اختلاف الآراء بين مؤيد ومعارض للفكرة وسط صمت حكومي وتجاهل بيروقراطي!
يمثل البناء على الأراضي الزراعية مشكلةً كبيرةً في مصر وبعض الدول العربية الزراعية، إذ يتسبب في فقْد مساحات كبيرة من أجود الأراضي الزراعية كل عام، وهو ما يؤثر بالتالي على الإنتاج الزراعي الذي لا يكفي لسد حاجة الأفواه الجائعة.
وإزاء الارتفاع الكبير في معدلات تآكل الأراضي الزراعية التي نتجت عن زحف المباني السكنيَّة، وتفاديًا للخسائر الناجمة عن إزالة المباني التي أُقيمت فوق تلك الأراضي، ابتكر مهندس مصري مبنىً خاصًّا يُقام فوق الأرض الزراعية، ويحاول ضرب عصفورين بحجر: عدم الاعتداء على هذه الأرض، وفي الوقت نفسه يسمح بإقامة بيوت للفلاحين فوقها.
المهندس "ضياء القاضي" الذي ابتكر المبنى، وحصل على براءة اختراع له برقم 20847 من أكاديمية البحث العلمي بمصر، يوضح في الحوار التالي مع موقع (إخوان أون لاين. نت) أن فكرة المبنى تقوم على تثبيته على أعمدة ذات مواصفات خاصَّة، ارتفاعها 4 أمتار عن سطح الأرض؛ حتى لا تكونَ عُرضة للسيول والفيضانات على أن تكون الأبعاد بيْن الأعمدة قليلة، مع توفير الإضاءة اللازمة للنباتات للتغلب على مشكلة ظل المباني الذي يحجب عن النباتات ضوء الشمس المباشر.
ويشير إلى أن هدفه من ابتكار المبنى تحقيق عائد اقتصادي إضافي من الأراضي الزراعية، مع منع الاعتداء عليها، والأمر هكذا فقد ناقشناه في ابتكاره ثم عرضنا كلامه على بعض المختصّين، فمنهم من رحَّب به، ومنهم من رفضه بشدة، وسط صمت حكومي وتجاهُل إعلامي، وغفلة بيروقراطية مُذهلة.
وللتدليل على أهمية الابتكار يكفي أن نعلم أن مصر تملك نحو 7.8 مليون فدان، منها 5.6 في الوادي والدلتا، وأنه في الفترة من 1952م حتى 1984م فقدت نحو570 ألف فدان من أراضيها الزراعية، وفقدت مليونًا آخر من عام 1982م حتى عام2000م، أي أن المجموع يزيد على 1.5 مليون فدان فقدتها مصر من أراضيها الزراعية خلال50 عامًا!
(تكنولوجيا) بسيطة وتكلفة أقل:
في البداية يقول المهندس القاضي: إن اختراعه يؤدي إلى حل مشكلة الإسكان في القرى والمدن، وبالتالي تخفيف حدة الأزمة في العواصم عن طريق مبنى مثالي صحيح اجتماعيًّا واقتصاديًّا، ويستند إلى استغلال الأرض الزراعية مرتين في وقت واحد، حيث يتم الحصول على عائد زراعي وإسكاني في الوقت نفسه، محققًا أهم حاجات الإنسان (الغذاء والمسكن)، بتكنولوجيا بسيطة وتكلفة أقل لمسكن مثالي.
أهداف الابتكار:
ولكنْ أَلاَ يخضعُ المبنَى الجديدُ لمشكلةِ حظر البناء على الأرض الزراعية؟
يجيب المهندس القاضي قائلاً: بالطبع لا.... لا يسري الحظر على المبنى الجديد، الذي قمت بابتكاره؛ لأن المباني المقصودَة بالحظر هي "كل عقار ترتب على إقامته اقتطاع مساحة من الأرض الزراعية، وبالتالي تقسيم الأرض"؛ لذلك لا يسري الحظر إلا على المباني العادية والموجودة حاليًا، مؤكدًا أن الإدارة المركزية لحماية الأراضي درست الابتكار الجديد، وأبدت إعجابها به، وعرضت تقريرًا بذلك على وزير الزراعة يوصي بحقي في استخراج التراخيص وإقامة المبنى؛ لأنه يوفر على الدولة تكاليف الإزالة للمباني التي تقام على الأراضي الزراعية، كما وافقت عليه وزارة الحكم المحلي، ولكن المشكلة في بطء الإجراءات.
