تحدث الثورات الكبري تغييرا حادا في تاريخ الامم وتتطلب تضحيات كبيرة من النخب الحقيقيه التي تؤمن بمبادئ كليه مطلقه والنخب الحقيقيه ليست بالضرورة تلك التي تقذف بالكلمات والشعارات داخل آذاننا ليل نهار ولكنها في أكثرالأحيان نخبا تعمل في صمت تحمل مبادئها معها وتحمل أرواحها وحياتها ومستقبلها علي أكفها حتي يقضي الله أمرا كان مفعولا.
والتاريخ المكتوب قلما يذكر الأبطال الحقيقيين في المعارك الكبري ولكن تبقي قيمهم وأحلامهم هي التي تزكي روح الثورة في نفوس أجيال متعاقبه حتي تأتي لحظة فارقه يحمل أبطال كل أمه مشاعل الحرية ويضيئون طريق شعوبهم لحياة أفضل.
وقبل الخوض في الحاله المصرية ودراسة الحالة وإمكانية حدوث ذلك التحول الجذري؛ ينبغي أولا وضع التعريف السياسي والاجتماعي للثورة ، حسب تعريف عالم الاجتماع "هربرت بلومر" للثورة بأنها تبتغي إعادة بناء وتنظيم النظام الاجتماعي كله تنظيما وبناء جديدا ، وحسب تعريف علم السياسه للثورة فهي ما نعني به الخروج عن الوضع الراهن سواء إلى الوضع الأسوأ أو الوضع الأفضل من الوضع القائم وهذا بدافع عدم الرضا أو الغضب.
ومن هذين التعريفين فالثورة حاله تغيير عميق في بنية الدوله ككل بشقيها الاجتماعي والسياسي فهي ترفض الاوضاع الاجتماعية والطبقية الراهنه وتريد إعادة بنائها علي أسس مختلفة طبقا لرؤيه النخب التي استطاعت إقناع الجماهير بالثورة علي الوضع القائم أو بمعني أدق استطاعت إدارة غضب الجماهير للقيام بثورة؛ وفي الوقت نفسه تحدث تغييرا في المنظومة السياسيه وتغير طبيعة العلاقات بين مؤسسات الدولة لتستطيع تحقيق كفاءة أعلي لمواكبة تطلعات وآمال شعوبها وتحقيق إعادة البناء الاجتماعي بطريقة صحيحة من وجهة نظرها.
مصر عانت علي مدي مائتي عام منذ الاحتلال الفرنسي لمصر من تشويه حاد في منظومة القيم الحاكمة للمجتمع؛ إنه الاحتلال الذي يروج له بالحمله الفرنسية علي مصر لسبب غير مفهوم، وهذا الترويج الذي استقر في أذهان المصريين ووعيهم دليل مباشر علي قدرة النظم الحاكمه علي تثبيت أكاذيب كبري علي أنها حقائق مطلقه لا تقبل النقاش حيث يصيب الاندهاش من تحاول أن تغير أمامه توصيف ما حدث في أوائل القرن التاسع عشر في مصر أنه احتلال من فرنسا لمصر.
يبدو للبعض أننا ابتعدنا عن أصل الموضوع – الحديث عن الثورة المصرية- ولكنني أري أنه أصله بل أحد جذورة الرئيسه؛ تعاني مصر منذ الاحتلال الفرنسي من محاوله تغريب حاده ونزع من الهويه الممتدة في التاريخ تارة باسم الحداثة وتارة اخري باسم التنوير وكلاهما مصطلحان مراوغان وصيغة مهذبة لمحاولة جر قيم المجتمع وحضارته إلي ملعب آخر ومحاولة لخلط مفهوم تطوير المجتمعات -وهو واجب أصيل للنخب والأفراد علي حد سواء – بالتلاعب في أساس هويته وحضارته وقيمه.
واستمرت محاولات التغريب العنيفة تضرب بمصر مائتي عام كاملة وحققت نجاحات لا شك فيها في حلحلة منظومة القيم المستقرة منذ آلاف السنين؛ وحدث ضغط هائل علي المكونات الثقافية للمصريين من كل مدخلات المعلومات للذهن المصري من تعليم سطحي مباشر لا ينمي مهارات النقد والتحليل ينتج عقلا سطحيا ذا بعد واحد يمكن التلاعب به وتحييده أو توجيهه؛ إلي إعلام فاسد مضلل – الرجاء العوده إلي تصنيف جريدة الاهرام لأحمد عرابي ووصفه بالعاصي حيث لم تكن كلمه إرهابي قد ظهرت في هذا العصر عند مقاومته لغزو انجلترا لمصر- يقوم بدور التلاعب والتضليل الذي يقلب الحقائق ويجعل ببساطه مذهله القاتل مقتول والجاني ضحيه والخيانه بطوله و الوطنيه عماله.
