سيف الإسلام لـ"إخوان أون لاين":
- أوافق على فيلم أو مسلسل يحكي قصة والدي بشروط
- كتابة السيناريو ليست مشكلة.. المهم الموضوعية
حوار- هاشم أمين
تمر هذا العام الذكرى المئويةُ لمولدِ الإمام الشهيد حسن البنا والذكرى السابعة والخمسون لاستشهاده، وقد أثارت هذه الذكرى مجددًا فكرة إنتاج فيلم يتناول حياةَ المرشدِ العام المؤسس لجماعةِ الإخوانِ المسلمين كبرى الحركات الإسلاميةِ في العصر الحديث، والحقيقة أن فكرةَ إنتاج فيلم عن شخصية الإمام لم تكن جديدةً؛ حيث سبق أن طرحها الكاتب الصحفي اليساري صلاح عيسى من خلال فيلم تسجيلي منذ أكثر من ست سنوات.
والمعتاد عند التفكير في إنتاج فيلم عن الزعماء أو القيادات الكبرى أن تثور المشكلات والخلافات بين أسرة الشخصية والقائمين على العمل الفني.. حدث هذا في الأعمال الفنية التي تناولت شخصيات: الشيخ الشعراوي والرئيس السادات والمشير عبد الحكيم عامر وغيرهم، ولذلك كان من الطبيعي أن نتوقَّع خلافاتٍ بين أسرة الإمام البنا وجماعة الإخوان المسلمين من جهة ومن يكتب سيناريو الفيلم من جهة أخرى، والسبب في ذلك واضحٌ وهو أن صورةَ الإمام عند أسرته وتلاميذه في جماعة الإخوان تختلف عن الصورة عند غيرهم خاصة إذا كانوا من غير ذوي الاتجاه الإسلامي، وتدخل عوامل أخرى كثيرة في هذه القضية مثل الهدف من إنتاج الفيلم وشخصية كاتب السيناريو واحتمال استفادة جماعة الإخوان المسلمين دعائيًّا من ظهور فيلم سينمائي عن شخصية مؤسسها خاصة بعد الفوز الكبير الذي حققته في انتخابات مجلس الشعب الأخيرة في مصر ووصل نجاح الجماعة إلى فلسطين؛ حيث اكتسحت حركة حماس انتخاباتِ المجلس التشريعي، واحتلت سدةَ السلطة، هذا بالإضافة إلى موقف السلطة المصرية المتعنِّت إزاء كل ما يتعلق بالإخوان.. كل ذلك جعلنا نسعى إلى حوار مع أحمد سيف الإسلام حسن البنا نجل الإمام، وصاحب التحفظات على فكرة الفيلم.
نشاط الإخوان الفني
* نسب البعض إليكم رفضكم القاطع فكرة عمل فيلم يتناول حياة الإمام الشهيد حسن البنا، فما مدى صحة هذا الموضوع؟
** أنا لا أرفض الموضوعَ من حيث المبدأ؛ بل على العكس، فدعوة الإخوان المسلمين دعوةٌ منفتحةٌ، وقد كان لها نشاطٌ مسرحي وقسم لنشاط التمثيل المسرحي في الماضي، فقد كان عندنا فرقة تمثيل أخرجت روائع المسرحيات مثل مسرحية: صلاح الدين الأيوبي، المعز لدين الله الفاطمي، بنت الإخشيد، والكثير من المسرحيات التي كان قد ألفها الأستاذ عبد الرحمن البنا، والذي يعتبر رائد المسرح الإسلامي، وهناك رسالتا دكتوراه مؤلفتان عن الأستاذ عبد الرحمن البنا (شقيق الإمام) باعتباره رائدًا للمسرح الإسلامي.
فالإخوان وشعبهم ضربوا بسهمٍ في الحركة المسرحية، وأذكر أن شعبة (بَسْيون) بمحافظة الغربية والتي كان فيها الحاج أحمد الْبِس ذهبوا إلى دار الأوبرا الملكية وأقاموا حفلاً بها وقاموا بعمل مسرحية أيضًا.