وحول ما دعاه لابتكار فكرة المبنى يقول: أعيش في إحدى قرى محافظة دمياط أشعر بمشكلة التعدي على الأرض الزراعية؛ لذلك فكّرت في الحدّ من هذه الظاهرة عن طريق المبنى الجديد الذي يحقق الأهداف التالية:
- ضمان الحفاظ على الأراضي الزراعية والمزارع السمكية.
- تنفيذ القوانين المانعة للبناء على الأراضي الزراعية.
- تحقيق عائد اقتصادي إضافي من الأراضي الزراعية عن طريق الدخل الذي تدره المباني المُقامة فوق هذه الأراضي.
- منع الاعتداء على الأراضي الزراعية عند إنشاء قرى جديدة أو توسيع القرى القديمة.
- استمرار تواجد المزارعين والأجيال المتعاقبة في المناطق الزراعية؛ مما يؤدي إلى منع الهجرة إلى المدن وتخفيف حدة الأزمة في العاصمة.
أما عن الفكرة الأساسية للمبنى فيقول:
يثبت المبنى على أعمدة ذات مواصفات خاصة، ارتفاعها 4 أمتار عن سطح الأرض؛ حتى لا تكون عرضة للسيول والفيضانات على أن تكون الأبعاد بين الأعمدة قليلة، وكذلك تثبت الطرق الموصلة بين المباني على أعمدة مماثلة، وتثبت عواكس ضوئية على السطح الخارجي لحوائط المبنى، وذلك لتوفير الإضاءة اللازمة للنباتات؛ للتغلب على مشكلة ظل المباني الذي يحجب عن النباتات ضوء الشمس المباشر، ويتم توزيع هذه الأعمدة بين النباتات؛ حتى لا تؤثر على صلاحيتها، ولا يزيد ارتفاع المبنى عن دورين.
ويشير القاضي إلى أن تكاليف المبنى الجديد تقل بنسبة80% عن المباني التي تُقام بالطريقة العادية، فضلاً عن أن الأراضي الزراعية تظل ملكًا لصاحبها لا يتم تقسيمها.
الـروتيـن القاتــل:
سألت المهندس القاضي: هل تم تنفيذ المشروع عمليًّا والاستفادة منه؟
أجاب بأنه حصل على براءة الاختراع في 30 أبريل عام2000م، إلا أنه لم يتم تنفيذه حتى الآن؛ بسبب الروتين القاتل وعدم فهم فكرة ومزايا المبنى من عدد من الجهات المسئولة، بالرغم من أنه سيحقق منفعةً كبيرة للوطن في الحدّ من تناقُص الرقعة الزراعية التي فشل القانون في منع البناء عليها، بالرغم من أنها ثروة كبيرة يمثل التعدي عليها جريمة في حق الأجيال القادمة.
ويطالب القاضي بإنشاء هيئة تقوم بدراسة كيفية تنفيذ المشروعات التي تحصل على براءات اختراع من الأكاديمية؛ لأنها تمثل قيمةً كبيرة ويحقق تنفيذها أرباحًا اقتصادية واجتماعية وعلمية كبيرة، مشيرًا إلى أن هناك مئات الاختراعات ملقاة في الأدراج؛ بسبب عدم وجود مثل هذه الهيئة، وعدم تمكن المخترع من ترويج اختراعه أو تنفيذه بنفسه لضعف إمكاناته.