ونظرا لعمق الحضارة المصرية بكل مدخلاتها قاومت الشخصية الجمعية المصرية هذه المحاولات الهائله علي مدي مائتي عام وبقيت نخبة تحاول الحفاظ علي ما تبقي من ملامح الشخصية المصرية والحضارة التي امتدت آلاف السنين ونتيجة لهذا الصراع والتي لم يستطع كلا طرفيه النجاح الكامل حدث تشوه في الشخصية المصرية وشكل المجتمع المصري ولا اتحدث عن التنوع داخل المجتمع ولكن أحدث تشوه حاد وهو النتيجة النهائية بعد أكثر من مائتي عام.
هذا التشوه العمدي مدعوم من قطاعات داخل مصر -وهي ممتده بمساحة الجغرافيا وعمق التاريخ - تبنت ثقافات ونماذج حضارية أخري وتحاول بشتي الطرق استكمال مسيرة المائتي عام للانتصار في المعركة المستمرة لتصبح مصر؛ أحد مركز الحضارة والهويه العربيه؛ نموذجا أكثر تشوها علي أمل أن تأتي لحظة حاسمة يستطيعون فيها الانتصار بالضربة القاضيه وتصبح مصر صاحبة الحضارة والتاريخ نموذجا مشوها للحضارة والثقافة الغربية ويقضي تماما علي الطرف المقاوم الذي كان دائما الأضعف في معركة السلطة طوال مائتي عام.
يخطئ من يظن أن الطرف المقاوم أعني به طرفا سياسيا أو عقديا بعينه ولكنني يقينا أعني كل طرف وطني مؤمن بحضارة هذا الوطن وتراكماتها المتعاقبة في عمق التاريخ التي أنتجت نموذجا فريدا يبنغي الحفاظ عليه وحمايته وعلاج التشوه الحاد الحادث. أود أن أشير إلي أن التاريخ لا يذكر أمة كبري حققت نجاحا تخلت عن قيمها الحاكمة أو هويتها وأنها لم تنجح إلا عندما نجحت النخبة المقاومه في الحفاظ علي تلك القيم وأدارت أمور الأمة علي الطريق الصحيح.
مصر الآن في حاجه ماسة إلي تلك النخبة الحقيقيه للحفاظ علي تلك الأمة من الضياع وقد ظهرت بشائر الأمل في يناير 2011 ، ولكن سرعان ما استعادت القوي المسيطرة علي مصر منذ مائتي عام زمام الامور مستغله سذاجه الجميع وحولت الصراع الي صراع سياسي ليس له علاقة بأصل الصراع واستغلت مكتسبات التشوه في الشخصية المصرية وخلقت عدوا مستغلة كل ادواتها المعدة سلفا واستعداد الوعي المصري العام لتلقي اوهاما علي انها حقائق ، وكما يفعل العسكر دائما فهم يجيدون فن صناعة العدو للحفاظ علي وجودهم واستطاعوا خلق هذا العدو وساعدهم نخب الميكروفونات وشاشات التلفاز.
لهذا نحن لسنا فقط نأمل في ثورة كبري في مصر و لكنها تبدو حتمية لأعادة بناء هذا المجتمع المشوة وبناء نخب حقيقية جديدة تخرج من رحم تلك الثورة و القضاء تماما علي عسكرة الدولة ، وأزعم أن كل مقدمات الثورة موجودة في الحاله المصرية ، فمن ناحية مؤسسات الدوله انهارت ثقة النخبة الحقيقية بها فأصبحت هناك حتمية لأعادة بنائها وأصبح الخلل في توزيع الثروة واستغلالها لا يطاق واستأثرت قلة فاسدة بمصادر الثروه وبلغ الظلم والقهر والاستبداد مداه وهناك نخبة حقيقية تمثل كتلة حرجه قادرة علي التضحية و خلق التغيير. ولكن هل هذا ممكن؟
ان كل المقدمات من 25 يناير حتي الان وكل الاحداث و التطورات تؤكد ان حالة الحراك الثوري مستمرة وممتده فلم تنجح المجازر والقتل والترويع علي كسر ارادة تلك الاجيال الجديدة التي أبت الا ان تعيش حرة.
ان الثورة المصرية ستكتمل ولا أظن أن ذلك بعيدا وستكون من الثورات الكبري في التاريخ الحديث التي غيرت موازين القوي في العالم وستصبح ملهمة للباحثين عن الحرية في عالم يدعي أنه مؤمن بها.
وتحتاج الان إلي أن يتجاوز الجميع أدوات السياسة وعلي الوطنيين الحقيقيين الالتفاف حول الثائرين حتي نصل إلي حلم بناء الجمهورية الثانيه التي لا تزال تراوح مكانها.
---------
القيادي بحزب الوسط و تحالف الشرعية.