في إحدى شركات المقاولات الخاصة المالكة لمدينة الرحاب بمنطقة القاهرة الجديدة، قام رئيس مجلس إدارة الشركة بإعطاء المحلات التجارية بالمدينة للجزارين، ومقدمي الخدمات التجارية لسكان المدينة بالمجان في بداية انشاء المدينة.

 

وساهم ذلك في تشجيع محلات الخدمات على فتح منافذ لهم بالمدينة، الأمر الذي ساهم في وجود كافة الخدمات الاستهلاكية داخل المدينة، مما عزز من توطين السكان وجذب سكان آخرين.

 

 ومع الرواج التجاري بالمدينة أصبح هؤلاء التجار أكثر حرصًا على استمرار وجودهم بها، ودفع ايجارات للمحلات بعد انتهاء المهلة التي تم منحها لهم ببداية المشروع.

ترى لو كانت تلك الشركة قطاعًا عامًّا، هل كان رئيس الشركة يستطيع تأجير المحلات بالمجان في بداية المشروع؟، أم أن الاتهام بإهدار المال العام والتشهير إعلاميًّا سيكون في انتظاره؟

- وفي موقف معاكس كانت هناك كميات ضخمة من الملابس، داخل مخازن إحدى شركات قطاع الأعمال الشهيرة، ونظرًا لمرور سنوات على بقاء تلك الملابس بالمخازن، تغيرت خلالها أذواق المستهلكين.

فقد كان الطبيعي هو التخلص منها بالبيع بأي ثمن، ولكن مسئولي الشركة كانوا يجدون في رقم المخزون الضخم، عاملاً مساعدًا على ضخامة رقم أصول الشركة في الميزانات السنوية.

وظل الجرد لذلك المخزون يتم بشكل صوري لفترة، حتى قام أحد مسئولي الشركة بجرد فعلي لذلك المخزون، وكانت المفاجأة أنه عندما كان موظف الجرد يمسك بالفساتين المعلقة على الشماعات، يجدها قد بليت وأصبحت هشة كالعنكبوت وتتناثر أجزاؤها على الأرض بسبب العته، لتصبح قيمتها الحقيقية صفرًا.

وبالطبع فإن الشخص المتسبب في تلك الخسارة للشركة ظل محافظًا على سلامة موقفه بالدفاتر، بحيث لا يقع تحت طائلة العقاب لأن أوراقه "متستفه".

- ولهذا كان القطاع الخاص أكثر حرصًا على أمواله الخاصة، من خلال إقامة الأوكازيونات السنوية والموسمية، والبيع كاستوكات لتجار وكالة البلح للبضائع المخزونة منذ فترات طويلة، لتقليل الخسائر وتوفير المساحات التخزينية، وسرعة التجاوب مع تغيير الموضات في كل موسم، وتدبير جانب من السيولة لشراء موديلات الموسم الجديد.

- ونفس الأسلوب تقوم به البنوك مع العملاء المتعثرين، حيث تقوم بالإعفاء من جانب الفوائد، وتعيد جدولة أقساط السداد أكثر من مرة، وتحرص أكثر على أن تكون تلك الأقساط في متناول قدرة العميل على السداد، وليست أقساطًا تعجيزيةً.

 لأن الهدف هو تعويم العميل حتى يعود للوقوف على قدميه، حتى يستطيع سداد الدين القديم، وبيع خدمات جديدة له، ولهذا تقوم البنوك المحترفة بدراسة المشاكل التي يعاني منها العملاء وتساعدهم على حلها.

فالمصلحة مشتركة بين البنك والعميل، وكذلك بين أية شركة لها مستحقات لدى شركة أخرى وتلك الشركة المتعثرة في السداد، وهنا أذكر إحدى شركات الاتصالات التي تتعامل معها مؤسسة الأهرام، والتي تراجع عدد عملائها بشكل ملحوظ، وبلقاء قيادات تلك الشركة، أكدت لهم مساندة المؤسسة الكاملة لهم، لأن في نمو وتطور نشاطهم استفادة أكبر للمؤسسة، سواء في مجال الإعلانات والمعارض أو الطباعة أو التوزيع.

وهكذا فإن المصلحة مشتركة بين الطرفين، مع أهمية المرونة والمساندة للعميل في أوقات الأزمات التي يمر بها، والمؤسسة الفاشلة هي التي تصل بالعلاقة مع العميل إلى حد القطيعة، والدخول معه في قضايا بالمحاكم، فماذا تستفيد الشركة من سجن العميل؟ إنه سيتوقف عن النشاط أو سينحسر نشاطه، وسيتجه للتعامل مع الشركات الأخرى، وهنا سيتم خسارة عميل بالإضافة إلى وجود سمعة سلبية بالسوق بأنها الشركة التي تسجن عملاءها.

- وخلال فترة عملي بمؤسسة الأهرام وجدت أن الديون المستحقة لدى عملاء الإعلانات تتجاوز المليار جنيه، إلا أن منها جزءًا ليس بقليل كان ديونًا معدومة وديونًا مشكوكًا في تحصيلها، حيث تعود بعضها إلى ما قبل عام 1995، وكثير منها مبالغ صغيرة متناثرة جغرافيًّا مما يصعب مهمة المحصلين، ووجدت اختلافًا في البيانات بين إدارات المؤسسة بالنسبة لكثير من العملاء، والأهم هو وقف التعامل مع هؤلاء المتعثرين، مما يدفعهم للتعامل مع الجهات الإعلانية المنافسة.