وحول رد الفعل على ابتكاره يقول:
فوجئتُ بأن تشجيع الابتكار غير موجود في قاموسنا، كما أن فلسفة الاختراع لم تصل للناس بعد، بحيث لا يدركون أهمية مثل هذا الابتكار، ولكن المأساة أن المسئولين عن الابتكارات أصلاً يبادرون بتسفيه أي اختراع، ويرفضون تسجيله في البداية، كما أن أصحاب رؤوس الأموال غير مدركين لأهمية الابتكارات؛ لأنهم يرغبون فقط في تحقيق أرباح سريعة.
مؤيد ومعارض:
حاولت استطلاع آراء عددٍ من خبراء الزراعة في مدى صلاحية المبنى، الذي ابتكره المهندس ضياء "القاضي"، فجاءت الآراء بين مؤيد ومعارض كالتالي:
الدكتور "فتحي جاد إبراهيم" أستاذ الهندسة الزراعية بجامعة القاهرة رحَّب بالابتكار، مؤكدًا أن فكرته جيدة إذا أقيم بصورة مفردة بمعنى أن يتم إنشاء وحدات متفرقة وتكون كبيت للفلاح داخل أرضه أو للمهندس الزراعي أو كمشروع مزرعة دواجن؛ لأن ذلك يكون استغلالاً للمساحة وليس اعتداءً على الأرض الزراعية في نفس الوقت.
في حين يرفض أن يكون هناك تجمع سكني عن طريق هذه المباني مؤكدًا أن مشكلة الأعمدة الخرسانية التي ستتم زراعتها في الأرض يمكن التغلب عليها عن طريق حساب العزل والحمولة، وذلك قابل للتنفيذ من الناحية المعمارية، لكنه يؤكد أن هذا المبنى يمكن أن يكون وسيلة فعالة للحدّ من الاعتداء على المباني الزراعية الذي يتم بصورة مستمرة.
وعلى الجانب الآخر يرفض الدكتور "علي خليفة"- رئيس قسم الاقتصاد الزراعي بجامعة القاهرة- فكرة الابتكار تمامًا، مشيرًا إلى أنها تمثِّل خطورةً كبيرةً على الرقعة الزراعية، وأنها باب خلفي للاعتداء على الأرض الزراعية، وأن أي تعدٍّ على هذه الرقعة يمثل جريمة لا تُغتفر، فهي أرض زراعية غير قابلة لإقامة مبان سكنية أو أي مشروعات عليها، مشيرًا إلى أن المساحة المنزرعة لا تشكل أكثر من 4% فقط من مساحة مصر، في حين أن الباقي أرض صحراوية خالية يجب أن يمتد اليها العمران بدلاً من التفكير في الاعتداء على الأرض الزراعية المحدودة؛ لأن أي جزء يُقتطع من الوادي والدلتا لا يمكن تعويضه؛ لأن هذه الأراضي تكونت من خلال عشرات الألوف من السنين، مؤكدًا خطأ فكرة الزراعة تحت المنازل لاحتمال تعطل العواكس وصعوبة مرور الآلات الزراعية؛ مما سيحوّل الأرض الزراعية التي تقع تحت المنزل إلى جراج ومستودعات ويكون ذلك إيذانًا بتبويرها.
ويشارك الدكتور "خالد خليل"- المدرس بكلية الزراعة جامعة القاهرة- الدكتور "خليفة" رأيه مشيرًا إلى أن الأعمدة الخرسانية التي سيُقام عليها المبنى المقترح كفيلة بإفساد الأرض، فضلاً عن أن نسبة العكس ستكون أقل من الضوء العادي وكذلك التهوية؛ مما يؤدي إلى تقليل كفاءة الزراعة تحت المباني، ويوضح أن النباتات تحتاج إلى تلقيح هوائي سيمتنع تمامًا في حالة بناء مثل هذه المباني؛ مما سيؤدي إلى أن صاحب الأرض سيجد أن أرضه غير مستغَلة زراعيًّا فيقوم ببنائها، ومن ثمَّ يكون المبنى قد أدى إلى عكس ما هو مُراد منه.