التقيتُ بـ(هيفاء) في عدةِ مناسبات، كان عمرها 16 سنة، وجدتُها عالَمًا قائمًا بنفسه، فلطالما أطلعتني عن خططتها المرحلية التي تسعى لتحقيقها، وقد أَسندتُ إليها بعض الأعمال خلال دوامها في نادي الطالبة، فقامت بإنجازها كما توقعت.
وذات مرة حالت بينها وبين تنفيذ عمل يخصُّها ظروفٌ خارجة عن إرادتها، فلاحظتُ أنها تقبَّلت هذا بروحٍ متفائلةٍ وسرعان ما وجدت بدائل لتخرج من هذا المأزق، ولم ألحظ أنَّ لديها تكبُّرًا على صديقاتها، لا بل إنها تمدُّ يد العون والمساعدة لهن.
قرأت في شخصية هيفاء سماتٍ إيجابيَّةً، وتوقَّعت لها مستقبلاً زاهرًا زاخرًا بالنجاحِ فهي تعرف مَن هي وتعرف ما دورها في الحياة.. حاولت أن أعرف سبب نجاحها وسعة إدراكها وامتلاكها هذه الشخصية التي تعتمد على نفسها ولا تتكل على غيرها، هي تستخدم عقلها وتُفكِّر وتبتكر وتُبادر ولا تُبالي بالعوائق.
حادثتها كثيرًا وتعرفتُ على أحوالها في بيتها ومع أسرتها، ولم أكتفِ بذلك بل زرتُها في بيتها وحادثت أمَّها، فأدركتُ السبب وعرفتُ ألا عجبَ أن تكون أُسرة (هيفاء) هي السبب.
(هيفاء) منذ قدومها نظر إليها أبواها على أنها نعمةٌ من الله وهبةٌ ينبغي شكره عليها، فهي فتاةٌ وهبَها الله عقلاً سليمًا، منافذُه مفتوحة؛ ولذا لم يقصِّرا في العنايةِ بهذه النعمة ورعايتها وتنميتها، ولقد كانت استجابة هيفاء لهذه العناية جيدةً، فأصغت للنصائح ونالت الكثيرَ من المدائح؛ مما عزَّز موقفها، وشدَّ من أزرها، والجميل أن معلماتها أشبعن ما لديها من حبٍّ للمعرفة فساعدنها، كما أُحيطت هيفاء بصحبة صالحة.
قلتُ: ليت كلَّ البناتِ مثل (هيفاء)؛ لأنها عرفت مَن هي؟ عرفت أنها من عبادِ الله فقامت بشئون العبادة كما أمرها ربها، وعرفت أنها ابنةٌ لأبويها فأطاعتهما بالمعروف وناقشتهما في كل قضيةٍ اختلفا حولها، وجعلت لنفسها منظومةً من القِيم مُستقاةً من الشرع، فكانت ترجع إليها كلما صادفت موقفًا أو مشكلة، عزَّزت إيمانها بالله بالعبادة والعلم، وعرفت أنَّ الوقتَ كنزٌ فما فرَّطت فيه، وكان الوقتُ بالنسبةِ لها رقعةً تكتب عليها نتائج أهدافها، كما جعلت أهدافها في هذه الرقعةِ عنوانًا تقرؤه كل يوم.
ولله درُّها كيف تتعايش مع مَن حولها بفهمٍ واهتمامٍ وإيجابيةٍ؟! فهي تارة ناصحة، وتارة مساعدة لمَن يحتاج من زميلاتها، ولله درُّها وهي تتعامل مع أحوال الدنيا ببذل ما في الوسع مع استحضار حقيقة الإيمان بالله المتصرف بأحوالنا!!
ولا عجبَ؛ لأنها استقت تلك المعاني من أفراد أسرتها؛ حيث تأمَّلت كيف يتصرفون في الأحوال المختلفة، فوجدت نفوسًا عند الضراء صابرةً وعند النعماء شاكرةً، ولها همم عالية ونفوس توَّاقة، هذَّبتها الطاعة وقوَّمتها الجماعة، لها قلوبٌ تحبُّ الصالحَ من العبادِ لصلاحه، وتأسى على الطالح محاولةَ مساعدته.
وكما تقول العرب في أمثالها: "وبضدها تتميز الأشياء" فقد التقيت بـ(نِداء) في عدة مناسبات وكان عمرها ما بين 14- 16 سنة، كانت حساسةً جدًّا، وكنت ألحَظ أنَّ أحد المواقف يجعلها حزينةً لأشهرٍ مما يُؤثر على مستواها العلمي والعملي، وتُصبح كثيرة التأنيب لنفسها، وتنفي عن نفسها أيَّة صفة إيجابية، وبما أنها كثيرة التعرُّض لمثل هذه الحال، فإنها تنتظر من الآخرين أن يُملوا عليها ما ينبغي أن تفعله، وأراها مستعدةً لتقف تحت كلَّ رايةٍ ترفعها إحدى زميلاتها، ونادرًا ما أراها تُبادر بعملٍ لم يعمله غيرها، وهي لا تعترف بخطئها، بل إنها تلقي الأخطاء على غيرها.
لم تسمح لي الظروف أن أجلس مع (نداء) وأُحادثها، لكنني أصبحت أعرف تمام المعرفة لماذا تتصرف نداء بهذا الشكل، ولعلك عزيزي القارئ مثلي عرفت السبب ولديك العلاج.