قضايا أخرى طرحناها على رئيس حركة النهضة التونسية الشيخ راشد الغنوشي أثناء لقائنا معه على هامش مؤتمر الحوار الأمريكي الإسلامي الذي عُقد بالعاصمة القطرية في الفترة من 18 إلى 20 فبراير 2006 وسألناه عن آرائه ومواقفه بشأن حال الأمة عمومًا، والوضع السياسي في تونس بشكل خاص، وفيما يلي نص الحوار:

 

بدأ الشيخ حديثه بتحية إخوانه في شتى ربوع العالم العربي والإسلامي، واستعرض حالَ الأمة عمومًا قبل أن يدلف إلى ما يجري على ساحة وطنه تونس تحت ظل الديكتاتور الجاثم على صدور التونسيين منذ نحو عقدين.

 

وقال: نحن مستبشرون برغم سوء كثير من الأوضاع، ليس في تونس وحدها بل في عموم الأمة، لكننا نعتقد أن الأمور تسير إلى الخير إن شاء الله.. إن حال الأمة من حال علاقتها بربها وإسلامها، وهذه العلاقة تتحسَّن في كل أرجاء الأوطان الإسلامية في تونس وغير تونس.. إن عدد الحجيج صار أكبر في السنوات القليلة الماضية منه قبل ذلك على مدى التاريخ، ومَن يرتادون المساجد عددهم يتزايد كما لم يحدث قبل ذلك، والمساجد ذاتها في زيادة غير مسبوقة.. الإسلام يتمدد في أصقاع ودول لم يحدث أن شهدت هذا التمدد من قبل على مدى التاريخ المعاصر.

 

وأضاف أن الأمة الإسلامية- برغم تمزقها كدول ودويلات كثيرة بمكائد وتخطيط دولي- تشهد تزايدًا في شعور شعوبها بالوحدة الإسلامية والوعي الإسلامي والتفافها حول دينها ورسولها.
وأكد أننا نتعرض لأعتى الهجمات، بما في ذلك عودة الاستعمار الذي ظنَنَّا أن عهده انقضى، والإسلام ورموزه بإزاء حملات غير مسبوقة، ومع ذلك فمن شرف الأمة أنها تقاوم ولا تستسلم، برغم اختلال موازين القوى لصالح أعدائها.

 

سألناه عن كيفية المقاومة بينما الحكام خاضعون مستسلمون؟! فقال: إن الأمة الإسلامية التي تتعرض للهجوم لا تستسلم وإنما هي في حالة مقاومة، على غير ما حدث مع أمم عظمى أخرى.. لقد استسلمت الأمة الألمانية أمام هجوم أعدائها، واستسلمت الأمة اليابانية.. نعم سقطت دول مسلمة لكنَّ شعوب الأمة لم ولن تسقط بل تقاوم.

 

يحدث ذلك في العراق؛ حيث سقطت الدولة خلال أسبوعين، لكنَّ مقاومة الأمة اندلعت ولا تزال مستمرةً، بعبارة أخرى انتهت حرب الدولة وبدأت حرب الأمة.. إن هذه أمة لا تركع إلا لبارئها.. إننا أمةٌ في حال صحو ومقاومتها تشتد ووعي أبنائها يتزايد يومًا بعد يوم، أعداؤنا يتصدَّع هجومُهم وهاهم يلحُّون على الحوار مع الإسلام والتعامل مع الأمة من خلال الإسلام وليس العلمنة، هناك اعترافٌ واضحٌ لكل ذي عينين بالممثلين الحقيقيين لهذه الأمة رافعي لواء الإسلام.. القوى التي اصطنعها الاستعمار على عينيه ونصبها على رؤوسنا بالحديد والنار لم تعد قادرةً على الاستمرار.

 

أسلوب جديد

وحول شكل التعامل الجديد للغرب مع الإسلام أكد أن هناك أصواتًا عديدةً ترتفع في الغرب، مطالِبةً صنَّاع السياسة هناك بأن يتهيأوا للتعاون مع عالم إسلامي يحكمه الإسلام وليس مع عالم إسلامي يحكمه أتباعهم وصنائعهم.. نعم هذه الأصوات الغربية لا تزال تواجه مقاومةً بفعل اللوبي الصهيوني المتغلغل في أعماق العقل والمؤسسة الغربية، لكنَّ الغربيين في النهاية يحكمهم العقل العملي وليس الأيديولوجيات، والإسلام واقع الآن، ومناهج العلمنة تتراجع وتزداد سوءًا، ونفور الناس من السلطات والنظم الفاسدة يشتد يومًا بعد يومًا.

