في اجتماعه الأخير أعلن مجلس حكومة الانقلاب برئاسة الببلاوي ضرورة وضع ميثاق شرف إعلامي للصحفيين والإعلاميين تطبيقًا لما وصفه بخارطة المستقبل (خارطة الانقلاب التي أعلنها الفريق عبد الفتاح السيسي في 3 يوليو 2013).


من الواضح أن هذا البيان هو مجرد كلام للاستهلاك المحلي في مواجهة تزايد الانتقادات للانقلابيين لتركيزهم على بعض البنود التي تكرس الانقلاب فيما يوصف بخارطة المستقبل مع تجاهل بنود أخرى أعلنها السيسي منذ سبعة أشهر تقريبًا مثل المصالحة الوطنية وميثاق الشرف الإعلامي.

 

الحقيقة أن الانقلاب لا يعبأ بمواثيق شرف إعلامية، لأنه لا يعبأ بوجود إعلام حقيقي في الأساس، وكيف يمكننا أن نصدقه و"هذا أثر فاسه" على الإعلام لا يزال ماثلاً، فالقنوات التي أغلقتها كتائب السيسي، بينما كان هو يلقي بيان الانقلاب الذي تضمن النص على ذلك الميثاق لا تزال مغلقة، بل أضيف إليها قنوات أخرى في مرحلة لاحقة.

 

لم يتوقف الأمر على إغلاق القنوات التي كانت تمثل رأيًا آخر ليكتفي الانقلابيون برأي واحد ووحيد، بل تجاوزوا ذلك إلى إغلاق صحيفة يومية هي جريدة الحرية والعدالة الناطقة بلسان أكبر حزب سياسي لا يزال قائمًا من الناحية القانونية رغم اعتقال رئيسه وقياداته؛ وذلك بالمخالفة الصريحة للدستور الشرعي للبلاد (دستور 2012) الذي يمنع إغلاق الصحف إلا بحكم قضائي نهائي، أو حتى التعديلات التي أدخلتها لجنة الخمسين، والتي تضمنت منع إغلاق الصحف بأي وسيلة سواء بحكم قضائي أو بقرار إداري.

 

إن ما يبث الآن على الأرض المصرية من قنوات فضائية حكومية أو خاصة، وما يُنشر فيها من صحف حكومية أو خاصة أيضًا لا يمكن وصفه علميًّا بالإعلام، بل " البروباجندا" أي الدعاية السوداء، وقد ظهر هذا النوع من البروباجندا في عهد النازية على يد وزير دعايتها جوبلز، وهاهي سلطة الانقلاب تستنسخ تجربة جوبلز مرةً أخرى، فلم يعد الإعلام يعبر عن وجهات النظر المختلفة كما تقول علوم الإعلام، أو كما ينص الدستور المصري في كل مراحله، سواء دستور 1971، أو دستور 2012، أو وثيقة الخمسين، بل أصبحت كل وسائل الإعلام المصرية صوتًا واحدًا، ولعل ما حدث في الاستفتاء الأخير خير دليل على ذلك حيث اتحدت جميع القنوات الفضائية والصحف الورقية والمواقع الإلكترونية على الترويج للتعديلات الدستورية دون أن تسمح بوجهات نظر أخرى  سواء الداعية للمقاطعة أو حتى الداعية للتصويت بالرفض رغم إقرارها بما يسمى بخارطة المستقبل بشكل عام، ولعل هذا المظهر الإعلامي (ذي الصوت الواحد الذي يتبارى في دعم وتكريس الانقلاب) هو ما يفسر سر تلكؤ قادة الانقلاب حتى هذه اللحظة في تنفيذ أحد بنود خارطة المستقبل  الخاص بإصدار ميثاق شرف إعلامي، إذ لا تبدو هذه السلطة بحاجة لهكذا ميثاق بعد أن اطمانت إلى غياب أي صوت ينتقدها أو يكشف عوراتها.


إذن ما الداعي لأن تتحدث حكومة الببلاوي الآن عن هذا الميثاق؟ أغلب الظن أن ها الكلام كما ذكرت سلفا للاستهلاك المحلي بمعنى فتح موضوع للتسلية والمناقشة التي لن تنتهي الى نتيجة بين الاعلاميين والصحفيين الذين سيختلفون كثيرا في وضع هذا الميثاق، وبالتالي تكون حكومة الببلاوي قد أبعدت التهمة بالتقصير عن نفسها وألقتها في ملعب الاعلاميين أنفسهم، والمؤكد أن حكومة الانقلاب لو كانت تريد فعلا ضبط المنظومة الاعلامية بقيم أخلاقية فان لدينا ميثاق الشرف الصحفي  وهو لايزال نافذًا حتى الآن ولا ينقصه سوى جدية التنفيذ، كما أن لدى ماسبيرو ميثاقًا إعلاميا ولدى وزارة الاستثمار  ميثاقا إعلاميًّا، وهناك ميثاق الإعلام العربي الذي وقعه وزراء الإعلام العرب قبل عدة سنوات ولايزال ساريًا.


أود في هذا المقام التأكيد على أن إدارة الرئيس مرسي كانت مهتمة بالفعل بإصدار ميثاق شرف إعلامي جديد يستلهم روح ثورة 25 يناير، ويرسخ الحرية والتعددية والتنوع وفي نفس الوقت احترام أخلاقيات المهنة، وبحكم موقعي كأمين عام مساعد للمجلس الأعلى للصحافة فقد كنت شاهدًا ومشاركًا في تلك الجهود، وقد تمكنا في المجلس الأعلى للصحافة من وضع مسودة لميثاق شرف اعلامي شامل لكل فروع الإعلام لأول مرة  بعد ان كان  هناك ميثاق شرف صحفي وآخر لماسبيرو وثالث للمنطقة الإعلامية الحرة، وراعينا في مسودة الميثاق التي أعدها الدكتور بسيوني حمادة أستاذ الإعلام بجامعة القاهرة ورئيس لجنة الأداء المهني بالمجلس وناقشتها اللجنة في عدة اجتماعات أن تواكب روح العصر ومستجدات الصحافة والإعلام وروح ثورة 25 يناير، وكانت المسودة جاهزة بالفعل لإقرارها، لكن وقوع الانقلاب وأدها.


كما اهتم وزير الإعلام صلاح عبد المقصود بفكرة ميثاق الشرف وعقد لذلك عدة ورش عمل وجلسات استماع دعا إليها ممثلي وقيادات العمل الإعلامي الحكومي والخاص وممثلي  القوى المجتمعية المختلفة حتى يصبح الميثاق تعبيرًا عن حقوق الإعلاميين وواجباتهم وحقوق المجتمع وواجباته أيضًا تجاه الإعلام، والغريب أن تلك الجهود قوبلت بامتعاض من قبل الكثيرين  في الوسط الإعلامي الذين اعتبروها تضييقًا على حرياتهم التي بلغت شأوا عظيمًا في عهد الرئيس محمد مرسي لم تبلغه من قبل.


لا يمكن لأي عاقل أن يصدق أن حكومة انقلاب- سطت على سلطة شرعية وكان أول عمل لها هو تكميم الإعلام وإغلاق القنوات – يمكن أن تكون جادة في صياغة ميثاق شرف إعلامي، وما تفعله هو مجرد محاولة لتحسين صورتها، ولكن كما يقول المثل المصري "إيش يعمل الكحل في العمشة"، و"إيش تعمل الماشطة في الوش العكر".