- قانون سري وإلغاء الدعم وحملة ضد حراس العدالة
- 3000 قاض يدعون للإضراب إذا لم تنفذ مطالبهم
- النظام يسعى لفرض وصايته والقضاة يردون بالاعتصام
تحقيق: عصام أبو يوسف
بدأت الحكومة المصرية حملة تصعيد ضد القضاة، وباتت هناك نيةٌ مبيَّتةٌ لدى الدولة لِمَا يُشبه "حملة تأديب" ضد قضاة مصر الشرفاء الذين ضربوا المثل والقدوة في حماية القانون والمواطن على حد سواء، ولعل إشرافهم على الانتخابات التشريعية التي جرت مؤخرًا زاد من حدة غضب الدولة عليهم، وكأن لسان حالها يقول "مال القضاة والسياسة؟!" وهو السؤال الذي ردَّ عليه القضاة بشكل عملي عندما أكدوا في جمعيتهم العمومية الأخيرة أن موقفهم من الحكومة والنظام ليس مرتبطًا بالسياسة وإنما هو مرتبطٌ بمصالح الوطن والمواطن وأنهم يرفضون أن يكونوا لعبةً في يد النظام أو جلبابًا يستر به عيوبه.
وخلال الأيام الماضية بدأت الرسائل الموجَّهة مِنْ قِبَل الدولة ضد القضاة والتي بدأت بالتهديد بقطع الدعم المقرر لنوادي القضاة، ثم رفض المجلس الأعلى للقضاء الاستماع لرأي نادي القضاة في قانون السلطة القضائية وتنويم الموضوع حتى فاجأت الحكومةُ القضاةَ بأنها بصدد إصدار قانون السلطة القضائية الجديد دون أن تعرضه على النادي، وبدأت ملامح القانون المقترح الذي أعده المجلس الأعلى للقضاء في الخفاء في التجلي، وباتت رقابة الدولة على إحدى سلطات مصر الثلاث في الزيادة، وهو ما قابله القضاة بإعلانهم ولأول مرة بتنظيم وقفة احتجاجية للقضاة بدار القضاء العالي في نفس يوم إحالة مشروع القانون إلى البرلمان، على أن يبدأوا في اليوم التالي اعتصامًا مفتوحًا بمقر ناديهم.
كما أعلنوا أنهم سينظمون وقفةً اجتجاجيةً يوم الجمعة 17/2/2006 أمام نادي قضاة الإسكندرية، كما هددوا بالإضراب العام في المحاكم ردًّا على موقف الدولة منهم وتدخلها السافر في شئونهم، وبالفعل وقَّع قرابة 3 آلاف قاضٍ على طلب لإدارة ناديهم للدعوة إلى إضراب عام عن العمل؛ اعتبارًا من الأسبوع القادم، وقرر مجلس إدارة نادي قضاة مصر في اجتماعه الطارئ الذي عقده أول فبراير الجاري مقاطعة الانتخابات والامتناع عن الإشراف على أي انتخابات قادمة، والمطالبة بإلغاء كل النصوص الدستورية والقانونية التي تسند عملية الإشراف على الانتخابات للقضاة، كما قرر المجلس الاستمرار في حالة انعقاد دائم حتى إصدار مشروع قانون استقلال السلطة القضائية الذي أعده النادي ووافقت عليه جموع القضاة، على أن يستمر المجلس في حالة انعقاد حتى موعد الجمعية العمومية الطارئة في 17 مارس القادم.
وتؤكد المصادر أنه إذا أقرَّ البرلمان مشروعَ القانون الذي تتبناه الحكومة فإن القضاة سوف يعلنون إضرابًا مفتوحًا عن العمل لن يتوقف إلا بالاستجابة لمطالبهم وإصدار مشروع قانون استقلال السلطة القضائية كما وضعه القضاة.
يأتي هذا في الوقت الذي يوجد فيه على الساحة ثلاثة مشروعات متعارضة لقانون السلطة القضائية وهي مشروع قانون تقدمت بها وزارة العدل ورفضه القضاة؛ لأنه يكرِّس هيمنة السلطة عليهم ومشروع آخر قدمه مجلس القضاء الأعلى ويعطي قدرًا من الاستقلالية ولكنه يحافظ على تبعية المجلس للدولة ووزارة العدل، وقد رفضته الجمعية العمومية لنادي القضاة أيضًا، ثم المشروع الثالث المقدَّم من نادي القضاة ويضمن استقلالاً كاملاً للسلطة القضائية إداريًّا وماليًّا ويقضي بانتخاب أعضاء المجلس الأعلى للقضاء واستقلالية ميزانيته بعيدًا عن وزارة العدل، وقد وافق عليه معظم رجال القضاء.
والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة: هل ستقف الحكومة مكتوفةَ الأيدي؟ وما الذي يمكن أنه تفعله إذا ما تحركت لإنهاء ثورة القضاة؟ وما هي خطة الحكومة لتفتيت صف القضاة؟ وكيف سيكون للقضاة رد فعل تجاه هذا الأمر؟!
محاولات فاشلة
في البداية يؤكد المستشار هشام جنينة- نائب رئيس محكمة النقض وسكرتير عام نادي القضاة- أن الدولة قامت بعدة محاولات لفرض وصياتها على نادي القضاة، ومنها محاولة عام 2002 لإخضاع النادي لوزارة الشئون الاجتماعية بجعله جمعيةً أهليةً، وهو ما كان سيعطي السلطة التنفيذية سبيلاً للتدخل في شئون القضاة.
وأضاف أن النادي رفض الخضوع لإشراف مجلس القضاء الأعلى عام 2004، فهو صاحب دور تاريخي في دعم الحريات واستقلال سلطة القضاء وعدم السماح للسلطة التنفيذية بالتدخل في اختصاصات السلطة القضائية وتعديل قانون مباشرة الحقوق السياسية، وهذا كله لن يكون إلا بالاستقلال، أما التبعية فمعناها خنق السلطة القضائية، مشيرًا إلى أن القضاة لن يستسلموا وأن النظام سيفكِّر ألفَ مرة قبل اتخاذ إجراء ضد القضاة؛ لأنها عندئذ ستكون معركة المجتمع كله.
ويوضح المستشار محمود الخضيري- رئيس نادي قضاة الإسكندرية- أن الخلاف بين القضاة والمجلس الأعلى لكون المجلس يريد تبعية النادي له، كما أنه يرفض فكرة انتخابه وهذه تُعدُّ مسألةً في منتهى الخطورة؛ لأن الوضع الحالي لا يضمن مجلسًا مستقلاًّ وخاضعًا للجمعية العمومية للقضاة.
ويؤكد أنه في حال إذا لم يتم قبول وتفعيل طلبات القضاة لاستقلال سلطتهم فإنهم سيلجأون إلى وسائل عدة للضغط منها؛ المسيرات والاعتصامات ورفع الجلسات والإضراب عن العمل لكونهم أصبحوا لا يأمنون لوعود السلطة الكاذبة التي طالما كذبت عليهم ولم تحقق لهم ما يطلبون أبدًا.
ويشير إلى أن أي مشروع تقدمه جهةٌ غير نادي القضاة سيكون حريصًا على التبعية للسلطة التنفيذية لكي تكمل سيطرتها عليهم، وأهاب بالنظام ردَّ فعل قوي وعنيف بل وغير متوقَّع سيندم عندها النظام الحاكم أنه في يوم ما عارض القضاة.
من جانبه يؤكد المستشار هشام البسطويسي- نائب رئيس محكمة النقض- أن غضب القضاة نابع من تجاهل السلطة التنفيذية لمطالبهم في استصدار قانون السلطة القضائية وكذلك الاعتداء عليهم في الانتخابات البرلمانية الأخيرة، مؤكدًا أن القضاة لن يتنازلوا عن مطالبهم المشروعة والتي لاقت قبولاً من جمعيتهم العمومية بالاتفاق على انتخاب المجلس الأعلى للقضاء بدلاً من تعيينه، ووجود ميزانية مستقلة عن وزارة العدل، وكذلك انتخاب منصب النائب العام عن طريق المجالس القضائية وليس عن طريق رئيس الجمهورية.
واستبعد المستشار البسطويسي أن يتخاذل القضاةُ في ردِّ فعلهم في حال رفض مطالبهم، وأنهم لن يقبلوا إلا مشروعَهم الذي تقدم به ناديهم، وعند رفض المشروع بعد انعقاد الجمعية العمومية في مارس القادم فإن ردَّ القضاة سيكون عنيفًا وغيرَ متوقَّع، وقد يصل إلى الإضراب أو الاعتصام أو أي شكل من أشكال العصيان المدني.
ويتفق المستشار أحمد صابر- المتحدث الإعلامي باسم نادي القضاة- مع آراء المستشارَين الخضيري والبسطويسي، ويؤكد أن القضاة طالبوا بالاستقلال المالي والإداري مع تقليص جميع سلطات وزارة العدل ونقل جميع السلطات إلى مجلس القضاء الأعلى.
