حدث يوم خروج زينب بنت رسول الله من مكة، أن تعرَّض لها رجالٌ من قريش؛ يريدون إرجاعها؛ فتسقط من على ناقتها، وكانت حاملاً؛ فتنزف، وتسمع هند- وما أدراك ما هند في جاهليتها- زوج أبي سفيان، فتخرج مسرعةً ترفع عقيرتها في وجه قومها: معركة مع أنثى عزلاء؟!؛ أين كانت شجاعتكم يوم بدر؟!.

 

وتحول بينهم وبين زينب وتضمها إليها، وتمسح عنها ما بها، وتصلح من شأنها، حتى استأنفت الخروج إلى أبيها في أمنٍ وأمان.

 

وأحسبك- عزيزي القارئ- قد عقد ذهنك، مباشرةً، مقارنةً ما بين "زينب" بنت رسول الله وبين الأخت الفاضلة "دهب"؛ فكلتاهما مرَّتا بنفس التجربة المريرة؛ ولكن الفارق بينهما يكمن في المفارقة بين موقف هند وموقف الانقلاب؛ ما يدفع للحكم على الانقلاب بالإجرام، وأن أحكامه إجرامية؛ لا يقرها دينٌ ولا تعترف بها إنسانية؛ بل وتتبرَّأ منها الكرامة والمروءة وتصير به هند بنت عتبة- في جاهليتها- أشرف خلقًا ورجولةً.

 

كما يُظهر أن الانقلاب وأذنابه لا يطيقون الصبر ولا يعرفون الكياسة أو التخطيط الرزين الهادئ البطيء، ويحبون الحسم والسرعة ويتعجَّلون قطف الثمرة، وهكذا كل نظام فاسد- حسبما تعلمنا من التاريخ- يحمل في ثناياه عوامل فنائه وانهياره.

 

وفي المقابل فإن إيمان الثوار بقضيتهم قوة دافعة موجهة؛ قوة تسند الضعيف أن يسقط، وتمسك القوي أن يجمح، وتعصم الغالب أن يطغى، وتمنع المغلوب أن ييأس أو ينهار.
هذا الإيمان جعل الثوار الأحرار يجاهدون جهاد المستميت بصبرٍ ودأب وهمة لا تفتر ولا تعرف الكلل؛ ليزيحوا عن أنفسهم وأهليهم غوائل الظلم.

 

وإنَّ المعركةَ دائرة ولم تكتب السطور الأخيرة فيها بعد، ولكن ما يوجع القلب ويحزنه أن كثيرًا من أهل بلدي موقفه يدعو إلى الحيرة؛ يصفق للمعتدين وينحى باللائمة على المغلوبين المظلومين، فلماذا؟!!!أكان من اللائق أن نترك بلدنا تنهشها الذئاب التي قد اتخذت الظلم طريقًا والتصفية الجسدية والنفسية أسلوبًا كما استطاع أن يُجنِّد الألوف بل مئات الألوف لارتكاب الجرائم المتنوعة في حق الأبرياء والشرفاء.

 

وأقول لهم كما قالت هند: أين شجاعتكم هذه أيام مبارك؟!، أم أنكم أسد علينا وفي الحروب نعامة؟؟؟!!! ألا لعنة الله على الظالمين.

 

وعزاؤنا كلمات الله العالية: (وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمْ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (139) إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (140) وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ (141) أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمْ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (142)) (آل عمران).

وبإذن الله مكملين.