إن التدافع بين الحق والباطل من سنة الله الكونية، وما نشاهده في حياتنا من صراعات وتناحر هو في حقيقة الأمر صراعٌ بين الحق والباطل ولا يَحسم هذا إلا التربية، ولقد قال تبارك وتعالى: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (الحج: من الآية 40).
ولذلك يجب أن يتعرف أهل الحق على غاياتهم وتكونَ واضحةً أمامهم، وأن يعدَّ الدعاة الإعداد الجيد الذي يدفعهم لتحقيق الهدف، وهو إقامة دولة الإسلام والحفاظ على الفطرة السليمة، وأن يظل كيان الإنسان المسلم صالحًا من أجل نصرة الإسلام ونهضة أمتنا.. يقول الإمام البنا: "إن الأمة التي تحيط بها ظروفٌ مثل ظروفنا وتنهض لمهمة كمهمتنا وتواجه واجباتٍ كتلك التي نواجهها لا ينفعها أن تتسلَّى بالمسكنات أو تعلل بالآمال والأماني، وإنما عليها أن تعدَّ نفسَها لكفاح طويل عنيف وصراع قويٍّ شديد بين الحق والباطل وبين النافع والضارّ وبين صاحب الحق والضالّ وسالك الطريق وناكبِه وبين المخلصين والغيورين والأدعياء المزيفين، وأنَّ عليها أن تعلَم أن الجهاد من الجهد وهو العبء والعناء وليس في الجهاد راحة حتى يضعَ النضال أوزاره، وعند الصباح يحمد القوم السرى".
إن المتأمل في السبب الأساسي والدافع الرئيسي للهجرة ليس هو الفرار من شدة الإيذاء والتعذيب، ولكنَّ الدافع الرئيسي هو إقامة دولة الإسلام العالمية التي تحمل الدعوة عالميًّا، ولكن بوصول الرسول- صلى الله عليه وسلم- إلى المدينة المنورة بداية إقامة الدولة الإسلامية؛ مما يدل على أن هذا الهدف كان يملأ قلوبهم وعقولهم ومنه تنطلق حركاتهم وتدور حوله الأهداف المرحلية الأخرى القريبة والبعيدة، وحين جاء الأذن بالهجرة ظَهَر على الفور الاستعداد وسرعة التنفيذ.
وتصف السيدة عائشة- رضي الله عنها- مجيء الإذن بالهجرة فتقول: "ما كان يأتي يوم على النبي- صلى الله عليه وسلم- إلا ويأتي فيه بيتُ أبي بكر أحدَ طرفي النهار، فلما أذن في الخروج إلى المدينة لم يرعنا إلا وقد أتانا ظُهرًا فخبر به أبو بكر فقال: ما جاءنا النبي- صلى الله عليه وسلم- في هذه الساعة إلا لأمرٍ حدث، فلما دخل عليه قال لأبي بكر أخرج مَن عِندك قال يا رسول الله إنما هما ابنتاي- يعني عائشة وأسماء- قال: أشعرت أنه قد أذن لي بالخروج؟!
وعلى الفور يظهر استعداد الجندي، فتروي أم المؤمنين- رضي الله عنها- ما حدث بعد ذلك فتقول: قال أبو بكر: الصحبة يا رسول الله، يقولها وكله همةٌ وإيجابيةٌ.
فالأخت الداعية لا تتأثر عندما يشتد الصراع بين الحق والباطل، بل إنها تزداد همةً وإيجابيةً، مدركةً لدورها، صامدةً واثقةً في نصر الله، ولنعلم أن مكرَ الخصوم بالدعوة والدعاة أمرٌ مستمرٌّ طوال طريق الدعوة وبطرق كثيرة، تضيقات.. واعتقالات.. وإخراج من الأرض.. واستبعاد من الوظائف.. وإغراء النفوس الضعيفة بالمال، وها نحن نرى كيف رصَدَ الكفار مائة ناقة لمن يأتي بأحد من المهاجرين، ومنهم سراقة بن مالك الذي عاد بعد هذه المغامرة الخاسرة ماديًّا بأطيب رزق وهو الإيمان ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (36)﴾ (الأنفال).
فالأخت الداعية المربية لا بد أن يكون لديها وعيٌ بالمبدأ وطبيعة المرحلة، وأن تكون صابرةً على تحقيق الهدف، فمَن صبر حتى تنمو البذرة وتنبت الشجرة وتصلح الثمرة فأجرُه على الله.. إما النصر والسيادة وإما الشهادة والسعادة.