ويضيف أن المستفيد من عدم إصدار قانون السلطة القضائية هو مجلس القضاء الأعلى؛ لأنه يريد أن يجعل النادي تحت سيطرته، بالإضافة إلى رفضه مبدأ الانتخاب، وأن مطلبَ استقلال سلطتهم القضائية هو مطلبُ جميع القضاة باستثناء القضاة الموالين للسلطة التنفيذية والذين يستفيدون منها.
وتساءل: كيف لقاضٍ أن يرفض استقلال السلطة القضائية والتي ستجعل منه الآمرَ الناهي ولن يستطيع أحد السيطرة عليه، ويستطيع أن يقتنص حقوق الأمة والشعب من أنياب النظام وحكومته.
وأشار إلى أن النظام أراد أن يشتري القضاة بأمواله التي يغدقها على قضاة السلطة التنفيذية ولكنَّ القضاة الأحرار رفضوا ذلك؛ مما أسفر عن رد النظام بحرمانهم من حركة المحافظين الماضية، واعتُبر ذلك في صف القضاة عدم خضوع لقيود السلطة التنفيذية لكي يستمروا في الاهتمام بقضايا الفساد وملاحقة المفسدين وتقديمهم للعدالة.
هيمنة السلطة التنفيذية
ويرى عبد الغفار شكر- القيادي بحزب التجمع- أن الحكومة لن تستجيب لمطالب القضاة وستجهض أي تعديل يوفر الاستقلال المالي والإداري لهم، مشيرًا إلى وجود مخطط لاستغلال تعديل القانون لتكريس تسلط وهيمنة السلطة التنفيذية على القضاة واغتيال ناديهم بفرض وصاية حكومية عليه؛ باعتباره أحد المنابر المؤيدة للقضاة.
ويضيف أن الحكومة استقطبت مجلس القضاء الأعلى في صفها؛ لتجعل منه الوصيَّ على القضاة.. الأمر الذي جعله لم يعارض تدخل السلطة التنفيذية في اختصاصات السلطة القضائية حتى استباح لنفسه الحَجْر على حرية القضاة في التعبير بل ويعاقبهم على ما يبدونه من آراء أثناء جمعياتهم العمومية؛ بذريعة أن قراراته واجبةُ الاحترام ولا يجوز مناقشتُها أو التعقيب عليها.
التصعيد هو الحل
ويرى جورج إسحق- مؤسس حركة كفاية المعارضة- أن النظام الحالي لن يسمح أبدًا للقضاة باستصدا قانون السلطة القضائية؛ لأن ذلك يعني أن القضاة لن يتبعوا السلطة التنفيذية وسيكونون حجر عثرة أمام النظام.
وأضاف أن النظام يحرِّض المجلس الأعلى للقضاء على نادي القضاة؛ لأنه المتحدث الرسمي باسم القضاة، ويعلن أن مفاوضاته ليس مع النادي وإنما مع المجلس الذي يُعدُّ في قبضته ويغدق عليه العطايا والمناصب، ولفت إلى أن مجلس القضاء الأعلى لن يسمح أبدًا بتعديل القانون أو استصداره كما أن جعْل رئيس المجلس بالانتخاب يهدِّد نفوذَ أعضائه الحاليين بالخطر وهم يريدون الحفاظ على مكاسبهم وصورتهم باعتبارهم متحدثين باسم القضاة.
وأشار إلى أن الدولة بسبب غضبها على القضاة حرمتْهم من تقلد المناصب القيادية في الحكومة الجديدة وخاصةً المحافظين، في إشارةٍ من النظام توحي بأن الذي يقف مع الشعب ضد النظام خاسر لا محالة، ولكن القضاة أثبتوا أنهم لن يخافوا من تهديد النظام وسوف يستمرون في موقفهم، وتوقع أن تشهد الفترة القادمة تصعيدَ موقف القضاة ضد النظام الذي يريدهم تابعين لسلطته التنفيذية وقد يصل هذا التصعيد إلى حد الاعتصام والمسيرات.
ولفت إلى أن حركة كفاية ستدعم موقف القضاة وستصعِّد معهم هذا الأمر ليكون على مستوى الرأي العام والشعبي؛ لأن القضاة لا يدافعون عن أنفسهم فقط بل يدافعون عن العدالة التي تحقق لهذا الشعب كرامته، وأي مساس بهذه العدالة عن النظام سيُحدث ما لا تحمد عقباه.