والإمام حسن البنا لما سُئل عن السينما قال: إنها كالكوب إذا امتلأ ماءً فهو حلالٌ، وإن امتلأ خمرًا فهو حرام، فهي وسيلة وأداة، والإمام البنا كانت له فكاهةٌ مع الممثل أنور وجدي عندما قابله، وقد كان أنور وجدي يظن أن الإمامَ سيكون قاسيًا عليه في كلامه، ولكن الإمام كلمه وقال له ما معناه: إننا من الممكن أن نتجه للفن اتجاهًا هادفًا.
فمن حيث المبدأ ليس هناك معارضة، والسينما اليوم أصبح لها تأثيرٌ وجمهورٌ كبير، وهي والتليفزيون أصبحا وسيلةً من وسائل الدعاية، وينبغي علينا أن نمتطيها، ونجاهد بها.
حياة غنية
* ما دام ليس هناك مشكلة لديكم في المبدأ فما السبب إذن؟
** لا حرج لدي كما قلت من حيث المبدأ، ولكن المشكلة في كيفيةِ تناولِ الفيلم لحياةِ الإمام، فحياته من مولده إلى استشهاده كانت غنيةً بالمواقف العظيمةِ التي كوَّنت شخصيته، وأنا أكاد أحصي حياةَ الإمامِ حسن البنا يومًا بيوم، ولدي مشروع سيظهر قريبًا بإذن الله بعنوان: "يوميات الدعوة والداعية" منذ أن وُلد إلى أن استشهد، وأستطيع أن أقول لك كل يوم أين كان الإمام؟ وكيف مضى هذا اليوم؟ وماذا فعل يومًا بيوم؟ وماذا قدمت الدعوة في هذا اليوم؟ وأنا لدي من المواقف الكثيرة التي تستحق التناول، وكل موقف فيها قمة في حد ذاته، والفيلم مدته ساعتان أو ساعتان ونصف.
* هل يعني ذلك إمكانية عمل مسلسل يتناول حياة الإمام بما يعطي مساحة أكبر لتناول الشخصية من جميع جوانبها؟
** المسلسل شيءٌ آخر، فلو كان مسلسلاً تاريخيًّا يستعرض تاريخَ حياته فهذا مشروع آخر، وليس لدي أي معارضة لأي من الفكرتين في طريقة التناول.
إن حسن البنا نموذج اختاره الله في هذا العصر ليكون قدوةً للناس بلا أدنى تزيد أو فخر، وأستطيع أن ألقبه بـ "أويس هذا العصر"، فالرسول- صلى الله عليه وسلم- قد نصح سيدنا أبا بكر وعمر أن يبحثا عن شخص بسمات معينة، وأن يطلبوا منه الدعاء، فذهبا ليلتقيا بأويس القرني ويطلبوا منه الدعاء، وقد أراد الله وأراد رسوله بهذا الأمر أن يفهمَ الناسُ أن هناك من عباد الله تبارك وتعالى من يقارب منزلةَ الصحابة، بل يطلب منهم الصحابة الدعاء، وفي كل عصر سيظهر هذا الـ "أويس" ليكون قدوةً للناس.
والذين عاصروا الإمامَ وعرفوه عن قرب يشهدون بذلك، وما يعرفه الناس عن حياة الإمام أقل بكثير جدًّا من حقيقته الربانية الصافية الخالصة العارفة بالله، والتجارب التي مررت بها بعد اثنين وسبعين عامًا من العمر تؤكد هذا يومًا وراء يوم.
فأي مشروع يؤدِّي إلى انتشار المعرفة بهذه الشخصيةِ هو في مصلحةِ الإسلامِ، وفي مصلحة الحركة الإسلامية، وفي مصلحة رفع الحالة الإيمانية، والمعرفة بالله تعالى وأن يؤمن الناس أن الله يرعاهم ويبعث لهم في كل وقت وفي كل حين من يجدِّد لهم أمرَ دينهم، فهذا يجعلهم أشدَّ إيمانًا بالله، إن شخصًا من أسرةٍ عاديةٍ ومن أعماق الشعب المصري لا أكثر ولا أقل ولكنه استطاع بإيمانه أن يُحدث هذا التغييرَ الذي يراه العالم كله بدون أي أسلحة خارجية، فلا مال ولا جاه ولا استعانة بسلطة داخلية أو خارجية أو عمالة لأحد، فهو حجة على الناس في هذا، وهو حجة من الله بالغةٌ على أن كل فرد يؤمن بالله تبارك وتعالى يستطيع أن يجعل للإسلام هذه المكانةَ والحجةَ.