 

وردًّا على سؤال حول مشاركة الإسلاميين في هذه الندوة قال إنه لم يُدعَ إليها رموزٌ مهمةٌ من الإسلاميين الذين يقتربون بسرعة من الناس ومن سُدَّة الحكم والسلطة، ومَن تمت دعوتهم من الإسلاميين قلةٌ قليلةٌ، ربما قُصد بهم ذرُّ الرماد في العيون (الشيخ القرضاوي حضر جلسة الافتتاح فقط ولم يتكلم بل ولم تُتَح له فرصة سماع ترجمة ما يقال فقد تعطلت سماعات الترجمة في القاعة)!!

 

هذه الندوات لا تعبر حتى الآن إلا عن أن الولايات المتحدة لا تزال تتعامل بغير جدية مع الأصوات الإسلامية، وأن واشنطن لا تقبل بنتائج العملية الديمقراطية التي تبشر بها، وأضاف: إننا لا نعرف متى تتعامل واشنطن بجدية مع الديمقراطية، إن الولايات المتحدة تعتبر الديمقراطية "كلبة بنت كلب" إذا ولدت ولدًا لا يعجبها، هذا تكريسٌ لازدواجية المعايير وتعبيرٌ عن خلل خلقي عند صناع السياسة الغربية، فهم ليسوا نزيهين ولا مبدئيين.

 

فوز حماس

 سألناه عن نظرته المستقبلية فأجاب: تقديرنا بأن حكم الواقع سيتغلب في النهاية، ستتغلب لغة المصالح برغم اللوبي الصهيوني المتحكِّم في جوانب كثيرة من القرار الغربي، الغرب لن يستطيع أن يقاوم إلى الأبد ما يفرضه الواقع في عالم السياسة، والذي حصل في فلسطين بفوز حماس ليس شيئًا شاذًّا، ولو جرت انتخاباتٌ نزيهةٌ في أي بلد عربي لن تكون النتائج بأقل مما حصلت عليه حماس، وانظر إلى ما حدث في الانتخابات البرلمانية المصرية.

 

إن هذا الأمر ليس جديدًا علينا في المنطقة، فقد حدث من قبل في الثمانينيات بالجزائر وتونس، لقد كانت نتائج الانتخابات مشابهةً لما أنجزته حماس، والعالم العربي كله على أبواب تحوُّل كبير، فالنُّظُم على اختلافها شاخت وهرمت وفُتَّ في عضدها الفساد، وسوف تزيحها حركة الزمن، والبديل هم الإسلاميون، إن الإسلام الآن يقوم بعملية تشبيب السياسة، فنسبة الشباب في الحركات الإسلامية هي الأوسع بين أي حركات أخرى، من إندونيسيا في أقصى الشرق الإسلامي حيث حزب العدالة.. إلى المغرب حيث حزب العدالة والتنمية، الأحزاب والقوى السياسية الإسلامية هي الأكثر شبابًا وحيويةً في مقابل أحزاب وقوى هرمت، من جولكار في إندونيسيا إلى حزب الاستقلال، والاتحاد الاشتراكي، والحزب الدستوري في المغرب الأقصى وتونس، وجبهة التحرير، والحزب الوطني، وحزب التجمع، والبعث، ومنظمة التحرير، في الجزائر ومصر وسوريا وفلسطين.. تلك كلها أحزاب في طريقها للغروب.

 

تونس والغرب

أما عن الوضع في بلده تونس فقال الشيخ: إنه بلد صغير، تعرَّض بحكم قربه من القلاع الغربية الفرنسية والإسبانية والإيطالية لعمليات متتالية منذ قرابة قرنين لعملية سلخ ومسخ، كمحاولات لإلحاقها بالضفة الأخرى من المتوسط، وقطعه عن جسم الأمة، لكنَّ الإسلام ظلَّ باستمرار يفرز في كل جيل طاقاتٍ للدفاع عن هوية البلد العربية الإسلامية، وما حركةُ النهضة إلا جيلٌ من أجيال الدفاع عن تونس العربية الإسلامية، نحن نتعامل مع الحداثة لكننا لا يمكن أن نتحول عن الإسلام وخدمة الإسلام.

