تناولنا في المقال السابق خطورة احتقار الذات الذي تقوده النخبة الصوتية المصرية.

وننوه في مقالنا هذا إلى أن هذا الداء موروث عن جيل سابق من نخبة ما زالت أسماؤهم تتردد في الأوساط الثقافية بصفتهم رواد التنوير.

هذه النخبة- في عمومها- مهدت طريق احتقار الذات الذي تمارسه نخبة اليوم.

وإليك نماذج من إنتاج هذه النخبة:

سلامة موسى في كتابة "اليوم والغد" الصادر في منتصف العشرينات من القرن العشرين يقول: "كلما زادت معرفتي بالشرق زادت كراهيتي له، وشعوري بأنه غريب عني، وكلما زادت معرفتي بأوروبا زاد حبي لها وتعلقي بها، وزاد شعوري بأنها مني وأنا منها، وهذا هو مذهبي الذي أعمل له طول حياتي سرًّا وجهرة، فأنا كافر بالشرق، مؤمن بالغرب".

وكتب طه حسين في كتابه "مستقبل الثقافة في مصر" : "نستطيع أن نقول إن مقياس رقي الأفراد والجماعات في الحياة المادية مهما تختلف الطبقات عندنا، إنما هو حظها من الأخذ بأسلوب الحياة المادية الأوربية".

ويذهب إلى أبعد من ذلك في نفس الكتاب فيدعو المصريين إلى أن "نسير سيرة الأوروبيين ونسلك طريقهم لنكون لهم أندادًا، ولنكون شركاء لهم في الحضارة، خيرها وشرها، حلوها ومرها، وما يُحب منها وما يُكره، وما يُحمد منها وما يُعاب".

هكذا كالعميان بدون تمييز!!!

هذه الدعوات وأمثالها- مما لا يتسع له مجال المقال- تزعمها نفر من المحسوبين على النخبة المثقفة، كان نصيبها في بلادنا أفخم الألقاب: عميد الأدب العربي- عملاق الفكر والأدب- أستاذ الجيل ..........

وما زال هؤلاء النفر هم القدوة والمثل لأدعياء الثقافة الجدد.

قد تقول لي: إن هذه قناعتهم وقضيتهم التي تبنوها مخلصين لما يرونه رفعة وتقدمًا لوطنهم.

أقول لك: حسنًا، ولماذا لم يستمروا في قضية اللحاق بالغرب وتقليده في أخص خصائص تقدمه الحضاري وهي قضية الحرية والديمقراطية؟؟

مع العلم أن عميد الأدب وعملاق الفكر وأستاذ الجيل، ومفكر العصر (بحسب وصف غالي شكري لسلامة موسى في كتابه "أزمة ضمير"  أنه كان المفكر المصري "الوحيد" الذي يمكن أن ندعوه بمفكر العصر!!).

هؤلاء جميعًا طالت أعمارهم إلى ما بعد ثورة 1952، وأمثلهم طريقة هو من التزم الصمت، أما أغلبهم فكان شريكًا في تعبيد الشعب لديكتاتورية العسكر.

بل هم أنفسهم خضعوا لإملاءات العسكري المعين لمراقبة ما يكتبونه قبل النشر، ومن أراد التأكد فليرجع إلى كتاب "عودة الوعي" لتوفيق الحكيم .

وأنا على ثقة أنه برغم هذه الصورة المذرية لنخبة ضحت بطموح وآمال الشعوب على مذبح مطامعهم للمال والشهرة أو على الأقل إيثار السلامة فإني أرى في الأفق تشكيل راية ثقافية جديدة ستخرج من الزخم الثوري الذي يقوده شباب أمتنا، ستحطم الأغلال القديمة، وتنفض الغبار عن تاريخ ومقدرات أمة عظيمة، وستعيد لهذه الأمة ثقتها بنفسها، وتضعها على طريق أداء رسالتها.