بشكل (أوتوماتيكي) يحتفل المصريون كل عام بذكرى تحرير سيناء من قبضة اليهود؛ حيث يحصل الموظفون علي إجازة رسمية، ويخرج المسئولون لتهنئة الشعب بالمناسبة، وتستضيف وسائل الإعلام الرسمية، وبشكل روتيني أيضًا، بعض من شاركوا في الحروب التي دارت بيننا وبين العدو الصهيوني، أو الذين شاركوا في المفاوضات معهم لإجلائهم سلمًا عن سيناء فيما عرف باتفاقيات كامب ديفيد وغيرها.



وفي كل الأحوال يمر هذا اليوم دون أثر، ودون  التفكير في ظروف هذه الجزء الغالي من أرض مصر، وماذا بعد تحريره إن كان قد تم تحريره بالفعل؟.. ويبقي الواقع الأليم لتلك البقعة المباركة التي لم تتحرر كما أوهمونا، ولم تشهد تنمية كما ادعوا، بل المؤكد أنها صارت -بعد الاتفاقيات المشبوهة التي وقعت في نهاية السبعينيات- جزءًا لا يتجزأ من (إسرائيل)، وعمقًا استراتيجيا لتلك الدويلة السرطانية اللقيطة التي زرعت في غفلة من المسلمين ثم تمددت وتوسعت بسبب خيانات جيوش وعروش عربية تعادي الدين وتحاد الله ورسوله. 

إننا لسنا بصدد الحديث عن الأهمية الدينية والاستراتيجية لسيناء بالنسبة لليهود، بل مصر عمومًا، وما تمثلانه من قدسية تاريخية لهم.. إنما نحن بصدد فضح مخطط لإخلاء سيناء وتفريغها من المصريين لصالح الصهاينة، وبأيدينا لا بأيديهم، وهذا المخطط قديم لكن يتم التعديل فيه وفقًا للمستجدات التي تطرأ علي المنطقة ولم تكن في حسبان من وضعوه.. نؤكد مرة أخري أن سيناء لم تتحرر يومًا من الاحتلال اليهودي الذي يبسط سيطرته التامة عليها، ولا يستطيع أحد أن يدعي أن لمصر السيادة الكاملة عليها، فاليهود يذرعونها طولا وعرضًا، ويدخلونها وقتما يريدون، ويخرجون منها متي يشاءون، لا يعترضهم معترض، بل إننا حصرنا أكثر من ثلاثين حادثة وقعت في عصر مبارك قامت إسرائيل أثناءها بقتل جنود وضباط مصريين أو بتصفية مدنيين من البدو وغيرهم، فلم تعترض مصر مرة واحدة، بل المؤكد أن سيطرة اليهود الفعلية علي سيناء أكبر من سيطرة الجيش المصري، ولو أرادت إسرائيل السيطرة العسكرية الفعلية الكاملة علي سيناء لفعلت، لكنها تؤجل هذا اليوم إلي حين، خصوصًا أنها تجد من يحمي لها حدودها دون مقابل حتي اعتبرت ذلك (كنزًا استراتيجيا)، فلم إذًا تشن الحروب وتحشد العتاد وتخسر الأموال؟! 

إن (سيناريو) الحرب علي الإرهاب في سيناء لا يعني إلا أمرًا واحدًا: دعم الأمن الإسرائيلي علي الجبهة المصرية، وتنفيذ قرارات اليهود بتمشيط شبه الجزيرة، والقبض علي أي (عناصر) يشتبه في تهديدها للصهاينة من ناحية مصر، ولذا كانت تلك الحملة الشرسة التي شنها الأشاوس ولا يزالون علي أهالينا في سيناء، فمنذ الانقلاب الدموي وحتي الساعة تدمر البيوت والمساجد ويقتل الرجال، وقد تم تهجير المئات، وأخليت مساحات شاسعة علي الحدود مع العدو، ويصاحب كل هذا تعتيم إعلامي رهيب، وسيطرة تامة علي مداخل ومخارج المحافظة الحدودية، لدرجة أنهم بنوا سورًا عظيمًا يحيط بمدينة العريش.. كل هذا لتوفير الأمن للعدو، والزعم: حرب الإرهاب وملاحقة المتطرفين. 

لسوف يكشف التاريخ أن أحداثًا يتم تسويقها باعتبارها قرارات وطنية، هي في الحقيقة ضد مصالح الوطن والدين، وإذا كانت الآلة الإعلامية قادرة الآن علي التعبئة وتهيئة الرأي العام لتلقي تلك الضلالات، فإن الزمن كفيل بعلاج كل هذا الإسفاف، خصوصًا أن هناك من المستحدثات ما يبطل هذا الدجل، ويميز المصلح من المفسد، والوطني من الخائن.