- وكان من بين هؤلاء حالة الشركة المصرية العربية للوسائط الإعلامية، والتي يملكها إيهاب طلعت، وهي الشركة التي ظلت تتعامل إعلانيًّا مع مؤسسة الأهرام حتى نهاية عام 2005 حين تم وقف التعامل.

ودخلت المؤسسة مع الشركة ومالكها في نزاع قانوني، حيث ترى المؤسسة أن مديونية الشركة للمؤسسة 6ر92 مليون جنيه، بينما الشركة أن المديونية أقل من ذلك، لوجود مستحقات للشركة لدى المؤسسة، حيث كانت هناك شراكة بينها في كثير من التعاقدات.

وتم عرض المشكلة على كل رؤساء مجالس الإدارة الذين تعاقبوا على المؤسسة، لكن عدم الاتفاق على رقم المديونية عطل التسوية، حتى قام الطرفان بعرض النزاع على لجنة خبراء بوزارة العدل، توصلت عام 2008 إلى أن الرقم المشترك بين الطرفين هو 3ر61 مليون جنيه.

ولكن البيئة الإدارية بالمؤسسة في ضوء القضايا المرفوعة على رئيس مجلس الإدارة السابق إبراهيم نافع، والمشرف على الإعلانات السابق حسن حمدي، وقضية هدايا الأهرام لكبار المسئولين، جعلت الجميع يخشون الاقتراب من هذا الملف.

وكعادته كان إيهاب طلعت الموجود في لندن، يعرض التسوية على كل رئيس جديد لمجلس الإدارة منذ عام 2006 من خلال محاميه، وجاء دوري عام 2012 مثل غيري، فرأيت أن معدلات التضخم تتسبب في تآكل القيمة الحقيقية للدين بمرور الوقت، فمعدل التضخم بلغ 6ر7% عام 2006 ثم 4ر14% بالعام التالي، ليقفز إلى 1ر19% عام 2008، ثم 8ر11% بالعام التالي ثم 1ر11% عام 2010، و5ر10% بالعام التالي ثم 3ر7% عام 2012.

وهكذا بلغ معدل التضخم الرسمي- والذي نعتبره كاقتصاديين أقل من الواقع- بنسبة 8ر77% خلال السنوات السبع ما بين 2006 و2012، أي أن مبلغ الـ6ر92 مليون جنيه المختلف عليه، قد فقد من قيمته الحقيقية 72 مليون جنيه خلال السنوات السبع، وكأن قيمته الحقيقية قد بلغت 6ر20 مليون جنيه في عام 2012، أي أقل بكثير من القيمة التي قدرتها لجنة خبراء وزارة العدل البالغة 3ر61 مليون جنيه.

ولكن المناخ السائد كان يحكمه منطق "الباب اللي يجيلك منه الريح سده واستريح" حتى لو اقتنعوا بمسألة تآكل القيمة الشرائية للنقود بمرور الزمن بفعل التضخم، ولكن هل ستقتنع الأجهزة الرقابية بذلك؟، وهل الأجهزة القضائية ستتفهم هذا الأمر؟ ونحن في جو تربص وريبة وأيدٍ مرتعشة.

- ولكن مسئولية رئيس مجلس الإدارة هي حسم الأمور وليس الهروب منها، وحرصًا على إيقاف نزيف القيمة الحقيقية للدين وافقت على التسوية المعروضة، ووافق مجلس الإدارة مع استمرار التفاوض لتحسين المزايا التي يمكن الحصول عليها مع الشركة.

 حتى كان المتغير الخطير والمتمثل في حريق محكمة جنوب القاهرة، حيث احترقت معه أوراق القضايا التي رفعناها على الشركة، وشيكات الوفاء والضمان للدين، ومعرفة محامي الشركة بذلك، وهنا كان لا مجال للتراجع عن إنجاز التسوية حرصًا على حقوق المؤسسة، مستندين لقرار لجنة الخبراء بوزارة العدل ودون التنازل عنه بجنيه واحد.

لأن البديل لذلك كان هو التقاعس، وترك الملف لمن يأتي من بعدي على رأس إدارة المؤسسة، وكان مؤداه ضعف الموقف التفاوضي للمؤسسة مع الشركة في ظل غياب مستندات المديونية.

ووجود العميل في لندن حيث لا توجد اتفاقية لتسليم مجرمين بين مصر وإنجلترا، بينما عودة العميل إلى مصر، والتي تسهلها التسوية، يساعد في خضوعه لسلطان القضاء المصري، وهاهو قد عاد بالفعل بعد التسوية.

كما أن التسوية واكبها دفع 5 ملايين جنيه، والبدء في سداد المديونية بأقساط شهرية بداية من فبراير 2014، مما يضخ سيولة تحتاجها المؤسسة في ضوء أزمة السيولة التي تعاني منها كل الشركات بالسوق حاليًا.

تلك هي القصة لم يذكرها أحد، واكتفوا بنشر خبر الإجراء الاحترازي الذي اتخذته النيابة بمنعي من السفر، دون استدعائي أو سماع أقوالي، من أجل التشهير لأغراض يعلمها الكافة، وينسون قوله تعالي في سورة البروج "والله من ورائهم محيط".

--------------------------

ELWALI.MAMDOUH@GMAIL.COM