شتان ما بين مَنْ خنع للانقلاب وبين مَنْ أبى وثار؛ مِمَّنْ التزموا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أفضل الجهاد: كلمة عدل عند سلطان جائر".
فهؤلاء هم الذين ستبقى راية الكفاح خفاقة بجهودهم، مهما تفاحشت العوائق والصعاب أمامهم؛ لتتحقق سعادة المجتمع لا نزوات وأحلام المستبد.
(ولأجل ذلك حَمَلَ الدكتور "أسعد السحمراني"- في مقدمته لكتاب "طبائع الاستبداد للكواكبي"- حملةً شعواء على مَنْ ارتضى لنفسه الذل وقَبِلَ الظلم دون أن يثور عليه؛ وبشره بأن عقابه لا يقل عمن مارس الطغيان؛ إذ الطاغية كالقابل للطغيان، والظالم كمن ارتضى الظلم؛ فالنار هي للاثنين معًا، وهذا الحكم نراه في قول الله تعالي: (فأما مَنْ طغى وآثر الحياة الدنيا؛ فإن الجحيم هي المأوى) (النازعات)، وكذلك قوله: (ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار) (هود: 113).
هذا في الآخرة، أما في الدنيا، فكما يقول المثل الشعبي: "الظلم إنْ دام دمَّر، والعدل إنْ دام عمَّر".
لأن إتباع قانون الحكم بالعدل المأمور به شرعًا، والتزام المؤمن لخط الحركة الجهادية ضد كل منكر؛ هما سفينة النجاة للإنسان ولمجتمعه، ومعاكسة ذلك مدعاة لسيادة الظلم، الذي يكون الإنسان مصدره في مثل هذه الحالة، وهذا ما نلمسه في مدلول حكم الآية الكريمة التي جاء فيها: (إن الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون) (يونس: 44) "بتصرف".
وحينئذ لا يجوز أن نلوم القدر لأذى أصابنا؛ لأننا نحن سببه الأول والأخير؛ (لأن الاستبداد- والكلام لعبد الرحمن الكواكبي رحمه الله- هو بيت الداء، ولن يكون شفاء من هذا الداء إلا باستبداله بالشورى والعدالة؛ التي يغدو الإنسان في ظلها مطمئنًا على ذاته وعلى ذويه، متمتعًا بحقوقه من غير نقصان، آمنًا على عائلته ووطنه... أما الاستبداد فإنه يجعل الإنسان فاقدًا حب وطنه؛ لأنه غير آمن على الاستقرار، ويود لو انتقل منه، وضعيف الحب لعائلته؛ لأنه ليس مطمئنًا على دوام علاقته معها. وأسير الاستبداد لا يملك شيئًا ليحرص على حفظه؛ لأنه لا يملك مالاً غير معرض للسلب، ولا شرفًا غير معرض للإهانة).
أضف إلى ذلك ما قاله الدكتور "أسعد السحمراني": (إن الاستبداد داء؛ تُبتلي به بعض الشعوب في بعض مراحل التاريخ، وهو أسوأ أنواع السياسة وأكثرها فتكًا بالإنسان وبغير الإنسان، في المجتمع المحكوم بالظلم والطغيان؛ مما يؤدي إلى التراجع في كافة مرافق الحياة ووجوهها، وتعطيل الطاقات وهدرها، وسيادة النفاق والرياء بين مختلف فئات الشعب، حكامًا ومحكومين).
وسيظل الشعب- لا قدر الله- يتقلب في رماد الاستبداد وظلمه ودمويته؛ إذ بيده هو جره على نفسه؛ بتفريطه وتوانيه، وسيظل في ورطته تلك حتى ينتفض عن بكرة أبيه؛ لأجل الإفلات من قبضة الظلم وعواقبه الوخيمة؛ إذ الاستبداد- والكلام لعبد الرحمن الكواكبي رحمه الله- (عدو الحق ونقيض الحرية، ولا يمكن مقاومته إلا بالإعداد والتحضير لمواجهة الظالم المستبد وكفِّ يده عن تماديه وغيه؛ لأن المستبد يتمنى لو أن الجميع استسلموا لنهجه وغيبوا دورهم الفاعل في مقارعته لانتزاع حقوقهم؛ لأنه في هذه الحالة، يتمادى في امتصاص دمائهم ونهب أرزاقهم وتخلو الساحة لتفننه في ذلك؛ وهنا يصح القول: "العافية المفقودة هي الحرية السياسية... ومهرها كثرة الطلاب).