"إن كل إنسان- كائنًا ما كان- ينطوي على مناجم إلهية، من العبقريات الفذة، والطاقات الجبارة، والإمكانات المتميزة، وكنوز من القيم والفضائل؛ ونحن أحوج ما نكون في هذا الظرف الحرج من عمر الوطن إلى كل ذلك، سواء في مرحلة مناهضة وكسر الانقلاب أو ما بعدها.

 

ولا سبيل إلى إثارة هذه المناجم النفسية إلا أن تثيرها باسم الله العلي الكبير؛ فاسم الله وحده هو مفتاح هذه الكنوز الربانية المغلقة، و لا يضع الله هذا المفتاح إلا في يد العبد الرباني؛ الذي يتخلق بصفات الربانية الفاضلة؛ يجاهد نفسه حق المجاهدة، ويقمع هواه في غير هوادة؛ فيفضي بذلك إلى ما شاء الله من بطولة وتوفيق (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين) العنكبوت: 69" (تذكرة الدعاة- البهي الخولي) بتصرف.

 

ولهذا كانت وصية الأستاذ البنا: (كونوا عبادًا قبل أن تكونوا قوادًا؛ تقودكم العبادة إلى أحسن قيادة).

 

أضف إلى ذلك- والكلام للشيخ محمد الغزالي رحمه الله- "أن الحق الذي نعمل لاستقراره لا بد أن يستقر، والباطل الذي نكدح لبواره لا بد أن يبور و لكن متى؟ ليس ذلك إلينا ولا توقيته في مقدورنا".

 

إذ ليس لنا من الأمر شيء، إلا كما فعل النبي- صلى الله عليه وسلم- والصحابة الكرام يوم الخندق، نتابع الحفر ولا نستعجل الريح؛ إذ أمرها إلى الله وحده، وعلى الثوار- والكلام للشيخ الغزالي- "أن يعملوا ولذتهم ليست اقتطاف الثمر العاجل؛ وإنما لذتهم في الشعور بتوفيق الله، والأمل في إرضائه، وأنت واجد تفسير ذلك كله بصورة عملية واقعية، في تاريخ الغر الميامين الربانيين الذين خرَّجهم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وصاغهم بعين الله أبطالاً؛ فتحوا أقطار الأرض؛ لأنهم فتحوا قبل ذلك أقطار النفوس، وأضاءوا الدنيا بنور الحق، وانبعثوا إلى تخليد الباقيات الصالحات من الأعمال والأخلاق والمبادئ؛ فأتوا من ضروب البطولات النفسية والمادية ما يدهش الألباب، ويعجز الأبطال، ويشبه الأساطير؛ لأنهم انبعثوا بهمة لا ترى لها متعلقًا دون عرش الله عز وجل، فلو كان الإيمان عند الثريا، لناله رجال من هؤلاء، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.

 

وأين هؤلاء من أولئك المطموسين من الانقلابيين وعبيد البيادة، الذين ضلوا السبيل، وانقادوا لعدونا وقلدوا الغرب تقليد القرود والببغاوات؛ فاصطنعوا مبادئ سياسية واقتصادية واجتماعية، ذات شعارات تستر أطماعًا ومآرب باطلة، واتخذوا أحزابًا وأندية تخطط للمغانم، وينبعثون منها للفساد والسحت، ولا تجد لها من خلال ذلك سوى أحفال واجتماعات وأقوال، قد يبرق ظاهرها بالخداع والتمويه، ولكن باطنها يخلو من أي مضمون تشهد له الفطرة أو تنظر إليه معايير العقل؛ حتى غدوا فارغين لا قيمة لأعمالهم ولا لأقوالهم" (تذكرة الدعاة- البهي الخولي) بتصرف.

 

وخلاصة القول: إننا نحتاج إلى ثائر رباني مخبت أواب، وثيق الصلة بالله، يعيش عبودية انتظار الفرج من الله القريب المجيب؛ فهو- سبحانه- سندنا الأول والأخير، وما بينهما هو أخذٌ بالأسباب؛ تعبدًا لله؛ فنحن نوقن أننا لسنا وحدنا في المعركة؛ فالله معنا؛ فهو يعلم ويرى ويسمع، ولن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا؛ ألا ترى هذه اللفظة المعجزة؟، إنه قال "لنا" ولم يقل "علينا"؛ و هذا يكفي.

 

ومن أجل هذا مكملين.