فأي شيء يؤدي إلى انتشار المعرفة بهذه الشخصية يقوِّي عزائمَ المؤمنين وعزائم الصادقين على هذا العمل، ولا بد لهم أن يعلموا أن هذا العمل ستكون له نتيجة إن شاء الله إن لم تكن في حياتهم فبعد موتهم، وصدق الله إذ يقول: ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء﴾ (إبراهيم:25).
* ما الطريقة التي ترضون عنها في تناول الموضوع؟
** أرى أن موضوع طريقة التناول شيءٌ خطيرٌ، فالذين يريدون تناولَ هذا الموضوع ثلاثة أنواع أو من حدثوني في هذا الموضوع ثلاثة:
النوع الأول: نفعي بحت، والهدف الوحيد من ورائه هدف تجاري، عبارة عن منتجٍ رأي موضوعًا ناجحًا له جماهير وله شعبيةٌ ويستطيع أن يربح منه، فالموضوع عنده مجرد معاملة مالية تجارية بحتة لا غير، وهذا له اشتراطاتٌ لأجل تسويق الفيلم وتجميله، وكل هذه شروط لا يمكنني القبول بها.
النوع الثاني: يريد أن يكون هذا الفيلم وسيلة للهجوم على دعوة الإخوان المسلمين، خصوصًا بعد النجاح الذي أحرزته في هذا الوقت، فيلجأون إلى السينما كسلاح، والسينما الآن أصبح لها دور سياسي خطير، فبعد أن نجحنا في انتخابات النقابات كالمحامين مثلاً ظهرت مجموعةٌ من الأفلام كان الغرض منها هو ضرب المحامين وضرب الحركة الإسلامية.
هذه الأفلام إما مدفوعةٌ من الداخل بحكم المنافسة الحزبية أو السياسية أو مدفوعة من الخارج بحكم التنافس الثقافي والرغبة الاستعمارية في تحطيم كل مقومات الأمة العربية وعلى رأس هذه المقومات زعماؤها وقادتها ومفكروها، ويأتي على قائمة هؤلاء الإمام الشهيد حسن البنا، فالتنافس في الداخل والهدم لحضارة المسلمين من الخارج قد يكون وراء عمل أفلام للإساءةِ إلى حسن البنا.
أما النوع الثالث: فهو الصنف المعجب بحسن البنا الصادق الذي يعرف قيمتَه ويعرف دورَه التاريخي، ويود أن يقدِّمه نموذجًا للناس يُحتذى به تقويةً للحركةِ الإسلاميةِ وتدعيمًا لها في نفوس الشباب وفي نفوس الناس كدعوة صالحة، وبالطبع هذا له كل التقدير.
* فهل هناك شروط تضعونها لمن يريد أن يُقدِم على القيام بهذه الفكرة وإنتاجها؟
** لأجل أن نفصل في هذا الأمر فإن الجميع ينبغي أن يعلم أنه ليس من حقِّ أحدٍ أن ينسب إلى غيره أي شيء غير صحيح، فضلاً عن أن يكون هذا (الغير) شخصية تاريخية؛ لأن هذا يعتبر سَبًّا وقذفًا وادعاءً كاذبًا إذا كان سيئًا في حق هذه الشخصية، ينبغي لكل من يتناول شخصيةَ الإمام البنا أن يعلمَ يقينًا أنه ليس من حقهم إلا ذكر الحقائق الثابتة، أما الحقائق غير الثابتة فليس من حقِّ أحد أن يتناولها.
الأمر الآخر.. إنه حتى يتوفَّر الصدق وأن تقال الحقيقة ينبغي أن تقال الحقيقة كاملةً، فجزء من الحقيقة لا يُغنِي، وينبغي لمن يتعرَّض لهذه الحقيقةِ أن يحاولَ أن يعرضَ صورةً كاملةً للحقائق ولا يتعرض لجزءٍ ويترك جزءًا آخر، ومثال ذلك أن البعض حين تناول شخصية والد الإمام البنا يكتفي بأن والدَه كان يعمل (ساعاتي)، ورغم تميز وندرة هذه المهنة في زمنه؛ لكنهم يكتفون بهذا ولا يذكرون أن والدَه كان من كبار علماء الحديثِ في هذا العصر، وهو محدث مصر وعالمها، وكلنا يسمع مقولة: قال صاحب الفتح دون أن نعلم أن صاحب الفتح هذا هو أحمد عبد الرحمن البنا والد الإمام الشهيد حسن البنا، ولقد عاصرته بعد استشهاد الإمام البنا تسع سنوات، فلقد استشهد والدي سنة 1949م وربَّاني جدَّي وعلمني حتى نوفمبر سنة 1958م. فأنا أريد أن تُذكرَ الحقائقُ وأن تُذكرَ كاملةً دون تركٍ أو إهمال فيتم تشويه الصورة.