 

وأضاف: لقد كان أشرس هجوم هو ما تعرضت له تونس في نوفمبر من عام 1981 عندما كانت النهضة قد أَحيَت الهوية العربية الإسلامية للبلاد طيلة السنوات العشر السابقة على ذلك التاريخ، ولا زالت النهضة تتعرض منذئذ لهجماتٍ متتاليةٍ، تشنها سلطة غاشمة حكمت البلاد منذ الاستقلال بسياسة الحزب الواحد والزعيم الأوحد والمحاكم المصطنعة وأجهزة القمع البوليس بلا انقطاع منذ الاستقلال في مارس 1956.

 

وتابع: في عام 1981 وقعت أول هجمة على النهضة بأن اعتُقل نحو خمسمائة من قياداتنا وأعضائنا، وقد قضوا أربع سنوات وراء القضبان، ثم وقعت انتفاضة عام 1987 فحدثت هجمةٌ أشد شملت اعتقال عشرة آلاف، وأعلن بورقيبة أنه يريد أن يخرج من الدنيا وليس في تونس "إخوانجي" واحد، وبعد سنة ونصف وبعدما قرر إعدامنا وقبيل التنفيذ بيومين وقع الانقلاب عليه ووُضع تحت الإقامة الجبرية، وخرجنا نحن آملين في حصول مصالحة بيننا وبين خليفته، وجرت انتخابات 1989 فحصلت فيها حركة النهضة على الأغلبية وفورًا تقرر أمران:

 

لأول هو تزييف النتيجة ليعود الحزب الحاكم ويحتل كل مقاعد البرلمان، والثاني هو البدء في تنفيذ خطة استئصالية للفائزين الحقيقيين في الانتخابات، وفرض سياسة تجفيف المنابع بشكل غير مسبوق في العالم العربي، فمنع حجاب المرأة بشكل مطلَق، ومُنعت الصلاة في المساجد ومَن يُضبط مصليًا يُعتقل، حتى تحية الإسلام "السلام عليكم" تم منعها، وزُجَّ بنحو ثلاثين ألفًا من الحركة في غياهب السجون، ولَقِيَ حوالي خمسين من الإخوة حتفهم برصاص الشرطة، وهاجر قرابة الألفين كانوا قد فلتوا من الاعتقال، فكانت حقبة التسعينيات عصيبةً وقاسيةً علينا وعلى تونس.

 

الآن ومرةً أخرى تثبت حقيقة أن للبيت ربًّا يحميه، وأن هوية الشعوب أعمق من أن تنالها عصا الحاكم، فقد اندلعت في البلاد صحوةٌ عمَّت أرجاءَها، وامتلأت تونس بجيل جديد من الشباب المقبل على دينه وهويته، هذا الجيل هو الذي يحمل راية الدفاع عن هوية البلد في وقت هرمت فيه السلطة وتفشى فسادها وظهر عوارها.

 

المعارضة مع النهضة

وحول رؤيته للمعارضة التونسية قال: إن المعارضة التي سبق لها التحالف مع السلطة انفضَّت عنها واقتربت من حركة النهضة، واليوم تتشكَّل نواةٌ للتحالف بين الإسلاميين ومختلف القوى المعارضة في تونس، ويتفق الجميع على ثلاثة مطالب: هي حرية التعبير، وحرية التنظيم، وإطلاق المعتقلين (وكلهم من الإسلاميين)، ونحسب أن النظام الحاكم يعاني لحظات نهاياته، والبلد الآن في نهاية مرحلة.

 

وأضاف أن حركة النهضة في الحقيقة لم يكن لها دورٌ مباشر في ظهور الجيل الإسلامي الجديد، لكننا نعتبرهم امتدادًا لإرث الحركة، فلم يكن في تونس أسرةٌ ليس من بين أفرادها سجين أو مضارّ أو مهجَّر.. الجيل الجديد فتح عينيه على أعمام أو أخوال وعمات وخالات تمتلئ عيونُهم بدموع الحزن على أخٍ أو زوجٍ أو أبٍ من ضحايا النظام، ومن ثم فالجيل الجديد امتدادٌ للصحوة السابقة التي بدأتها النهضة، والسلطة تحاول جاهدةً منع ائتلاف هذه الصحوة مع سابقتها.

