- لا صلح.. لا اعتراف.. لا تفاوض مباشرةً مع العدو
- الفوز في الانتخاباتِ لا يعني إلقاء السلاح
تحقيق: محمد عزت
بعد فترةٍ من ممارسة الضغوط العربية والعالمية تم الإعلان رسميًّا عن تكليف حركةِ المقاومةِ الإسلامية "حماس" ممثلةً في شخصِ إسماعيل هنية رئيسًا للوزراءِ الفلسطيني كأول حمساوي يشغل هذا المنصب، والذي من المقرَّر أن ينتهي من تشكيلِ الحكومةِ الجديدةِ في غضون أسبوعين، وكذلك عزيز الدويك كأول حمساوي أيضًا يشغل منصب رئاسة المجلس التشريعي الفلسطيني، وكان هذا طبيعيًّا بعد النتائج التي حققتها حركة "حماس" في انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني أواخر يناير الماضي، وفازت فيها بأغلبيةِ مقاعدِ هذا المجلس باقتناصها 74 مقعدًا من أصل 132 مقعدًا هم مقاعد البرلمان الفلسطيني متفوقةً على حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح" التي فازت بـ 45 مقعدًا فقط.
الفوز الكبير لحركة حماس وضعها على المحك وكشف عن تباين كبير في ردود الأفعال داخل الأراضي الفلسطينية والكيان الصهيوني وخارجها في العالم العربي وعالميًّا في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي!
وباعتلاء "حماس" سدة السلطة في فلسطين يفرض هذا السؤال نفسه على الساحة حول الثوابت التي تتمسك بها الحركة كفصيلٍ مقاومٍ للاحتلال الصهيوني وموقفها من هذه الثوابت بعد ترؤس الحكومة؟!
ولطمأنة الشارع الفلسطيني خاصةً والعربي والإسلامي عامة أكد قادة حماس عدم تخليهم عن الثوابت الفلسطينية وهي تحرير الأرض وعودة اللاجئين، مؤكدين أن الشعب الفلسطيني اختار الحريةَ وطرد الاحتلال الصهيوني، وأثبت للعالم أجمع قدرته على صياغة واقعه...
وأكد خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحماس أنَّ الحركةَ ستغير وفْق ما تقرره هي ومساحة التغيير الإستراتيجي، وكل مرحلة لها منطقها وإستراتيجيتها وتكتيكها، والحق لا يتغير والثوابت لا تتغير وسوف تنجح حماس في هذا التحدي، وقال إنَّ الحركةَ ستفرض منطقَها ولغتَها وتقدم نموذجًا رائعًا.
وأوضح مشعل أنَّ فوزَ حماس في الانتخابات التشريعيةِ لا يعني تخليها عن مواصلةِ المعركةِ ضد الاحتلال لتحقيق الهدف الرئيس، وهو تحرير الشعب الفلسطيني وعودة اللاجئين.
وأضاف أن الحركة لن تخضع لابتزاز الاتحادِ الأوروبي أو الولايات المتحدة، ولن تتنازل عن مبادئِها وكفاحِها مقابل المساعدة المالية.
وقال مشعل إن: "حماس لديها مناعة ضد الفساد والترهيب والابتزاز، ورسالتنا إلى الولايات المتحدة وحكومات الاتحاد الأوروبي هي الآتية: لن تُجدي محاولتكم إجبارنا عن التخلي عن مبادئنا وكفاحنا".
أكد مشعل أن حركةَ حماس لن تعترف مهما حدث بشرعيةِ الكيان الصهيوني، مشيرًا إلى أن هذا الكيان عجز عن كسر إرادة حماس والشعب الفلسطيني في ميدان المعركة، وسيكون عاجزًا عن كسر إرادة حماس في ميدان السياسة، وقال: سوف يرى العالم كيف تجمع حماس بين المقاومة والسياسة والسلطة، مضيفًا أنَّ السلطةَ ليست غايةً عند حماس وإنما وسيلة وضرورة من أجل مصلحة الشعب الفلسطيني.
من جانبه أعلن إسماعيل هنية رئيس الوزراء الفلسطيني المكلف أن مواقفَ حركتِه حول مجمل القضايا واضحةٌ وتعتمد على التوازن في التمسك بالمواقف والثوابت للشعب الفلسطيني التي اختارها بناءً عليها، وسنكون أمناء عليها، وبين الواقعية التي تتعامل مع الأمور والمتغيرات في ضوء مصالح الشعب الفلسطيني.
