كتبت: أميرة السنهوتي
حول صحافة الطفل في العالم العربي وتأثيرها على شخصيته واتجاهه نحو العنف والعدوانية كان موضوع رسالة الدكتوراه التي تقدمت بها الباحثة سحر فاروق الصادق إلى كلية الإعلام جامعة القاهرة ونالت عنها درجة الدكتوراه بتقدير جيد جدًا مع مرتبة الشرف الأولى.
وقد تناولت الدراسة أربعة عناصر أساسية هي: مضمون العنف، ووسيلته (وهي مجلات الأطفال)، وجمهوره (وهو قُرَّاء هذه المجلات)، ثم كُتّاب السيناريو والرسامون القائمون بالعمل.
حيث رصدت الباحثة في البداية مظاهر العنف المقدم للطفل من خلال مجلاته، وتحليل ملامح هذا العنف، ومعدلاته المنشورة في قالب قصصي فقدمت دراسةً تحليليةً لتسع مجلات للأطفال تمثل ست مجلات مصرية هي: علاء الدين، وميكي، وسوبر ميكي، وسمير، وكابتن سمير، وقطر الندى، إلى جانب ثلاث مجلات عربية هي: العربي الصغير، وماجد، وباسم، بمجموع (104) أعداد.
ثم قامت بدراسة جمهور الأطفال القارئ لهذه المجلات وقوامه (400) طفل تتراوح أعمارهم ما بين (11 و16) عامًا وينتمون جميعًا لمرحلة التعليم الإعدادي وتم أخذ العينة من أحياء شعبية وصناعية وراقية "الدقي- بولاق الدكرور- حلوان- مدينة نصر"، ومن مدارس مختلفة "حكومية- تجريبية- خاصة"، ومن الصفوف الدراسية الثلاثة "الأول والثاني والثالث الإعدادي"، ومن الذكور والإناث، وداخل كل حي من الأحياء الأربعة تم اختيار أربع مدارس بشكل عشوائي بمعرفة الإدارات التعليمية التابعة لها هذه الأحياء؛ بحيث تتمثل بها أنواع المدارس الثلاث المذكورة، وداخل كل مدرسة من خلال قوائم الفصول لسنوات الدراسة تم تحديد فصل في كل سنة دراسية تبعًا لعدد فصولها بالمدرسة، وتم اختيار الأطفال من داخل الفصول، مع مراعاة العدد الكلي داخل كل فصل والتمثيل النسبي للإناث والذكور، وأجاب (99%) من أطفال العينة بأنهم يقرأون مجلة للطفل، أما من يتابع مجلتين أو أكثر فكانت النسبة" (54.1%).
كشفت نتائج الدراسة عن ارتفاع معدلات العنف المنشور في صحف الأطفال المصرية والعربية بشكل يدعو إلى القلق؛ حيث بلغت نسبة القصص التي تحمل عنفًا (40.4%) من إجمالي القصص موضوع الدراسة، وبدت مجلات سوبر ميكي، وميكي، وباسم على رأس قائمة صحف الأطفال من حيث كمّ العنف المنشور على صفحاتها، بينما بدت مجلات علاء الدين، وقطر الندى، والعربي الصغير أقل صحف الدراسة من حيث العنف المقدم بها.
واتسم العنف المنشور بمجلات الأطفال بسمات تُمثل في مجملها عوامل جذب للطفل نحوه، كما بدت النسبة الكبرى من مظاهر العنف المنشور نابعةً من دوافع اجتماعية مألوفة للطفل يمكنه فهمها والتفاعل معها، كما ظهرت أماكن العنف قريبةً من واقع الطفل يمكنه تقليدها.. الأمر الذي يقرِّب العنف من عقله ويمكِّنه من اختزان صوره وأحيانًا تقليده.
وكانت مظاهر العنف في العنف البدني مثل: "الضرب- مطاردات- تكسير أشياء- تلويح أو ضرب بالسلاح- دفع الآخرين بعنف- قتل- اغتيال- سرقة- اختطاف"، أو العنف اللفظي مثل: "السب والقذف والتشبيهات الجارحة وكلمات التهديد بأعمال انتقامية، أو السخرية من الآخرين باللفظ أو بالضحك، أو الصراخ أو حتى كلمات التحريض والتهديد بالعنف"، ويتم تقديم هذه المادة في سياق يخلو من أي أشكال للعقاب، بل قُدم البعض منها في شكل ينصف القائم بها.