 

سألناه عن نجاح تشكيل جبهة للمعارضة التونسية، فأجاب: إن هناك الآن محاولةً لتشكيل جبهة معارضة، وقد قطعت خطوات طيبة منذ تأسيسها في 18 أكتوبر الماضي؛ ولهذا سميت هيئة 18 أكتوبر، وتشمل الهيئة عددًا من الأحزاب ومؤسسات المجتمع المدني ذات التوجهات الأيديولوجية المختلفة، والجميع يتفقون على المطالب الأساسية الثلاثة التي أشرت إليها:

 

رية التعبير وحرية التنظيم وإطلاق سراح المسجونين السياسيين، هذا تطور يحدث في تونس لأول مرة في تاريخها بعدما استيقن الجميع بأنهم جميعًا ضحايا للاستبداد، ولا يستطيع واحد منهم وحدَه أن يشكِّل توازنًا في مواجهة الدولة وحزبها، كما أن هناك شعورًا بأن النظام في مرحلته الأخيرة بمرض رئيس الدولة، وأن هناك حديثًا عن التوريث توريث النظام نفسه بنفسه كما حصل في عهد بورقيبة بأن ورَّثَه وزير الداخلية، ويمكن لزوجة الرئيس وجهاز الأمن أن يكونوا الورثة، فتُواصل هذه المافيا تسلطها على الشعب التونسي، التجمع المعارض يسعى لتحقيق تحول ديمقراطي في البلد وليس إحلالاً مستبدًّا محل آخر.

 

وحول موقف القوى الخارجية من هذه المسالة أوضح أنها استقبلت التجمع استقبالاً حسنًا، فقد انطلق من الإضراب عن الطعام مدة شهر وخططوا أن تكون نهايته مع المؤتمر الدولي للمعلوماتية، وأثناء ذلك استقبلوا زيارات تضامن من ممثل الاتحاد الأوروبي والسفارة الأمريكية، وفي نهاية الإضراب أعلنوا تشكيل الجبهة وانضمَّ إليها عدد آخر من الأحزاب والشخصيات.. أما المؤسسون الأصليون فكانوا ثمانيةً ينتمون للحركة الإسلامية والشيوعية والليبرالية والقومية وبعض منظمات حقوق الإنسان وممثلي الصحفيين، وقد خرجت وفود منهم خارج البلاد، وقاموا بجولات زاروا خلالها برلمان الاتحاد الأوروبي وعددًا من وزارات الخارجية الغربية.

 

درس الماضي

وردًّا على سؤال حول موقف حركة النهضة من الآخر قال:نحن وَعَينا درس الماضي، فأصبحنا نؤكد على النموذج التوافقي الديمقراطي وليس المغالبة، تعلمنا ذلك من 1989 حينما دخلنا بكامل قوتنا فاختلت الموازين مثلما حدث في الجزائر، ولا زلنا نعاني من آثار ذلك الفوز والتحول الديمقراطي، وفي المغرب أيضًا تعلموا نفس الدرس فدخلوا الانتخابات في نصف الدوائر، وحدث شيء من ذلك في مصر.. الديمقراطية إذن تبدأ بالتوافق بين القوى السياسية وليس بالصراع فيما بينها، حتى لو كانت إحدى القوى تستشعر وزنًا أكبر لها من الآخرين، فلنقبل بالتساوي مع الأضعف أو بحصة أقل مما يمكن أن تعطينا إياه صناديق الاقتراع وذلك لمصلحة التحول الديمقراطي.

 

حالة التنظيم في الوقت الراهن

لقد خرج الآلاف من السجون بعد انتهاء مدة محكومياتهم، ولم يبقَ سوى مئات فقط من الإخوة، والذين خرجوا دخلوا السجن الكبير، فهم ممنوعون من العمل السياسي، وإن كان اثنان منهم يشاركان باسم النهضة في هيئة 18 من أكتوبر، وهما السجينان السابقان الدكتور زياد الدولاتلي والمحامي سمير ديلو.

 

الوضع لا يسمح لحركة النهضة بالوجود المعتاد على مستوى الأسرة والكتيبة، لكننا موجودون في المساجد، وهذه في ذاتها تهمة عند النظام الحاكم، ومع ذلك فلا بد من العمل، جميعنا نتهيأ لمرحلة جديدة قادمة والأغلبية موجودة بالداخل، ونحن في الخارج نُعدُّ أقليةً، ويمكنني أن أشبه وضع حركة النهضة في تونس حاليًا بوضع الإخوان في مصر في نهاية الخمسينيات وبداية الستينيات من القرن الماضي، بل لعل وضعنا أسوأ، ليس من الناحية الأمنية بل من الناحية الدينية، فالإسلام ذاته لم يُحارَب صراحةً في مصر على يد النظام الناصري، ولم تكن الصلاة في حد ذاتها جريمةً، ولم تحارب الدولة الحجاب أو التعليم الديني كما يحدث في تونس الآن!!