الأمر الثالث: إن من حقِّ كل فرد أن يعلِّق على الأحداث الحقيقيةِ في تاريخِ الإمام حسن البنا، فمن حقه أن يعلق عليها كما يشاء مدحًا أو قدحًا فهذا رأيه، فمثلاً الإمام حسن البنا اشترك مع المتطوعين في حرب فلسطين.. هذه حقيقةٌ هو قالها واعترف بها، هل هذا الأمر صواب أم خطأ؟ من يريد أن يقول إنه صحيح ومن يريد أن يقول إنه خطأ فهذا رأيه، ولكن هذا التقدير للموقف يكون بالأسلوب الذي لا يثلم الشرفَ أو العِرض، ويكون بطريقة مهذبة، فلا تقول مثلاً إن هذا كان خيانةً تواطؤًا أو خيانةً مع الأعداء أو لصالح فلان أو فلان، صح أو خطأ فقط، لكن أن يخرج الأمر إلى دائرةِ التجريح نكون قد خالفنا القانونَ وخالفنا العدل.
الأمر الرابع: هذا العمل ينبغي أن يكون بالصورةِ الفنيةِ التي تناسب مستوى الإمام حسن البنا، والأصل أنه كان ينبغي على الدولة أن تقوم بهذا العمل باعتبارها مسئولةً عن تاريخ مصر، فالأفراد قد لا يقدرون على القيام بهذا العمل أو تمويله أو تحقيق الربح من هذا العمل، ولا يستطيع أحد منهم أن يخاطرَ بهذا الأمر، فهذا العمل في المقام الأول هو واجب الدولة، فتاريخ مصر أمانةٌ في عنق الحكومة التي ترعى هذا البلد، وتاريخ مصر هو تاريخ الرجال العظماء الذين نشأوا في رحاب هذا البلد وترعرعوا فيها، فما تاريخ البلد إلا تاريخ رجالها، وليس مجرد تراب وأرض، إنه تاريخ الرجال الذين أقاموا هذه الآثار، وتاريخ الرجال الذين خاضوا المعارك، وتاريخ الرجال الذين قدموا نهضةً علميةً أو فكريةً، كل هؤلاء رجال وليسوا أعمالاً صماء، وعلى الدولة أن تُكرِّم هؤلاء الرجال تكريمًا لتاريخِ مصر الذي هو أمانة في عنقها، فينبغي أن تقوم الدولة بهذا العمل، وقد كنا ننتظر أن تفيق الدولة في يوم من الأيام إلى موقفها من الإمام الشهيد حسن البنا وتعامله كزعيم من زعماء هذا البلد، وهذا لم يحدث للأسف الشديد، رغم أن الرئيس عبد الناصر وقف على قبر الإمام الشهيد مرتين، وألقى عليه خطبًا عصماء والرئيس أنور السادات اعترف أن الإمام الشهيد أو حركة الإخوان المسلمين كانت تساعده في السجن بمرتب شهري قال إنه عشرة جنيهات، ولكنها في الحقيقة كانت أربعين جنيهًا، والذي قال لي ذلك هو الأستاذ أنور الجندي- رحمه الله-.
