نعيش هذه الأيام المباركة في ظل نفحات العشر الأوائل من ذي الحجة، وصيام نهارها وقيام ليلها إن أمكن، وتستعد الأسر المسلمة ليوم عرفة عيد الأضحى المبارك، وفيه تقصُّ الأمهات والجدات على الأولاد قصة سيدنا إبراهيم وامتثاله لأمر الله عندما اختبره بذبح ابنه الحبيب إسماعيل، ثم فداه بكبش عظيم، وليؤكد للآباء على قيم الوفاء والعطاء والبر والفداء ومعية الله.

 

أيام جميلة فيَّاضة بباقة من الدروس والعبر نترقبها نحن المربين من العام للعام؛ كي نجدد فيها العزم ونسترجع مع الأولاد تلك المواقف والدروس، ونتقاسم معهم الفرحة والبهجة بمقدم أحد العيدين اللذين يُطعمان الحياة بنكهة خاصة لا تجدها إلا في أعياد المسلمين.. أفراحًا وطاعاتٍ!!

 

والمشكلة في هذا العيد أنه سيأتي متزامنًا مع فترة الاستعداد للامتحانات، بل تعقبه مباشرةً، وفترة الامتحانات كما هو شائع في البيوت تتسم بالتوتر والقلق النفسي والعصبي من المربين والأولاد، وهي فرصة من ناحية أخرى لتدارك التقصير في التحصيل الدراسي؛ أملاً في إحراز المزيد من النجاح والتفوق.

 

وبالطبع فإن جوًّا متوترًا بسبب الامتحانات والاستعداد لها كفيل بمحاصرة الفرحة وتضييق فرص الاستفادة من نفحات هذه الأيام الجميلة، إضافةً إلى انحسار العلاقات الاجتماعية والزيارات الأسرية وصلة الرحم أيام العيد نتيجةً لضغط الوقت وعامل التوتر!!

 

ماذا نفعل؟

حيرة وعلامات استفهام كثيرة واستنكار أحيانًا.. ماذا بوسعنا أن نفعل نحن بين أنوار العيد والبهجة والانطلاق، وبين نار الامتحانات وملاحقة المدرسين للأولاد؟!

 

الواقع يقول إن تزامن العيد مع الامتحانات لم يكن مفاجئًا، وبالتالي مع قليل من التنظيم المسبق والترتيب المتفق عليه مع الأولاد يمكن لنا الموازنة بعض الشيء أن نفقد حماسنا لفرحة العيد أو استعدادنا للامتحانات والرغبة في التفوق.

 

هناك أسر نجحت في تكثيف ساعات المذاكرة قبل قدوم العشر الأوائل من ذي الحجة، كما لوحظ أن الصوم في تلك الأيام غير مجهد للأولاد؛ لأن اليوم قصير وفصل الشتاء يعين إلى حد كبير على تقبل الصوم، وبالتالي لم تكن هناك مشكلة في الصيام مع المذاكرة، خاصةً وأن معظم الأولاد في إجازات شبه رسمية من المدراس للتفرغ لهذه الامتحانات.

 

ومع قدوم يوم عرفة يمكن اقتطاع عدة ساعات حسب ظروف كل ابن وابنة الدراسية للاستغفار الجماعي وقراءة القرآن والدعاء، وإن أمكن مراجعة خطة يوم العيد معهم تحت شعار يجب أن نفرح ونحتفل بالعيد لأنه هدية ربانية لنا ويكون يوم النحر وشهود صلاة العيد وزيارة الأقارب مكثفة في اليوم الأول، ولا مانع من اقتطاع ساعة أو أخرى للاستذكار خاصةً في المساء وقبيل النوم إن تيسر، وتكون أيام العيد التالية فرصةً للمراجعة والمذاكرة، وكلها طاعة إن تحررت النية لله.

 

إن المطلوب من أولياء الأمور والمربين أن يخففوا من حدة التوتر في البيوت، ويبعدوا عن الضغط وجوّ العسكرة الذي يفرضونه على أبنائهم، وليعلموا أن السعي لدفع أولادنا إلى التفوق كهدف وحيد لن نجنِيَ من ورائه إلا الفشل لأمتنا.. ذلك عندما تتحول الغاية إلى وسيلة فلن نصل أبدًا إلى الهدف، وسنظل في حالة التراجع الحضاري التي نعيشها.

 

كما أن على الآباء مراعاة الفروق الفردية، ومعرفة القدرات والمهارات الشخصية والذاتية لكل طفل، صغيرًا أم كبيرًا، وتنمية تلك القدرات بشكل منطقي دون اعتساف أو إرهاق أو مقارنة للطفل بالآخرين، وهذه التنمية تشمل توفير الجو الصحي المناسب والتغذية المتوازنة والمساعدة العلمية من قبل المتخصصين، مع تبني سياسة التشجيع والترغيب والتعزيز والحب والاهتمام أولاً وأخيرًا.

 

همسة

وهمسة في أذن أحبابنا الأعزاء أبنائنا: إن لكل فريضة وقتًا تؤدَّى فيه، وأنتم الآن في نطاق فريضة العلم، وهذا وقتها وسيبارك الله مسعاكم إن كانت الرؤية واضحةً لديكم، إن تعلمكم هذا عبادة وتبتغون به وجه الله، وتأملون رفعة الأمة وعزتها، وإن الأمة تحتاج عقولكم ومهاراتكم وقدراتكم وفتوتكم، ولن تبلغوا هذه المراتب إلا بالنية الصادقة، والعمل الجاد، والوقت المنظم، ولن يبارك الله جهدكم إلا إذا كنتم على الطاعات مقبلين، ولرضا الوالدين محققين، ولحسن الخلق مع معلميكم وأصدقائكم وإخوتكم متواصين.

 

إن القليل من تنظيم الوقت سيوفر لكم متسعًا من الإحساس ببهجة العيد ومعنى العيد، ورفقًا بأنفسكم وأهليكم ومعلميكم فنحن لا نريد العنَت لكم أو التضييق عليكم أو حرمانكم مما تحبون، بل هي المصلحة المرجوَّة والهدف النبيل من وراء تلك المصالحة التي ستعم الأمة كلها بجهدكم وجهادكم وصبركم.

 

أخرجوا حظَّ أنفسكم من هذه العبادة.. اجعلوها لله، واستعينوا به وحده؛ كي يفتح عليكم فتح العارفين ويرزقَكم الفهم والحفظ والتذكر وحسن الأداء، ولقد سبقكم العالم المهندس المسلم ابن سنان الذي عاش في عصور ازدهار الحضارة الإسلامية وبنى المئات من المباني المعمارية المتميزة، وعندما سئل عن السر في روعة هندسته وأعماله جاءت كلمته مختصرةً وشارحةً أيضًا لما نتمنى أن تكونوا عليه، لقد قال: إني أستضيء بأعمالي وأفعالي بنورالله!!

وهل يضل أو يفشل من كان في معية الله، ومشى في نوره  سبحانه؟!