حوار: إسلام عقل
- التوازن مطلوب في حياة الداعية
- مواكبة التطور العلمي في أساليب الدعوة ضرورة
على طريق الدعوة لا بد من علامات تنير الطريق لنهتدي بها، ومن أهم هذه العلامات ميراث العلم والخبرة بين الدعاة العاملين لله ولنصرة دينه لاستجلاء الطريق وإزالة أي لبس قد يلتبس على الداعية.
ومن هؤلاء الدعاة البارزين الداعية الإسلامي الشيخ محمد صقر أحد رموز الإخوان المسلمين بالشرقية- وهو من الدعاة البارزين، قابلناه وسألناه عن بعض المشكلات التي تتعلق بالعمل الدعوي وما يفعله الداعية لكي يستطيع به مواجهة هذه المشكلات، فكان هذا الحوار:
* فضيلة الشيخ كيف ترى واقع الصحوة الإسلامية الآن؟
** أعتقد أن واقع الصحوة الإسلامية الآن لا يمثِّل سوى بداية ما تزال تحتاج من أبنائها- خاصةً الدعاة- الكثير من الجهد والحركة والانتشار ولا تمثل صحوةً وإنما تمثل إنسانًا مستيقظًا من نومه ما زال يفتح عينيه ويتثاءب وربما يتحرك يمينًا أو شمالاً لكنَّ قدرته على العطاء والتأثير والتغيير في الكثير من طبقات المجتمع وفئاته المختلفة ما زالت محدودة، وذلك يرجع إلى أن عقودًا عديدة وسنوات طويلة مضت على الأمة وكل عوامل التكسير والتأخير والتضليل والتقييد والاضطهاد على أشدها من الصليبين والصهيونيين والعلمانيين ومن على شاكلتهم، وخاصةً هؤلاء الذين هم من بني جلدتنا والذين لمعاولهم على الأمة أثر أشد وأخطر من معاول أعداء الخارج؛ فرغم جهود المصلحين وكفاح الدعاة المخلصين ما زالت أجهزة الإعلام- من إذاعة وتلفزيون ومجلات- ووزارات وهيئات ومنظمات وإمكانات مرصودةً للعمل على الحيلولة دون أن يبلغ صوت الدعاة إلى آذان النائمين؛ وهذا الواقع لن يتغيَّر إلا بهمَّة المخلصين من الدعاة الذين لا يألون جهدًا ولا يدخرون وسعًا في التمكين لدين الله عز وجل على هذه البسيطة.
خطر التقليد
* فضيلة الشيخ، هل ترى أن الدعاة الآن يقومون بواجبهم كما ينبغي عليهم أم أن هناك ما ينقصهم؟
** أرى أن الدعاة الآن يغلب عليهم التقليد والجمود وعدم القدرة على التجديد والمواءمة ما بين توجيهات الشريعة وبين علاج أمراض المجتمع، فرؤية بعضهم ما زالت محدودةً وجهودهم قاصرة، وهم يرددون كلام الآباء والأجداد ممن سبقوهم، حتى لتكاد ترى وتسمع نفس الصوت والصورة والكلمات بل والموضوعات والعناوين التي كانت في دواوين الخطب المنبرية التي كانت سائدةً في العشرينيات والثلاثينيات، ثم لم يزد الأمر جديدًا.. اللهم إلا أفرادًا يكادون يعدون بالعشرات في أنحاء مختلفة من العالم الإسلامي لديهم جديد يقدمونه ولا يجدون المناخ الملائم ولا الفرصة التي تساعدهم على نشر أفكارهم والترويج لما يدعون إليه وما يشيرون به من دواء وعلاج لأمراض المجتمع.
إذا دخلت مسجدًا واستمعت إلى خطبة الجمعة أو إلى بعض الدروس تجد نفسك تسمع كلامًا متشابهًا إلى حد كبير، بل نفس الموضوعات التي قد تكون سمعتها من سنوات بأسلوب قديم يخلو من العُمق والإضافة التى تُثري الموضوع، ومن هنا تجد الناس غير مقبلة على الخطب والدروس، بل إنهم قد يتأخرون في حضور خطبة الجمعة؛ نظرًا لما يشعرون به من ملل وتكرار، ولكن عندما يوجد الخطيب الموفق البارع المجدّد تجد الناس تنتقل له من محافظة لمحافظة ومن مكان إلى آخر كما كان يحدث في السابق مع بعض الدعاة أمثال (الشيخ كشك) و(الشيخ محمد الغزالي)- رحمهما الله- وغيرهما من الدعاة المجددين.
