لم يتمكن الديكتاتور الأعظم حسنى مبارك أن يطوع كل القضاء المصري لتحطيم معارضيه كما تمكن الآن المدعو السيسي بدهائه من أن يطوع شيوخ القضاء المصري وتحويلهم، إما لعصا غليظة تدق أعناق معارضيه وإما إلى سلبيين أصابهم الخرس والتبلد يرون كل يوم الظلم يستشرى على منصات اللئام ولا يحركون ساكنًا. 



أعود بكم إلى الماضي قليلاً أعود إلى أحداث محاكمة موافي- الاسم الحركي- للمقدم صفوت الشريف وذلك في عام 1968 بعد نكسة 67 فقد مثل المقدم صفوت الشريف ضابط المخابرات الذكي وذلك في القضية الخاصة بانحراف جهاز المخابرات العامة- حيث ذكر رئيس النيابة آنذاك أنه قال "وقد تسلمنا من السيد رئيس المكتب صورة تقرير مقدم من المذكور وهي صورة محررة على الآلة الكاتبة وتقع في اثنين وعشرين ورقة- وباطلاعنا عليها وجدنا أنه يتحدث فيها عن عمليات السيطرة "الكنترول" التي قام بها قسم المندوبين بالمجموعة 98 منذ عام 1963 عن طريق تجنيد عناصر من السيدات لاستغلالهن في هذه العمليات وأوضح كيف نشأت هذه الفكرة وأسماء سائر ضباط المخابرات الذين أسهموا في تنفيذها والدور الذي تولاه في هذا الشأن وأسماء السيدات اللاتي وقع عليهن الاختيار والأماكن التي تم فيها تنفيذ العمليات بعد تجهيزها فنيًّا- كما شرح العمليات التي تمت تفصيلاً والأشخاص الذين كانوا هدفًا لهذه العمليات لإمكان السيطرة عليهم واستغلالهم في عمليات المخابرات- وأنهى التقرير بتعليق ذكر فيه أن عملية استخدام وسائل السيطرة واستخدام العنصر النسائي تعتبر إحدى وسائل علم المخابرات وأنه تم التفكير فيها كنوع من التطوير والتجديد لقسم المندوبين ولجهاز المخابرات إلا أنه لم تستغل نتائج المجهود المبذول في هذه العمليات وحفظت جميعها في الأرشيف".


هذه مقدمة أردت أن استهل بها مقالتي بعد أن قتلني التفكير في الوسيلة التي استطاع بها هذا الخسيس السيطرة على القضاء المصري؛ حيث إنه لم يحتاج إلى القضاء العسكري لتحطيم معارضيه كما كان يفعل الطاغوت السابق حسنى مبارك رغم أسلوب الرشوة غير المتناهي الذي كان يتعامل به مع القضاة وعلى سبيل الأمثلة لا الحصر نظام التوريث في القضاء بلا أي شروط والانتداب بمرتبات خيالية تصل إلى ما يزيد على مليون جنيه شهريًّا في بعض الأحيان وبيعهم أراضى الدولة بأبخس الأثمان والسيارات بالتقسيط دون فوائد وغيرها من الميزات التي لا تُعد ولا تُحصى ثم بعد كل ذلك يفشل في تطويع القضاء المدني في تنفيذ رغباته في تحطيم معارضيه، وعلى رأسهم الإخوان المسلمون فيضطر إلى اللجوء إلى القضاء العسكري لتنفيذ انتقامه من معارضيه ولكن بعد تسريب فيديوهات المحلة وبالعودة إلى أسلوب "موافي" القديم أو المقدم صفوت الشريف ضابط المخابرات السابق اتضح الأمر وتبين لي كيف استطاع السيسي تطويع رجال القضاء لتنفيذ كل أوامره دون التفكير في عواقب هذه الأحكام أو قرارات النيابة. 


يبدو أن السيسي استفاد من دروس "موافي" بعد أن أطلق قضاء مبارك سراح "موافي" أو صفوت الشريف رغم ضلوعه في قضية الجمل وقتل المتظاهرين لا أريد أن أخوض في أعراض هؤلاء ولكن بالله عليكم أوضحوا لي سببًا واحدًا يجعل قاضيًا أقسم بالله أن يحكم بين الناس بالعدل ويستفتح حكمه بسم الله ثم يحكم على بنات في عمر الزهور بالحبس لمدة 11 عامًا لتظاهرهن الساعة 7 الصبح بمدينة الإسكندرية أو الذي حكم على طلاب جامعة الأزهر الذين لم تتجاوز أعمارهم 22 سنة بالحبس 17 عامًا لأنهم تظاهروا أمام مشيخة الأزهر أما عن الحبس الاحتياطي بالشهور فحدث ولا حرج والطفل حسام إبراهيم الحملي (بالصف الثاني الإعدادي ) اعتقل من منزله وتم تعذيبه بوحشية في المحلة الكبرى ومازال تحت الحبس الاحتياطي والطفلة علا طارق وغيرهم كثر ثم كانت الطامة الكبرى بقاضٍ أمني الذي حكم على 529 إنسانًا بالإعدام في 48 ساعة والتهمة قتل ضابط شرطة واحد ؛ وغيرها من الأحكام العجيبة التي لم نسمع عنها في بلادنا من قبل إذن هناك سرٌ كبير وراء تطويع القضاء بهذه الصورة التي تعدت اللا معقول، نعم هناك عداء نشأ بين الرئيس مرسي وبعض القضاة الفاسدين الذين اعترضوا على منظومة إصلاح الهيئة القضائية بتقليل سن المعاش ووقف نظام التوريث، وجعل التعيين بالنيابة بالكفاءة وليس بالوراثة وتعويض كل من كانوا ذي كفاءة وأفقدهم حقوقهم نظام التوريث ووقف سرقة أراضي الدولة ورد الحقوق لأصحابها.


عودة إلى نظام موافي في تطويع العاصي تُرى ما أسرار هذا الصندوق الأسود الذي مكّن السيسي وسلاح المخابرات العسكري من التمكن من رقاب القضاة وضباط الشرطة فجعلهم ينفذون كل أوامره دون تردد، إن سر هؤلاء في بطن الشاعر وعلى ما يبدو أن حادثة مدينة المحلة - مدرب الكاراتيه الشهير - قد سربت بعض ما في هذا الصندوق ولكن ما خفي كان أعظم ولكن أن تطال هذه الآفة قضاة مصر فدونها سقوط القضاء المصري ويتلوها سقوط الدولة أما آن للشامخ أن يفيق ويعود إلى الله ويتوب توبة نصوح قبل أن يفوت الأوان واعلموا أن امرأة دخلت النار في حبس هرة فما بالكم أنتم وأنتم تحبسون ليل نهار آلاف المظاليم وتذكروا حديث رسول الله "صلى الله عليه وسلم" (اتقوا دعوه المظلوم وان كان كافرًا فإنه ليس دونها حجاب) وعن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - قال " القضاة ثلاثة : قاضيان في النار وقاض في الجنة قاض عرف الحق فقضى به فهو في الجنة وقاض عرف الحق فجار متعمدًا فهو في النار وقاض قضى بغير علم فهو في النار".


واختم بالحديث القدسي: عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما يرويه عن ربه عز وجل أنه قال : ( يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم، يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم، يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعًا فاستغفروني أغفر لكم، يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد ما نقص ذلك من ملكي شيئا، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر، يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيرًا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه" ) أخرجه مسلم في صحيح).