فينبغي على الدولة أن تغيِّر من موقفها غير العادل بالنسبة لتجاهلِ هذه الشخصيةِ وخصوصًا في ذكراها، بل إن الدولةَ تحتفل بالكثير ممن هم أقل شأنًا أو حتى ممن هم أمثالُه في مقاييسِ الرجالِ والعظمةِ وخدماتهم الوطنية، والذي فجَّر هذه القضيةَ أنه في أثناء الاحتفالِ المئوي الذي أقامته كلية دار العلوم بمناسبةِ إنشائها، ففي هذا الاحتفال كانت الكلية تضع قائمة للشخصيات التي تخرجت فيها، وكان على رأسهم حسن البنا فصمَّم المسئولون في الحكومة على رفع اسم حسن البنا من هذه القائمة، ولقد تقدَّمتُ في الذكرى الخمسين بطلبٍ لإقامة احتفال ولكن الأمنَ رفض بشدةٍ، وجاء إليَّ أحد الضباط ليأخذَ عليَّ تعهدًا بألا أقيمَ هذا الاحتفال، ولكني صابرٌ وأعتقد أنه سيأتي اليوم الذي يحتفل فيه العالم كله بهذه الذكرى وفي مصر إن شاء الله والفضل لأبناء حسن البنا الذين ثبتوا على هذه الدعوةِ وما زالوا يرفعون علمها.
القصة
* كيف ترون مشكلة كتابة قصة الفيلم؟ وهل هناك معوقات أخرى؟
** هناك الكثير من العقبات العملية التي تقف في طريق تنفيذ هذه الفكرة، وهذه العقبات تجعلنا نفكر قبل إنتاج هذا الفيلم، وأولى هذه العقبات: القصة؛ فأنا لديَّ قصةَ وعندي المواقف كلها التي تتألف منها هذه القصة، ولدينا ما يخص مواهبَ الإمامِ وحكمته وسياسته وتواضعه وأخلاقه، فهذه الشخصيةُ شخصية غنية؛ لكن من الذي يكتب السيناريو لهذه الشخصية؟ هذا أمرٌ يحتاج إلى بحث، فعلى كاتب السيناريو أن يلتزم بالقصة التي نختارها له، وأن يلتزم بعرض المواقف التي نختارها بعد مشورة مع إخواني.
* إذن فما دور كاتب السيناريو هنا بعد اختياركم القصة والمواقف؟ وهل معنى هذا أنكم ترفضون أي قصة أخرى؟
** كاتب السيناريو يتبقى له الحوار، فهو الذي يدير الحوار في القصة؛ لأنني أريد قصةً متكاملةً متوازنةً تعرض كل جوانب الشخصيةِ، وترد على كل ما قيل عن الإمام الشهيد حسن البنا، وهذا الأمر لن أقوم به بمفردي، بل بعد مشورة من إخواني، وخاصة الذي عاصروا الإمامَ الشهيدَ عن قرب، وما خاب من استشار.
والعقبة الثانية والأنكى من الأولى هي من سيمثَّل شخصيةَ الإمام حسن البنا؟ لأن المشكلةَ أن الممثِّل الذي سيقوم بأداء هذه الشخصيةِ سيلقي بظلِّه على شخصيةِ الإمامِ حسن البنا، وهذا أخطر ما في الموضوع؛ لأن عرض شخصية الإمام حسن البنا للتمثيل سيجعل هناك علاقةً بين الشخصيةِ الأصل والشخصية الممثلة، وسوف تلقي الشخصيةِ الممثلةِ بظلالها على الإمام حسن البنا، وهذا هو الخطر الأكبر، لأجل ذلك يفضل أن يكون هذا الممثل وجهًا جديدًا ويمكننا أن نعقد معه اتفاقًا ألا يمثل أي عمل يكون منافيًّا للمبادئ الإسلامية، وذلك حتى لا يلقي بظله على شخصية الإمام الشهيد حسن البنا، وإن لم يكن هناك وجه جديد يقوم بالتمثيل لهذه الشخصية فمن الممكن أن نقبل أن يقوم بهذه الشخصية ممثل معروف، ولكننا نشترط أن تكون سيرتُه حسنةً وله تاريخ طيب في أعماله التمثيلية.
* إذن ما دام الأمر كذلك فلماذا تأخر الموضوع إلى الآن؟
** أنا غير مسئولٍ عن التأخير، ولم يُعرض علي شيء.
* فما المشكلة الحقيقية في تأخير خروج الفكرة إلى النور حتى الآن؟
** المشكلة الحقيقية والمهمة هي التمويل، فمن الذي سيمول هذا الفيلم، كنا نتمنى أن تقوم به الحكومة، ولكن هذا لم يحدث، فحين يوجد المنتج وقتها نتحدث عن بقية الأمور، ولعل هذه الضجة الأخيرة حول هذا الموضوع تجعل بعض المنتجين يُقبِل على إنتاج هذا الفيلم، ولكن بالقدر الذي يتيح له إمكانيات فنية عالية.