لذلك يجب على الخطباء أن يعمِّقوا ثقافتَهم، وأن يوسِّعوا دائرة معارفهم، وأن يضيفوا إلى الأساليب التقليدية أخرى جديدة وحديثة أصبحت الآن وسائل إعلامية مهمةً جدًّا، وأن يستفيدوا من العلوم الإنسانية التي تتعلق بفن الاتصال والحوار ومخاطبة الجماهير وغيرها من العلوم التي تساعدهم على الوصول إلى قلوب الناس وعقولهم.
كذلك أتمنى من الداعية أن يضيف إلى اهتمامه باللغة العربية الفصحى لغةً أخرى من لغات العالم الحية والمهمة والتي أصبحت الآن مقياسًا للثقافة؛ حتى نستطيع بها أن نوصل رسالة الإسلام الصحيحة بمشاعرنا نحن كدعاة إلى كل الشعوب والدول، وأن نتمكن من الرد على الشبهات المثارة على ديننا وشريعتنا بلغة هؤلاء المشكِّكين، وكل هذا تطبيقًا لكلام الرسول- صلى الله عليه وسلم-: "من تعلم لغة قوم أمن مكرهم" وقوله عليه الصلاة والسلام "الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق الناس بها".
وليته يهتم باستخدام وتطويع أجهزة الإعلام العديدة من تحرير لمقالات أو مشاركة في برامج هادفة أو مجلة للمسجد أو مطبوعات بسيطة وسهلة التوزيع والتكاليف، وأن يحثوا الناس على تعلم وسائل الاتصال الحديثة كالإنترنت، فيتعلم ويعلم الناس في المسجد ويطلب منهم التعلم وشراء هذه الأجهزة، وأن يبين لهم كيف يستفيدوا مما فيها من خير وأن يحاربوا ويبتعدوا عما فيها من شر، فالإنترنت الآن أصبح عالمًا جديدًا وفسيحًا من المعرفة ومن المعلومات ووجهات النظر المختلفة ينبغي علينا جميعًا كمسلمين أن نخوضه وخاصةً الدعاة.
كما يجب على الدعاة أن يحرصوا على اختراق جدار الجهل والتعتيم المضروب حولهم من أجهزة الإعلام والأنظمة الحاكمة التي تسمع وترى أخطر الأحداث تقع ولا يريدون لنا أن نكشفها؛ لأنهم لا يريدون للناس أن يتابعوا حقائق الأمور، ولا أن يعرفوا مجريات الأحداث والتي إن كُشفت كان ذلك لهم بمثابة زلزال لعروشهم وإيذانًا باستيقاظ ضمائر الشعوب.
ليت الدعاة يحرصون على اختراق جميع المحافل التي قد يستطيعون فيها إيصال رسالتهم؛ حتى لا يبقى مكان إلا وتُرفع فيه للحق رايةٌ ولدين الله آيةٌ وأن يتابعوا باستمرار الأحداث السياسية والاجتماعية على الساحة العربية والإسلامية، وأن يربطوها بما فرطنا فيه من ديننا وإسلامنا، فمثلاً قضية كقضية العراق وفلسطين والمعاهدات التي أبرمتها مصر وما هو مضمونها وما هي المخاطر التي قد تحيق بالأمة من خلالها كمعاهدة "كامب ديفيد" واتفاقية "الكويز" وقضية إمداد مصر للكيان الصهيوني بالغاز الطبيعي ومواد البناء من إسمنت وحديد وغيره، وبأي حق تفرط هذه الحكومات في ثروات الأمة وخيراتها من غاز طبيعي وبترول وبأي سعر تباع هذه الثروات، فيجب علينا أن ننبه الناس لمخاطر هذه الأحداث على الأمة في حاضرنا ومستقبلنا.