ومن الدروس التربوية الجميلة التي نتعلمها من الهجرة حرص الداعية أن يطرق كل المنافذ المتاحة لنشر الدعوة، فمع أن النبي- صلى الله عليه وسلم- كان مطاردًا وكان سراقة يطارده قاصدًا الإساءة به لم يردَّ النبي إساءتَه بإساءة، بل كتب له كتابَ أمن وتعفَّف عن أخذ شيء من مالِه؛ مما كان له أثرٌ في وفاءِ سراقة وإسلامه فيما بعد.
فالأخت الداعية المربية لا يكون لها دورٌ في التغير إلا إذا كانت دؤبةً في البحث عن أساليب ومنافذ جديدة، ولا تخضع لمحاولات التضييق لإيقاف مسيرة الدعوة، بل أن تتعرَّف على مداخل تناسب جميع الشرائح النسائية، وما أدراك؟! قد تتصورين أن زميلةً لك أو جارةً متحاملةً فإذا طرقتِ عليها الباب وتبسمتِ في وجهها وقدمتِ لها معروفًا فإذا بك تجدينها متعاطفةً، فاطرقي كلَّ الأبواب طالما أعددت وخططتِ لها.. ألم يسلم لصَّان على يد رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وهو في طريقه إلى المدينة؟!
وجميل أن تستوقفنا هنا الجندية الرفيعة عند أبي بكر الصديق وعلي بن أبى طالب، الذي فدى قائده بحياته.. إنها طاعةٌ بلا تردد، طاعةٌ بلا مراجعة وتظهر معاني الحب في الله وخوف أبي بكر وهو في الغار على رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ليكون الصدِّيق مثالاً لما ينبغي أن يكون عليه جنديُّ الدعوة الصادق، وان يكون مع قائده متفهمًا لدوره جيِّدًا وهنا يتجلى أثر التربية النبوية في تكوين شخصية أبي بكر الصديق الذي كان بيته نموذجًا طيبًا لما ينبغي أن تكون عليه بيوتُ الدعاة.
لقد كان جميع أفراد بيت أبي بكر على مستوى المسئولية رجالاً ونساءً؛ حيث نرى كيف استطاعت أسماء أن تقف صامدةً تحمي أسرار المسلمين عن الأعداء، وتقوم بأعمال شاقة وهي في شهورها الأخيرة، كما تروي أم المؤمنين عائشة "فجهزناهما أحسن الجهاز وصنعنا لهما سفرةً في جراب، فقطعت أسماء بنت ابي بكر قطعةً من نطاقها؛ فربطت به على فم الجراب فبذلك سميت بذات النطاقين".
ففي موقف أسماء وعائشة ما يثبت أهمية الاستفادة من النساء في الدعوة؛ ولأن المرأة هي مربية الرجال وجبَ علينا العناية بها وحُسن إعدادها الإعداد التربوي الذي يدفعها للجهد والعطاء، وفي ذلك يقول الإمام حسن البنا: "نحن لهذا نُعنى بالمرأة عنايتنا بالرجل، ونُعنى بالطفولة عنايتنا بالشباب وهذا هو تكويننا الأسري".
وحين نشير إلى أهمية إعداد وتربية الأخت المربية فلنعلم أن المراد هنا بالتربية أي التربية الشاملة، بمعنى أن يتحقق في الأخت المربية تطبيقُ ما تحمله الصفات العشر الجميلة (سليم العقيدة، صحيح العبادة، متين الخلق، مثقف الفكر، قوي الجسم، نافع للغير، منظم في شئونه، قادر على الكسب، حريص على وقته، مجاهدًا لنفسه)، وأيضًا الأركان العشرة (الفهم، الإخلاص، العمل، الثقة، الأخوَّة، التجرد، الطاعة، التضحية، الثبات، الجهاد).
وبالتحقق من هذه الصفات في شخصيات الصحابة- رضوان الله عليهم- ظهر لنا حسن التخطيط عند أداء العمل وتنظيم الشئون قبل بدء الهجرة وأثنائها، كذلك الإخلاص في أداء الأدوار والتجرد لله، وجهاد كل ما يملك أيًّا كان، والأخوَّة ومعانيها الجميلة التي ظهرت بين المهاجرين والأنصار، والثقة التي كانت واضحةً بين الجنود والقائد، وأجمل ما يستوقفنا هنا أن هذه الصفات والأركان كان الصحابي يتحرك بها بشكل تلقائي طبيعي، وهذا يدل على أن التوجيهات النبوية للصحابة كان لها مردودٌ عملي وأثَرٌ في سلوك الصحابي.