* ولكن قد يفهم البعض من ذلك أن الإخوان يريدون أن تظهر شخصيةُ الإمام حسن البنا في الفيلم كشخصيةٍ ملائكية ليس لها عيوب أو أخطاء؟
** لا.. من قال هذا؟ أنا لا أريد سوى الحقيقة.
* هل نفهم من هذا أنكم لا تمانعون توجيه النقد للإمام في الفيلم؟
** نعم نسمح بالنقد إذا كان حقيقيًّا، ولكن ينبغي أن يلفت أنظارَنا أمرٌ مهمٌ في بروز الزعماء كما قال الإمام حسن البنا نفسه: الزعماء ثلاثة: زعيمٌ صنع نفسَه بالشطارة والفهلوة كما يقولون، وزعيمٌ صنعته الظروف؛ حدثت ثورةٌ مثلاً وهو راكب على ظهرها وأصبح زعيمَ الثورة أو الحزب، وزعيم صنعه الله على عينه يجدِّد أمرَ الدين، فإذا اعتبرنا أن الإمام الشهيد من النوع الثالث وإذا اعتبرنا أنه من الرجال الربانيين الذين يبعثهم الله في كل فترة من الفترات ليجددوا أمر الدين فمن الصعب جدًّا أن تجد له أخطاء كبيرة، هذا أمرٌ صعبٌ وعسيرٌ، ولكن بالطبع هناك تجاوزاتٌ، وبالطبع هو بشرٌ يخطئ ويصيب، وبالطبع هو غير معصومٍ، فكل هذه مسلماتٌ دينيةٌ موجودة، ولكن لا يعقل أن نقف مع مثلِ هذه الشخصياتِ لنخرج بعض الأمور الصغيرة أو العيوب ونقوم بتضخيمها وإبرازها، كما فعل بعض الناس حين أقاموا الدنيا ولم يُقعدِوها في نقدهم للإمام الشهيد في أنه جَمَع كلمة (مشكلة) على (مشاكل) والمفروض أن تُجمعَ على (مشكلات)، فهم يقولون: إنها لا تُجمع على (مفاعل)، يعني تركوا كل هذا المجد الأدبي وأمسكوا في هذه النقطة التي أؤكد لك أنها خطأ مطبعي؛ لأنها قد وردت عشرات المرات في استعمال الإمام الشهيد أنه يجمع (مشكلة) على (مشكلات) وله رسالة بعنوان (مشكلاتنا في ضوء النظام الإسلامي)، فهذا ليس تحقيقًا علميًّا إنما تصيُّد للأخطاء، وقد كان معروفًا عن الإمام البنا أنه يحسن انتقاء الألفاظِ التي تعبِّر عن المعنى بدقة شديدة وبلاغة عالية.
* هل تقبلون في هذا الفيلم ظهور عائلة الإمام الشهيد؛ الأم والأبناء مثلاً؟
** طبيعة بيت الإمام الشهيد كان فيه روح الالتزام بالإسلام، وقد كان الإمام حريصًا على الالتزام بالنواحي الشرعية، ولم يكن يسمح في بيتنا بأي اختلاط غير شرعي، فلم تكن أمي تختلط بالناس، وقد كانت- رحمها الله- شديدةَ الحياء، فقد كانت تتحرج أن تمشي بجانب الإمام الشهيد وهو زوجها، ولو سمحنا بهذا التصوير للحياة العائلية فإننا لا نسمح فيه بأي تزيد أو خروج، فنحن لا نرفض المبدأ ولكن أن يكون التناول في خلال هذا المحتوى الذي حددناه.
* معني ذلك أنكم توافقون على ظهور ممثلة في دور الأم؟
** نعم هذا شيء نقبله، ولكن لا نقبل بظهور حتى صورة الأم أو العائلة الحقيقيين؛ لأنهم لم يكونوا ليقبلوا بهذا الأمر، ولكن المشكلةَ في هذه الممثلةِ التي تقوم بدور الأم، فهذه مشكلة أكبر من مشكلة الممثل الذي يقوم بدور الإمام، فمن أين لنا بهذه الممثلة؟