كعادة العقل الجمعي للمصريين في التعامل مع التواريخ المهمة التي ربما ساعدت قليلاً على تغيير أو قل ساعدت على تغيير الواقع إما بشكل حقيقي أو زائف "أو قصد تزييفه" عادة العقل الجمعي هو تناقل تلك الذكرى وإثارة الأحاديث حولها حتى ينتهي ذكر الحقائق وندخل في عالم "الهلس والهتش والنعر والكذب.." انقلاب يوليو وحرب أكتوبر وثورة يناير أمثلة.

 

الفكرة هنا ليست في انتصار فصيل على فصيل. في يناير الكل شارك النسب مختلفة "بحجم أعداد التنظيمات" وأعداد تلك التنظيمات تدخل في توقيتات الإعلان عن وجودها في الساحة تبعا للمواقف السياسية "سواء اختلفنا أو اتفقنا معهم.. حالة جماعة الإخوان المسلمين مثالاً".

 

حتى التضحيات كانت موزعة بحجم التنظيمات المشاركة في الميادين الثائرة ضد نظام مبارك، وكذلك الأخطاء فكلما كبر التنظيم كثرت أخطاؤه ورأي الجميع سوءاته، ولكن الأخطاء لم ترق لجرائم أو خيانة خصوصًا من "المجموعات الأيدلوجية" ذات النهج الثوري أو الإصلاحي فكلاهما لديه مادة قيمية يحارب من خلالها.

 

لعبت السياسة بالجميع وحدث ما حدث، الجميع رأى الحق من جانبه حقًّا، وتشابك البعض إما لفظًا أو بالأيدي، وأدير الخلاف بين الجميع بعناية من غرفة "عمليات العسكر"، وبات الجميع أمام وضع دستوري وتشريعي قبل به الشعب "غالبية الشعب بآلية ديمقراطية متعارف عليها عالميًّا ومقبولة" هذا الوضع تم الانقلاب عليه "وهو انقلاب على إرادة تلك الغالبية دون الرجوع لنفس الآلية الديمقراطية"، نختلف أو نتفق حول سياسات الرئيس محمد مرسي ولكنه بالتأكيد لا يقارن بمبارك المخلوع الذي أفقر وأذل وأمرض المصريين 30 عامًا أو كالفريق أول عبد الفتاح السيسي قائد الانقلاب الدموي الذي قتل وقهر وسجن المصريين وأرتكب مجازر بشعة في فترة لم تتجاوز 7 أشهر حتى الآن.

 

عزيزي الثائر. عزيزتي الثائرة.. الجميع أخطأ. وإن جرم ما بعد 3 يوليو كان بشعًا، فالصمت والتحريض على مجازر وانتهاكات بحق عشرات الآلاف من المصريين خلف غصة في حلق ملايين المصريين "المصرين" على إنفاذ الإرادة الشعبية المتمثلة في القبول بالمسار الديمقراطي الذي خلف رئيسًا ودستورًا وبرلمانًا؛ ليس ما فات مات أو عفا الله عما سلف "الدم عند الله وولي الدم"، ولكن من السهل أن نجلس ونتعاتب ونتواجه سياسيًا أما الدبابة والباريه فلن تقبل بي أو بك.

 

ثورة يناير كالوطن اغتصبت مراراً وتكراراً وحملت سفاحاً. ولكن طهرها باق فهي بالرغم مما جرى بها كانت منارة للجميع، مجموعة من القيم النبيلة، كما أنها أثبتت للجميع أنهم يستطيعون إنفاذ التغيير فهي كانت كاشفة لهم تفاصيل دولة العسكر. وإن كان ذلك الكشف متأخرا إلا أنه كان هاما في مصير الوطن "أن تأتي متأخرا خير من الغياب".