ولهذا كان من المهم أن تحرص الأخت الداعية المربية أن تتابع أثَرَ ما تتعلمه أخواتها على سلوكهن، وما هو الرصيد العائد على الأخت مما درسته؟ وما هو رصيد العقل ورصيد القلب ورصيد الجوارح؟ فإذا لم يظهر أثرُ ما تعلمته على سكناتها وحركاتها فما فائدة المنهج الذي تدرسه؟!
ومن الأشياء الرائعة التي تلفِت الانتباهَ عند التخطيط للهجرة حسن توظيف الكفاءات، ومراعاة توزيع الأدوار المناسبة على أصحاب الكفاءات؛ حتى يتحقق الهدف وتنجح المسيرة، وهذا شرطٌ في التخطيط الجيد، فقد اختير للصحبة أبو بكر، وللمبيت علي، وللمخابرات عبد الله، ولإعداد الزاد أسماء وعائشة، ولتعليم الأنصار القرآن مصعب بن عمير.
لذا لا يمكن أن تتعرفي على طاقات إخوانك ممن حولكِ إلا إذا ابتكرتِ وسائلَ متنوعةً تشيع فرص المعايشة في بيتكن، مستشعرات جميعًا شعار (أخواتي إن لم أكن بهن فلن أكون بغيرهن) محقِّقات فيما بينكن التعارف والتفاهم والتكافل.
ولا تنسَي- أختي الكريمة- أن المربية الناجحة هي التي لديها فنُّ قيادة الأرواح قبل كل شيء وفي التعامل مع جميع النفسيات، وعلى قدر إحسان القيادة يكون إحسان أداء الجنود، وعلى قدر البذل والعطاء من المربين يكون الحب والترابط بينها وبينهن، ولقد رأينا مدى الحب الخالص الذي أحبه المهاجرون والأنصار لرسول الله- صلى الله عليه وسلم- يقول الإمام البنا: "اسمعوا وأطيعوا لقيادتكم في العسر واليسر والمنشط والمكره، فهي رمز قوتكم، وصلة الاتصال فيما بينكم".
ولا يفوتنا هنا أن من أهم صفات الأخت المربية الناجحة أن تكون مرهفةَ الحس وفي نفس الوقت متزنةَ العواطف والانفعالات؛ ولذلك نرى مدة شفقة الرسول- صلى الله عليه وسلم- على جنوده، فلم يهاجر إلا بعد أن هاجر معظم أصحابه، ولم يُبقِ إلا المستضعفين أو مَن كان لهم مهامٌّ خاصةٌ في الهجرة.
ولهذا نلاحظ حبَّ الصحابة العميق لرسول الله- صلى الله عليه وسلم حبًّا نابعًا من القلب وبإخلاص، وأسباب هذا الحب ترجع إلى صفاته- عليه الصلاة والسلام- والقيادة الرشيدة، فكان يفرح لفرحهم ويحزن لحزنهم ويسهر ليناموا ويجوع ليشبعوا ويتعب ليستريحوا، فالأخت المربية المؤثرة القدوة يجب أن تكون متفاهمة متسامحةً وموضع ثقة وحب ومستودع سرِّ أخواتها، مع اتزان ردود أفعالها.. لا إفراط ولا تفريط.. ولا تنتصر لنفسها وتحتسب لله مَن أخطأت في حقِّها من أخواتها، وتحسن مخاطبة القلب قبل العقل.
ولا تنسَي أن هذه الصفات الربانية هي من صميم سلامة العقيدة الصحيحة، ولها أهمية كبيرة في النفوس، وها قد رأينا كيف جمعت العقيدة الإسلامية بين الأوس والخزرج، وأزالت آثار معارك امتدت زمنًا طويلاً، فبمجرد التمسك بها والمبايعة عليها وجدنا ما فعلته العقيدة في نفوس الأنصار، فاستقبلوا المهاجرين بصدور مفتوحة وتآخَوا معهم في مثالية نادرة؛ مما يدفعنا إلى القول بأنه لا يوجد في الدنيا فكرةٌ أو شعارٌ آخر يفعل مثل ما فعلت عقيدة الإسلام.
ومن هنا ندرك سببَ سعي أعداء الإسلام لإضعاف هذه العقيدة، وأن حقيقة المعركة والغرض منها هو طمس الهوية الإسلامية.