- أهالي ضحايا العبارة الغارقة: تسقط حكومة الإهمال
- دور إنساني لمنطقة السيدة ونائب الإخوان عادل حامد
تحقيق- حسونة حماد
![]() |
|
النائب عادل حامد |
أضافت كارثة العبارة السلام 98 دليلاً جديدًا على الإهمال الحكومي المتعمد في مصر الذي استفزَّ أهالي ضحايا الحادث الأليم فتظاهروا في الميناء عندما يئسوا من أي عمل إيجابي يمكن أن تقوم به الأجهزة الرسمية فأضرموا النار في مقر الشركة المالكة للعبارة.
لقد كانت الكارثة مهزلةً بكل المقاييس؛ حيث أمر قبطان العبارة بإكمال الرحلة بينما كانت نصائح معاونيه تقول بضرورة تأجيل الرحلة حتى يتمَّ إصلاح الأعطال ومعالجة آثار الحريق الذي اشتعل في مخزن سيارات العبارة.
وجاءت بعد ذلك فضيحة رفض العبارة المارة على الحادث وقبطانها يرى السلام 98 وهي تغرق في المياه وتعلوها الأمواج ثم يتجاهل كل ذلك وكأنه لا يرى شيئًا، والأدهى من ذلك رفض السلطات المصرية المساعدة من السفن الحربية المتمركزة في مياه الوطن العربي.
وبلغت المأساة ذروتها بعدم مراعاة شعور أهالي الشهداء من الغرقى وتجاهلهم وهم قائمون على ساحل البحر الأحمر ينتظرون المجهول، ثم تتابع المآسي عليهم في مشرحة زينهم بعد الإعلان عن وصول جثث الشهداء إلى هناك، حيث سارع حوالي ألفين منهم صباح السبت إلى مشرحة زينهم من مختلف المحافظات فور سماعهم أنباء تفيد بوصول الجثث المجهولة إلى المشرحة، وذلك للتعرف على الجثث واستلامها، وقد انتظر الأهالي وصول الجثث بمشاعر من الحزن والأسى لا يمكن وصفها والتي كان من المقرر أن تصل الساعة الثانية عشرة ظهرًا في حين أن جثث الضحايا وصلت إلى المشرحة في الساعة الخامسة مساءً وسط حشود أمنية كبيرة دون تصريح بأي معلومات عن الجثث مما زاد من اشعال نار الحزن والأسى للأهالي، وأدَّى إلى اشتباكات مع رجال الشرطة انتهت بسيطرة الأهالي على مكبرات الصوت الخاصة برجال الشرطة مطالبين بالإدلاء بأية معلومات صحيحة عن الجثث وعمل شاشات عرض لصور الجثث.
وردت معلومات بعدها بساعات على لسان أحد المسئولين عن وصول 68 جثة تمَّ التعرف على 25 جثة وجارٍ تسليمها.
تطوع لمساعدة أهالي الضحايا منذ قدومهم عدد من رجال الخير في المنطقة وعلى رأسهم عادل حامد- عضو الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين بمجلس الشعب- الذي أكد أن هناك فوضًى كبيرةً وتضاربًا في أقوال المسئولين، وأنه لا توجد خريطة عمل واضحة لديهم للتعامل مع الناس وكل مسئول يقترح شيئًا فاشلاً، وأضاف: ونحن عرضنا عليهم عمل شاشات عرض من الصباح ليتعرف الأهالي على جثث ذويهم فرفضوا، مما جعل الأهالي يثورون على رجال الشرطة لأنهم لم يروا خطواتٍ تتم أو تُتَّخذ.
![]() |
|
مواجهات بين أهالي ضحايا العبارة ورجال الأمن |
بدأ وصول الجثث الساعة الخامسة مساءً، وكان من المقرَّر أن تصل الساعة الثانية عشرة ظهرًا على حدِّ تصريحات محافظ البحر الأحمر واستغرق تنزيل الجثث من السيارة إلى المشرحة وقتًا كبيرًا وصل إلى أربع ساعات من الخامسة حتى التاسعة مساءً، وذلك لعدم وجود الامكانيات اللازمة لذلك، ولم يعلم الأهالي أي شيء عن ذلك، كما لم يتلقوا أي إجابات على أسئلتهم التي تجاهلها المسئولون، وأشار عادل حامد إلى الغياب الكامل لأجهزة الدولة عن الكارثة، وأن الحكومة ما زالت تتعامل ببدائية شديدة مع المواطنين، والتي كان من المفترض أن توفر أكفانًا لهذه الجثث وسيارات توصيل الموتى للمحافظات وأوتوبيسات هيئة النقل العام لنقل الأهالي إلى المحافظات المختلفة متسائلاً: لماذا لا يوجد تعاون بين الأجهزة المختصة في الكوارث كما توجد في الاحتفالات ومباريات كرة القدم؟!