 

عزيزي الثائر لم تعد التنظيمات الأيدلوجية هي فقط من يحرك الشارع، فالإخوان لم يعودوا فقط هم من يطالبون بعودة الرئيس والدستور ومحاسبة القتلة. فهناك قطاع عريض ومعتبر يطالب بهذا المطلب، فلا تشتغل نفسك عزيزي الثائر بمطالبة الإخوان ومن معهم وبات يقودهم الآن من المصريين "من غير ذات التوجه الأيدلوجي" على تخليهم عن مطالبهم. انضم إليهم في مطلبهم بإنهاء الانقلاب وإسقاط دولة العسكر وحكمها واحتفظ برفضك لحكم الإخوان والإسلاميين فعند كسر الانقلاب وانتهائه من السهل أن تعترض عليهم وأن تنتزع منهم الحكم بالمسار الديمقراطي دون المساس بك "وأنت جريت ذلك في عهد مرسي.. وإن كان هناك بعض التجاوزات فإنها لم تكن مجازر وانتهاكات واسعة النطاق مثلما حدث في عهدي مبارك والانقلاب وغير مقبول أن تحدث فيما بعد قيمة الإنسان لا يمكن التلاعب بها".

 

تلك القاعدة التي باتت تقود الفعاليات الرافضة للانقلاب والمطالبة بعودة المسار الديمقراطي في ظل تغييب قيادات جماعة الإخوان المسلمين والأحزاب المنضوية تحت راية تحالف دعم الشرعية، سواء هذا التغييب بالمطاردة أو المحاكمة أوبالقتل. تلك القاعدة العريضة هي جزء مهم في المعادلة وبات الوعي بمخاطر العسكر ودولته وأذرعها "كنيسة ورجال أعمال وبلطجية وأجهزة أمنية وقضاء وإعلام" بات وعيًا دقيقًا لايمكن تجاوزه في أي معادلة قبل إنهاء الانقلاب أو بعده.

 

25  يناير "الجاري" ذكرى ثالثة لثورة "الخديعة والوعي" تأتي في ظل حراك ثوري وقبضة أمنية، الشباب والمصريون قرروا أن يموتوا من أجل الوطن، وباتت الطبيعة النفسية للمصريين مختلفة بالكلية عما كانت عليه في سنينها الـ7 آلاف الماضية "دعوة للخبراء والباحثين أن يدرسوا نفسيات مؤيدي الشرعية".

 

الانقلاب يتهاوى ويتخلخل والسيسي محاصر ومرتبك وخلافات حادة بين العسكر وعنان وشفيق وصدقي ووو مجموعات من "الهري" الذي لا طائل منه، الثورة ماضية في طريقها المرسوم دون التفات لأي من تلك الترهات.

 

في الثورة الحلول السياسية يبحث عنها دومًا الطرف الخاسر من يظن نفسه قد وصل لمرحلة النهاية المحتومة أو أنه ليس في الأمكان ابدع مما كان.. من كان كذلك فليتنحَّ قليلاً ليعيد حساباته في الثورات هناك طرف فائز رغم أنه مثخن بالجراح كلاعب الملاكمة "وجهه متورم أسنانه متكسرة ارتجاجات بالمخ كسور في الضلوع" ولكن لا بديل عن استمراره في الحلبة بس لما يخسر يخسر بالنقاط مش بالقاضية.. يخسر وهو واقف زيه زي لاعب المصارعة الروماني يخسر نقاط وإنذارات لكن تسليم أكتاف لأ..

 

 وبات علينا وعلى تحالف دعم الشرعية والشباب الثائر والكيانات الثورية أن ندرك أن أدوات وآليات المعارضة السياسية "الناعمة والخشنة" تختلف بالكلية عن آليات وأدوات "الثورة" الثورة الشاملة.. عندما تصبح الروح رخيصة والدماء سهلة فالمعارضة "البياناتية" والحلول السياسية لا تفيد ومضى وقتها.. التحالف بمكوناته وفي القلب منه الإخوان عليهم أن يدركوا اللحظة الفارقة.. وقادة الانقلاب عليهم أيضًا أن يحذروا.

 

والسلمية التي كانت شعار الثورة ضد العسكر ستظل محفورة في ذهن كل حر يريد أن يبني وطنًا قويًّا، ولكن السلمية لها "أنياب" .

 

رسالة أخيرة ثورة يناير هي أخت  نصر أكتوبر وحطين وعين جالوت والتل الكبير وحصن بابليون. ثورة يناير بقيمها ميثاق شرف مظلتها واسعة..