حدَّد مشعل، برنامج الحركة للحكومة الذي يتركز حول ثلاث قضايا رئيسة هي "حماية المقاومة، والإصلاح والتغيير، وترتيب البيت الفلسطيني ومؤسساته السياسية، بما في ذلك منظمة التحرير، باعتبارها مؤسسة القرار".
وطرح مشعل فكرةَ تشكيلِ جيش فلسطيني موحَّد يضم كلَّ الفصائل (للدفاع عن الشعب الفلسطيني)، كما أكد أنَّ "حماس" ستتعامل بواقعيةٍ شديدة مع "أوسلو" وستحرص على الحوار مع الدول الأوروبية وأمريكا والالتزام بما يصب في مصلحةِ الشعبِ الفلسطيني من الاتفاقات والتفاهمات التي وقَّعتها السلطة.
هذا هو رأي القادة البارزين في حركة حماس وللوقوف على رأي الخبراء والمحللين كان هذا التحقيق الذي أجراه موقع (إخوان أون لاين):
في البداية يقول الخبير الإستراتيجي اللواء عادل سليمان الذي بدأ كلامه قائلاً: إن حركة حماس حصلت على الأغلبية في انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني التي جرت في الخامس والعشرين من يناير الماضي وليس حتمًا أن تقوم الحركة بتشكيل الحكومةِ بمفردها؛ لأن ذلك مرتبطٌ بتفاهمات مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس.
أضاف سليمان أن ثوابت حركة حماس معلنةٌ وغير خفيةٍ وخاضت الانتخابات التشريعية على هذا الأساس، واختارها الناخب الفلسطيني وهو على قناعة تامة بقِيم حماس وثوابتها.
وأكد أنَّ الحركةَ بلا شك عندها القدرة الكافية للتعامل مع الضغوط التي تُمارَس ضد تشكيلها أو حتى مشاركتها للحكومة، والدليل على ذلك دعوة حماس لشراكة سياسية مع حركة فتح، وهذا ليس ضعفًا بل هو ذكاء سياسي، لكن على حماس أن تتجنب الأخطاءَ التي وقعت فيها حركة فتح وأدَّت إلى عزوف المواطن الفلسطيني عنها، ونتائج الانتخابات خير دليل على هذا الأمر.
وأشار إلى أنه من غير المقبول مطالبة حركة حماس بالاعتراف بالكيان الصهيوني الآن، مؤكدًا أن حماس لها الحق في رفض هذا الطلب.
ويعتقد سليمان أنَّ حركةَ حماس ستشارك إن عاجلاً أو آجلاً في مفاوضات مع الكيان الصهيوني، وهذا ما يفهم من التصريحات الأخيرة التي أطلقها القياديون في الحركة بعرضهم إعلان هدنة طويلة الأمد بشروط مع هذا الكيان، مما يعني أن الحركةَ على استعداد لإجراء مفاوضات مع المسئولين الصهاينة، ويعتبر هذا اعترافًا من حركة حماس بهذا الكيان لكن هناك فرق كبير بين اعتراف بوجود هذا الكيان وبين شرعية وجوده، والأول هو ما نحن بصدده الآن.. بمعنى أن حماس تعلم جيدًا هذا الكيان المغتصب للأراضي الفلسطينية، وهناك فرقٌ كبير بين وجود الاحتلال وشرعية وجوده، فالأمر يجب أن يكون واضحًا للعيان.
وهناك تخوفٌ شديد جدًّا ينتاب الغربَ عمومًا- والكلام لسليمان- بعد فوز حماس في الانتخابات التشريعية الأخيرة، وهذا يفسر ما تواجهه الحركة من ضغوطٍ دوليةٍ هائلة تُمارَس عليها، مشددًا في الوقت نفسه أن على قادة الحركة أن يقوموا بعرض فكر ونهج برنامج حماس السياسي للعالم لإزالة الخوف والقلق لدى الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وحماس قادرة على ذلك.
