- د. البنا: لا بد من استصدار قانون السلطة القضائية
- د. أبو بركة: الأنظمة الديكتاتورية لا تملك شجاعة المواجهة
- ضياء رشوان: قرارات المنع انتهاك لحقوق المواطنة
أجرى التحقيق: عصام أبو يوسف
في الوقت الذي تسمح فيه السلطات المصرية للمرتشين وسارقي أموال الشعب وناهبي البنوك بالسفر عن طريق صالة كبار الزوار بمطار القاهرة وتسهِّل لهم كلَّ الإجراءات نجدها على النقيض تمنع الرموز الفكرية والسياسية من السفر، وخاصةً إذا كانوا ممن يحملون أفكارًا معارضةً للنظام الحاكم، فمؤخرًا قامت السلطات المصرية بمنع الدكتور جمال حشمت والمهندس علي عبد الفتاح القياديَّين بجماعة الإخوان المسلمين من السفر إلى السودان وبيروت، رغم أن الدكتور حشمت كان ذاهبًا للمشاركة في فعاليات مؤتمر المجلس الإسلامي العالمي للدعوة والإغاثة ممثلاً عن اتحاد الأطباء العرب، بوصفه رئيس اللجنة العربية لدعم السودان، وقبله بشهرين تم منع الصحفي محسن راضي قبل أن يصبح عضوًا بمجلس الشعب من السفر للكويت للمشاركة في مؤتمر نظمته وزارة الأوقاف الكويتية، وقد أدانت نقابة الصحفيين في بيان لها ما حدث إلى أن تدخل إبراهيم نافع- نقيب الصحفيين الأسبق- لدى السلطات المصرية التي سمحت له بالسفر بعد ذلك.
ولم يقتصر أمر المنع على ذلك؛ حيث تم منع الدكتور عصام العريان- الأمين العام المساعد بنقابة الأطباء والقيادي البارز بجماعة الإخوان المسلمين- من السفر إلى بيروت للمشاركة في مؤتمر عن علاقة العالم الإسلامي بأوروبا، كما منعت أجهزة الأمن الدكتور عبد الحميد الغزالي- أستاذ الاقتصاد بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة- من السفر إلى الأردن لتنفيذ قرار الجامعة بإعارته أستاذًا زائرًا إلى جامعة اليرموك، رغم حصوله على كافة الموافقات الرسمية والأمنية، وتم أيضًا منع الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح ومعه عصام العريان في ديسمبر 2003م من السفر للكويت للمشاركة في مؤتمر عن دور الجامعات الإسلامية في الإصلاح السياسي في الشرق الأوسط.
وكذلك منَعَت أجهزة الأمن الدكتور حسين شحاتة- رئيس قسم المحاسبة بجامعة الأزهر- من السفر، كما تم منع سيف الإسلام البنا- الأمين العام لنقابة المحامين- من السفر إلى باكستان للمشاركة في مؤتمر يناقش الأوضاع الراهنة في العالم الإسلامي.
من جهة أخرى تعددت تظلمات المواطنين من قرارات المنع من السفر، خاصةً في ظل تعدد الجهات التي تملك حقَّ المنع بموجب مذكرة تُقدمها للنائب العام، ويدخل قائمة الممنوعين من السفر مواطنون من مختلف الفئات العمرية والثقافية والسياسية؛ حيث إن الدستور ينص في المادة 52 على أنه من حق جميع المواطنين الهجرة والتنقل للخارج، كما أن الدستور المصري في المادة 41 يحدد ثلاثة شروط للمنع من السفر (وهي أن يصدر به أمرٌ قضائيٌّ، وأن تستدعيه ضرورة التحقيق وأمن المجتمع، وأن يصدر الأمر وفقًا للقانون).
ووفقًا لقرار وزير الداخلية رقم 2214 لسنة 1994م تم تحديد الجهات التي لها حق إدراج الأشخاص على قوائم الممنوعين من السفر منها (المحاكم، والمدعي العام الاشتراكي، والنائب العام، ومساعد وزير العدل للكسب غير المشروع، ورئيس المخابرات العامة، ورئيس هيئة الرقابة الإدارية، ومدير المخابرات الحربية، والمدعي العسكري، ومساعد أول وزير الداخلية لقطاع مباحث أمن الدولة، ومدير مصلحة الأمن العام بعد موافقة وزير الداخلية، ومدير إدارة الشئون الشخصية والخدمة الاجتماعية للقوات المسلحة).
وبالرغم من مزاعم الجهات الأمنية بالمراجعة الدورية لقوائم الممنوعين من السفر وتصفيتها إلا أنها ظلت تحوي أسماء سياسيين ومفكرين لا تهمةَ لهم سوى حيازتهم للفكر أو انتمائهم لتيار معين، وهو يكفي- من وجهة النظر الأمنية التي تحكم إدارة شئون البلاد- لوضعهم على القوائم السوداء، في الوقت الذي تسمح فيه السلطات للمطبِّعين مع الكيان الصهيوني بالسفر إلى الكيان الصهيوني والسماح لكبار ناهبي البنوك من رجال الأعمال الذين استولَوا على مليارات الشعب المودَعة بالبنوك بالسفر عبر صالة كبار الزوَّار ودون أدنى سؤال من أحد!!