التوازن
* يعاني بعض الدعاة من مشكلة تحقيق التوازن ما بين حق دعوته عليه وحق أهله وأسرته.. فبم تنصحهم؟
** حقيقةً أرى أن الداعية المثالي هو المتوازن في حياته الدعوية والعملية وحياته الأسرية، فلا يطغى جانب لديه على جانب، وهذا ما يوضحه لنا القران الكريم والسنة النبوية المطهرة من أن لكل واجب وقتًا محددًا وهو وقت الفضيلة، مثلاً قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِيْنَ كِتَابًا مَوْقُوْتًا﴾ (النساء: ) أي أن لها أوقاتًا محددة وكذلك واجب الأسرة يؤدَّى في وقته، كما أن واجب الدعوة يؤدَّى في وقته بالقدر المطلوب دون إفراط أو تفريط في جانب من الجوانب، فالنبي- عليه الصلاة والسلام- يقول: "إن لربك عليك حقًّا، وان لنفسك عليك حقًّا، وإن لزوجك عليك حقًّا، وإن لزورك عليك حقًا، فأعط كل ذي حق حقه" فكل إنسان منا له واجباتٌ عديدة، فلا يصح أن يقصر في أي منها على حساب الأخرى حتى لا يحدث خلل في حياته، والسعداء الموفَّقون من الدعاة هم الذين يوازنون بين هذه الأمور ولا يطغى جانب عندهم على آخر، وهذا الأمر ليس مقصورًا على الدعاة فحسب بل على المسلمين جميعًا وإن كان الدعاة منهم في الصدارة؛ لأنهم القدوة والأسوة للناس.
وهذه المعادلة لن تتم إلا بأن يحدد الداعية لنفسه أوقاتًا محددةً لممارسة كل أموره ونشاطاته؛ حتى يتسنَّى له بعد ذلك أن يتابع أولاده وأن يراقب سلوكهم ومراحل نموّهم المختلفة وقضاء حاجاتهم وحل مشاكلهم بحيث تأخذ هذه الأمور حقَّها منه.
ولعل هذا الأمر غفل عنه بعض الدعاة، وكانت نتائجه تميُّز الداعية في نشاطه ودعوته وضياع أخلاق أولاده بل وتفكك أسري لا يقدم للأمة إلا نموذجًا يأباه الناس ويرفضونه، فقد عجز أن يقدم نموذج الإسلام في أول الدوائر المحيطة به، فكيف يصنع في غيره من الدوائر؟!
ولعله من العارِ على الداعية أن يتورَّط في هذا الوهم، خاصةً إذا ظن أن عمله وتحركه في دعوة ربه سيغنيه عن التربية المباشرة ويترك الأخذ بالأسباب للأقدار تفعل ما تشاء.. ليس هذا إلا نوعًا من الجهل، وعمومًا هؤلاء عددٌ قليل بفضل الله والغالبية تحقق أقرب ما يكون من هذا التوازن، ولكنه ما يزال يحتاج منا لنوع من التدعيم والتثبيت.
ولعل هناك نماذج كثيرة في الجانب الآخر من كثير من الدعاة الذي استطاعوا أن يحققوا هذا التوازن، فيكفينا ما قرأناه وسمعناه عن الإمام الشهيد حسن البنا واعتنائه بأولاده ومتابعتهم، وكل هذا لم يدفعه يومًا للتفريط بدعوته ورسالته.
لا للتفريط
* فضيلة الشيخ.. يتعلل الكثير من الدعاة بكثرة التكاليف والأعباء التي قد تَحُول دون أن يحققوا ما ذكرتم تجاه أبنائهم، فما هو أقل حق للداعية تجاه أهله وأبنائه؟
** أقل ما يستطيع الداعية فعله تجاه بيته وأسرته هي الحاجات الضرورية، وهي أن يضع أرجل أبنائه على الطريق السليم وأن يُهيِّئ لهم أسباب النجاح، وأن يحببهم في الطاعات، وأن يجتهد في تحفيظهم من كتاب الله ما تصح به صلاتهم.
* وفي المقابل بم تنصح زوجات الدعاة؟
** في المقابل على زوجات الدعاة أن يعلمن أنهن عليهن جزءٌ كبيرٌ من مساندة الزوج، وأن عليها أن تخلفه في بيته، وأن تأخذ مكانه في المتابعة، وأن تجتهد في تحصيل علم ما ينفعها في متابعة أبنائها وتربيتهم على النهج الإسلامي، مقتديةً في ذلك بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته.. والمرأة راعيةٌ في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها".
إذًا فهي شريكة الزوج، ويجب عليها أن تعلم أن غياب الزوج عن بيته لانشغاله بأمور دينه ودعوته يجب أن يقابله اهتمامٌ أكثر منها في البيت بالأبناء، وأن تكون على قدر خلافته في قيادة الأسرة ورعايتها وحمايتها وتوجيهها، وهذا يتطلب منها الاهتمام بهذه المسئولية وإعطاءَها ما تستحقه من جهد، وأن تُسلِّح نفسَها بثقافةٍ تربويةٍ تجعلها قادرةً على تحمل هذه الأعباء.