الحذر مطلوب
ويدعو سليمان زعماءَ العالم أن يتركوا حركةَ حماس تعلن برنامجها بكل وضوح، وتشرح موقفها، وتعبِّر عن ذلك بتشكيل الحكومةِ الجديدةِ، وبعد ذلك يتم الحكم على أدائها، مطالبًا حماس بأن تأخذ حذَّرها من أصدقائها قبل أعدائها، مشيرًا إلى أنَّ هناك أصواتًا تنادي بأن تأخذ حماس مواقفَ حادةً ومتصلبة المقصود منها توريطها ليس إلا.
السياسة لا تعرف ثوابت
يؤكد الدكتور سمير غطاس- المحلل السياسي الفلسطيني- أنه في السياسة يجب مراجعة مفهوم ما يُسمَّى بالثوابت؛ لأن السياسةَ لا تعرف مثل هذه المفاهيم، مشيرًا إلى أنَّ كل الحركاتِ التحرريةِ في العالم ذات نهج سياسي أساسًا، أما انتماءاتها فتختلف فمنها من ينتمي إلى الفكرِ الإسلامي أو الماركسي، ولكنها في النهاية حركة سياسية.
وأضاف أن الشعب الفلسطيني يعي الصعوباتِ التي تواجه حركةَ حماس، ورغم ذلك اختارها، وهذا يُحسب للمواطن الفلسطيني الذي أعطى الرئيس الراحل ياسر عرفات صوتَه في الوقت الذي كان يواجه فيه صعوباتٍ كبيرةً وانتقادات كثيرة.
ويرى غطَّاس أن حماس ستتوائم سريعًا مع الواقع، والدليل على ذلك نظرتها لاستهداف الصهاينة والتفرقة بين المدنيين والعسكريين؛ حيث كانت في البداية تتجنَّب مهاجمةَ ما يُسمَّى بـ"المدنيين" داخل الكيان الصهيوني، وعندما هاجم جيش الاحتلال الفلسطينيين العزل غيَّرت نهجها واستهدفت هي أيضًا كل الصهاينة.
نجاح حماس
ويركز غطاس على أن نجاح حركة حماس في الحكومة الفلسطينية الجديدة سيعود بالخير على الشعب الفلسطيني بأكمله، وسيكون هذا النجاح لكل الفلسطينيين.
ويقول: نحن مع حركة حماس قلبًا وقالبًا في مواجهة الضغوط التي تواجهها وتُمارَس ضدها من قِبَل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وقبلهما الكيان الصهيوني الذي بدأ ضغوطَه بمعاقبة الفلسطينيين عن طريق تجميد الأموال المستحقة للسلطة الفلسطينية كردِّ فعلٍ على نجاح حركة حماس في الانتخابات التشريعية الفلسطينية التي جرت في الخامس والعشرين من يناير الماضي وفازت فيها بأغلبية مقاعد المجلس التشريعي الفلسطيني.
واستغرب غطاس من الضغوط الخارجية والداخلية التي تُمارَس على الحركة متسائلاً: لماذا لا تتركون حماس تعمل وتدخل المعترك السياسي، مطالبًا إيَّاها بالإجابة على ذلك بالعمل سريعًا على مواءمة نفسها ومحاكاة الواقع مع هذه الضغوط، مشددًا على أن ذلك لا يعيبها بأي حالٍ من الأحوال، موضحًا أن حماس قادرةٌ على تحقيق هذه المعادلة الصعبة.
عدم الاعتراف حق مكفول
ويشدِّد غطاس على أن من حق حماس ألا تعترفَ بالكيان الصهيوني، وهذا حقُّها لا ينازعها أحد فيه كما هو الحال في احتفاظها بسلاحها.
وتمنى غطاس أن تنجح حماس في مقاومةِ الضغوط التي تُمارَس ضدها، موضحًا أن المعركةَ ما زالت طويلةً مع الكيانِ الصهيوني، فالصراع له أوجه عديدةٌ تاريخيةٌ وحضاريةٌ.
ويتوقع أن حركةَ حماس لن تعترفَ بالكيانِ الصهيوني، مشيرًا إلى أن "إسرائيل" هي التي ستضطر إلى الاعتراف بحماس.
موضحًا أن العدو الصهيوني هو الذي يعاني من أزمات؛ فخطته في التوسع (إسرائيل الكبرى) تتآكل، وهو مضطرٌ للتراجع لحدود ما قبل عام 1948م.