وأوضحت الدراسة الارتفاع الواضح في نسبة الميول العنيفة لدى أطفال العينة، وكشفت النتائج عن زيادة هذه الميول بين من يتعرضون لوسائل الإعلام؛ مما يؤكد دعم وسائل الإعلام لتلك الميول لدى الأطفال، وتبين أن اتجاهات الأطفال الذين يتخذون قدوتهم من النماذج الإعلامية "الأبطال والشخصيات الكرتونية والدرامية وغيرها"، قد بدت مرتفعةً نحو العنف بينما كانت منخفضةً لدى من يتخذون قدوتَهم من نماذج الاتصال الشخصي "الأب- العم- المدرس" وأوضحت الدراسة كذلك أن هناك دورًا إيجابيًّا للتنشئة الأسرية يتعلق بمعاملة الأبناء ومشاركتهم بالمناقشة لما يقرأون، أو هذا الدور يكون إيجابيًا مع الأبناء إذا بدأ في سن مبكرة تكون فيه اتجاهات الأطفال نحو العنف منخفضةً، بينما يتضاءل هذا الدور إذا بدأ مع الأبناء في سنٍّ متقدمة يكون الأبناء قد أخذوا اتجاهاتهم العنيفة بالفعل.
وأظهرت الدراسة أيضًا أن الطفل إذا تعرض أو لاحظ بشكل دوري مجموعةً من الأبطال يمارسون العنف فإنه يمكن أن يتعلَّم العنف منهم، وأحيانًا يمكنه تقليدهم، خاصةً إذا كان سياق العمل يبرز العنف في صورة حسنة يحقق لصاحبه مزايا، كذلك عدم وجود أي شكل من أشكال العقاب، كذلك كلما تزايد معدل قراءة الأطفال لمضامين عنيفة زادت لديهم الاتجاهات المرتفعة نحو العنف، وتمثلت هذه النتيجة بشكل كبير لمن ينتمون لبيئة عمالية وفي مراحل عمرية متوسطة (13- 14سنة) وينتمون للتعليم التجريبي، وإذا تعرض الطفل لظروف تنشئة أسرية سلبية تزداد اتجاهاته نحو العنف ويتضح هذا الأمر بين أبناء التعليم الخاص والمنتمين لبيئات عمالية.
وقدمت الدراسة حصرًا لحجم العنف، فتم رصده تبعًا لعدد القصص العنيفة؛ حيث بلغت نسبة القصص العنيفة (40.4%)، وجاء حجم العنف تبعًا لعدد صفحاته "الصفحات الكاملة من العنف" نسبته (26.8%)، وتبعًا لعدد البراويز العنيفة التي تضمنتها قصص الرسوم المتتابعة المصورة (33.5%)، وعلى نطاق القصص الأدبية التي تقدم للطفل في شكل أسطر بلغت نسبة الأسطر العنيفة بها 12.3% وهي أقل نسب العنف المنشور.
كذلك أوضحت الدراسة أنه كلما كان مضمون القصة مترجمًا كانت نسبة العنف مرتفعةً بعكس ما لو كان كاتب القصة عربيًّا.. كذلك قامت الباحثة بدراسة ثمانية عشر مُبدعًا وهم من المنتجين والمنتظمين في نشر أعمالهم الخاصة بالطفل في المجلات المذكورة، وأوضحت الدراسة أن هناك اتجاهًا سائدًا بين العاملين في حقل الطفل يقرُّ بتقديم العنف ونشره للأطفال من منطلق ضوابط لا تحد من تأثيره السلبي على الطفل.
كذلك تساعد الأوضاع الصحفية والمادية لصحف الأطفال على دعم تقديم العنف عبر صفحاتها؛ وذلك لعدم تحقق الدور التربوي والاجتماعي لهذه الصحف، إضافةً إلى اتجاه القائمين على هذه الصحف لتعويض انصراف الأطفال عن صحافتهم بتقديم العنف لهم؛ في محاولةٍ منهم لإعادة جذب الطفل لمطبوعاتهم، كذلك تساعد الأوضاع المهنية على نشر العنف، فالقائمون على سياسات التحرير لا يمانعون في تقديمه، والمناخ المجتمعي أصبح العنف أحد مظاهره؛ حيث يتفاعل المبدعون معه فتُولَد أفكارُهم مشبعةً به.
وتوصي الباحثة في نهاية دراستها بأنه إذا كانت هناك ضرورة لتقديم مادة صحفية عنيفة للأطفال- وحتى إن كانت بنسبة قليلة- فلا بد أن تحتوي على ضوابط للحد من تأثير العنف المقروء على الطفل؛ بحيث ترتكز على زيادة ووضوح العقاب داخل القصة، ولا تتضمن أية نتائج لصالح مقترفي العنف.