وقال عندما طلبت من أحد المسئولين شاشة عرض قال لي:
(اتصرف أنت وهات واحدة)، فهل إمكانيات الدولة كلها ليست قادرةً على تخصيص شاشات عرض لصور الجثث لطمأنة الأهالي.
وأشاد بدور أهالي المنطقة (السيدة زينب) بالوقوف بجانب أهالي المتوفين وقفة تفوق جهد الحكومة، وحمَّل المسئولين كل ما تعرَّض له الأهالي من مشقة وتعب وجهد وحيرة في التعرف على جثث ذويهم.
وقال: نحن اجتهدنا وأحضرنا أكفانًا كتبرع لحالات الوفاة، وقمنا بعمل شاشات عرض من أقمشة لتهدئة الأهالي، ولم تستطع الشرطة السيطرةَ على الناس إلا بعد عمل هذه الشاشات، وقمت بالاتصال بكل الجمعيات الأهلية والمساجد وأهل الخير في السيدة زينب وجاءت الأكفان أكثر مما نتخيل، لدرجة أننا الآن لدينا فائض كبير جدًّا في عددها، وقد عرض بعض الأهالي مقابرَ للصدقة وأكفانًا وسياراتٍ لنقل الموتى، وقمنا بإعلان ذلك للأهالي في مكبرات الصوت.
مأساة
وهذه بعض القصص التي ذكرها لنا أهالي الضحايا عن شهدائهم:
يقول أدهم السيد- بكلية التجارة جامعة القاهرة، ومقيم بقرية أولاد علي مركز المنشأة بسوهاج-: جئت لمعرفة مصير ابن عمي السيد محمدين السيد الذي كان يعمل نقاشًا في الكويت وذهب إلى السعودية ليعود إلى مصر بحرًا، حيث كان من المقرر أن يتم زواجه بعد وصوله، وحتى الآن لم نعرف عنه شيئًا، والعائلة كلها موزعة بين سفاجا والغردقة والقاهرة.
أما محمود أبو ضيف- بالصف الثالث الثانوي- جاء من أسيوط هو وأسرته ليتعرف على عمه رجب أبو ضيف الذي كان يعمل منذ عام وثلاثة شهور في السعودية ورجع إلى البلد بعد أن اتصلنا به وأخبرناه بوفاة زوجته بعد ولادتها بأقل من أسبوع وأصبحت أسرة رجب أبو ضيف الآن مكونة من ثلاث بنات في المرحلة الابتدائية والطفل الذي لم يتجاوز عمره 15 يومًا بلا أب ولا أم.
ويروي محمد- من قليوب البلد- مأساةً أخرى، فيقول: أنتظر أسرة عمي الذي كان يعمل مديرًا لإحدى شركات الكهرباء بالسعودية وذهبت أسرته (زوجته وأولاده الأربعة) بمراحل التعليم المختلفة، اثنان في المرحلة الابتدائية ذهبوا لقضاء إجازة نصف العام مع والدهم في السعودية، وبعد أن قضوا آخر إجازة لهم ودَّعهم والدهم من ميناء ضبا، وحدث ما حدث ولم ينجُ منهم أحدٌ، هذا بالإضافة إلى أسرتين أخريين من نفس البلد؛ حيث ذهبوا أيضًا لقضاء إجازة نصف العام مع والدهم الذي كان يعمل مدرسًا، وبعد قضاء الإجازة صمموا ألا يعودوا إلى البلد إلا معهم والدهم، فوافق على النزول معهم، ولم ينجُ منهم أحدٌ أيضًا.
أما محمد- المقيم بشبرا الخيمة- فينتظر هو الآخر ابنة عمته عفاف محمود عبد العزيز جاد المتزوجة بمركز سنطة بمحافظة الغربية، وكانت تعمل ممرضةً في السعودية بعقد لمدة ثلاث سنوات، قضت منهما سنتين، ومع إصرار والدتها على النزول لمراعاة أبنائها الطفلين الصغيرين في الخامسة والثالثة من عمرهما وافقت على العودة والنزول لرعاية أبنائها أفضل من الغربة فكانت نهايتها المأساوية.