الدستور والقانون والاستثناءات
حول هذا السلوك المعيب من جانب أجهزة السلطة يؤكد الدكتور عاطف البنا- أستاذ القانون الدستوري بجامعة القاهرة- أنه بالرغم من أن الدستور يكفل حرية التنقل والسفر لأي شخص وكذلك الاتفاقات الدولية التي وقَّعت عليها مصر تنص على ذلك، إلا أن القانون استثنى الأشخاص المتورطين في قضايا الفساد والاختلاس وجرائم إصدار الشيكات بدون رصيد، وذلك يكون عن طريق أمر قضائي من النائب العام.
ولفت إلى أن إدراج السلطات المصرية للمفكرين والعلماء على تلك القوائم يؤكد أن الحكومة وأجهزتها عاجزةٌ عن التفكير والتمييز؛ حيث تخشى من سفر بعض الشخصيات العامة للخارج، وخاصةً الذين يحملون أفكارًا سياسيةً معارضةً للنظام، فتقوم بمنعهم كإجراء وقائي، وأن النائب العام هو الشخص الوحيد الذي يملك حق إصدار قرارات المنع من السفر دون غيره، والذي يعترض من حقه الاعتراض أمام مجلس الدولة، وهو السلطة المهيمنة على كل القرارات الإدارية.
ويطالب د. البنا بتفعيل استصدار قانون السلطة القضائية الذي يُعدُّ المخرج لكثير من التضييق على الحريات، والذي من شأنه أن يمنع توغل السلطة التنفيذية في اختصاصات السلطة القضائية.
تهديد المجتمع
الدكتور أحمد أبو بركة- عضو الكتلة البرلمانية لجماعة الإخوان المسلمين- أكد أن حق التنقل مكفول في الدستور بما يتماشى مع حرية الفرد وديمقراطية الدولة، لكنَّ ما يفعله النظام من قيامه بمنع المواطنين من حرية التنقل إنما يهدد المجتمع كلَّه بالخطر ويجعل المواطنين غيرَ آمنين على أنفسهم في أي وقت من إعاقة هذه الحرية في أي وقت.
وأشار إلى أن ذلك هو سمت الأنظمة الديكتاتورية التي تفتقر إلى الحجة والبرهان لمواجهة الآخرين، وخاصةً إذا كانوا معارضين سياسيين ويبدأون بالتعامل مع الأمر بمنطق السلطة والقهر.
وأضاف أن القانون أجاز وضع قيود على حرية التنقل تحت إشراف قضائي، أما ما يحدث من تعسف في المنع من السفر فإنه يهدد أمن المواطنين ويُعد عدوانًا صارخًا على حقوق الأفراد، الأمر الذي يؤثر على مبدأ المواطنة ويوجِد حالةً من عدم الولاء للوطن، وأرجع أبو بركة ذلك إلى نظرة النظام الضيقة التي لا ترى إلا مصالحها الشخصية دون النظر إلى مصالح الشعب وأمن المواطنين.
وحول دور النواب في مجلس الشعب لمواجهة هذه السطوة الأمنية أكد أن القضية قومية وتحتاج إلى تضافر كل الجهود وتوحدها للخلاص من هذا الظلم الذي يقع على المواطنين، وطالب بضرورة تفعيل كل الأدوات الرقابية داخل المجلس، مشيرًا إلى أهمية استجواب جميع النواب- وطني ومعارضة- وزير الداخلية ومساءلته أمام الرأي العام لمصلحة مَن يتم هذا المنع؟!
انتهاك حقوق المواطنة
أما ضياء رشوان- رئيس وحدة البحوث السياسية بمركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام- فأوضح أن المنع من السفر موجود في القانون، ولكن في حالة وجود قضية، أو يكون الشخص المراد منعه على ذمة التحقيق.
وأضاف أن من حق المواطنين أن يتنقَّلوا بمنتهى الحرية طالما لم يصدر ضدَّهم حكمٌ قضائيٌّ، أما ما يصدر من السلطة التنفيذية من تعدٍّ على السلطتَين القضائية والتشريعية واعتراضها لخصومها السياسيين فإن هذا يُعدُّ تجاوزًا وانتهاكًا لحقوق المواطنة، وطالب بضرورة تفعيل سلطات النائب العام، وذلك عن طريق استصدار قانون السلطة القضائية الذي يُعدُّ السبيلَ الوحيدَ لحصول القضاة على استقلالهم دون ضغطِ أو توغلِ السلطة التنفيذية.
من جانبه يرى محمد زارع- رئيس جمعية مساعدة السجناء لحقوق الإنسان- أن المنع من السفر عقوبة، ولكنه لا يجوز توقيعها على أحد إلا بحكم قضائي أو بأمر يصدر من جهات التحقيق، وأضاف أن ضعف السلطة القضائية والتشريعية أعطى الفرصةَ لتوغل السلطة التنفيذية للانفراد بقرار المنع، مشيرًا إلى خطورة استخدام مثل هذا الإجراء ضد المواطنين وخصوصًا الخصومُ السياسيون، الأمر الذي يُعدُّ انتهاكًا لحرية وحقوق الإنسان.
ويؤكد زيفَ دعاوى النظام الحاكم عن الإصلاح السياسي، وطالب زارع بضرورة إلغاء قانون الطوارئ، وتفعيل استصدار قانون السلطة القضائية لضمان استقلالها عن توغل السلطة التنفيذية في اختصاصاتها، كما لفت إلى ضرورة تفعيل دور منظمات المجتمع المدني وحقوق الإنسان في مثل هذه القضايا التي تمس أمن وأمان المواطنين.