في إحدى جلسات الشتاءِ بمحكمةِ البلينا الجزئيةِ بسوهاج، قبلَ انتهاءِ الجلسةِ أصابني مغصٌ شديد، أصر المحامون الماثلون على انسحابِهم من المرافعةِ في القضايا المنظورةِ ذلك اليوم، وطلبوا مني رفع الجلسة، وصممتُ على استكمالِها رغمَ ألمِي الشديد.
وبعد أن انتهيتُ من نظرِ جميعِ القضايا، وسماعِ المرافعات فيها، كان الألمُ قد بلغ درجةً لا يمكن لبشرٍ أن يحتملَها، انتقلتُ إلى الإستراحةِ المخصصةِ لى، وكانت قريبةً جدًا من المحكمة، وأرسلتُ الحاجبَ لإحضارِ طبيبٍ، ورغم حضور الطبيبِ مسرعًا إلا أن الدقائق التى مرت حتى مجيئِه، كانت كأنها ساعاتٌ طويلة، لم يذهب الحاجبُ إلى أقربِ طبيب، بل اختار طبيبًا قبطيًا، قال لي عندما سألته عن سبب تأخره: إنه لن يسمح لطبيبٍ غيره بمعالجتي لأنه يثق فيه، ويخاف عليَّ، وما هي إلا لحظاتٌ حتى أذهب الله ألمي- بلا رجعةٍ - على يد هذا الطبيبِ الذي ظل يطمئننُ على حالتي من وقتٍ إلى آخر، هل يعتقد مخلوقٌ على ظهرِ الأرض أن اليدَ التي امتدت إلىَّ بالرحمة، وجعلها الله سببًا لمداواة ألمي، يمكن أن يرتد إحسانُها لي بإساءةٍ مني، أو أنني- يومًا- أرضى بذلك من غيري.
وهل من الممكنِ أن أسمح أن يُؤخذ قبطي- يعيش على أرض مصر- بذنبٍ ارتكبَه غيرُه؟ فما بالكم بمن جمعتنى به صداقةٌ أوزمالةٌ أو جيرةٌ، أحسنَ إليَّ وأحسنتُ إليه، أيتصور أحدٌ أن يُظلم عندنا أو أن يُستضعف يومًا، وأن يقال إن أخًا بيننا هَزُلا، إن هذا لم يحدثْ ولن يحدثَ؟ لأن لدينا ألفَ مانعٍ يمنعُنا، فالأقباطُ يعيشون بيننا في بلدٍ واحد، وربما جمعنا بهم عقارٌ واحدٌ أو شارعٌ واحد أو عملٌ واحد، يجمعُنا أصلٌ واحدٌ، ولسانٌ عربي واحد.
ولقد أوصى الرسول عليه الصلاة والسلام بأهل الكتاب عامةً، وبقبطِ مصر خاصةً، ولم يتزوج بغير عربيةً إلا السيدةَ ماريةَ القبطية، وغلَّظ عقابَ من يؤذي ذِمِّيًا، وأخذ على نفسِه عهدًا بالقصاص له يوم القيامة، هذا عهدُ رسولِ الله، وميثاقُ الإسلام، ومِنْ بعدِه عهد عمر بن الخطاب، فوالله العظيم، والله العظيم لن ننقض عهد رسول الله ولا عهد عمر طالما أمنت دماءُ المسلمين ومقدساتُهم على هذه الأرض.
أقول لإخوانِنا الأقباطِ.. لا تنقضوا عهدنَا معكم، بيننا وبينكم الدماءُ والمقدسات، فلا تقربوها، لا نريدُ منكم غير ذلك، لأن الإسلامَ حرم علينا دماءَكم ومقدساتِكم ما لم تنقضوا العهد، ومن قبلُ أمرنا المسيح عليه السلام- مسلمين ومسيحيين- أن يحب بعضُنا بعضًا، بيننا رحمٌ لا تقطعوها، وأخُوةٌ لا تبيعوها، حافظَ أسلافُنا على المحبةِ بيننا، فوُلِدنا على تلك المحبة، فسيروا على دربِ الآباءِ والأجداد، حتى تستمر المحبةُ بين أبنائِنا وأحفادِنا، أم تريدون أن يقتُل أولادُنا بعضُهم بعضًا.
إن مصرَ ليست نظامَ حكمٍ يتغير، بل إن مصرَ شعبٌ لا يتغير، فاركنوا إلى ما لا يتغير، واتركو ما يتغير، نحن أقرب لكم رَحمًا من باقى مذاهب الدينِ المسيحىِّ وطوائفِه ومللِه، فالأرثوزوكسيةُ المصريةُ أقربُ ما يكونُ إلى الإسلام، لأن خبرَ المسيحِ عليه السلام وصلَ من بيتِ المقدسِ إلى مصرَ قبل أن يصلَ أوروبا، فوصل أصح مما وصل أوروبا.
وأسألُكم من الذى أحل ساويرس محلَ بابا الكنيسةِ المصرية، وأقعدَه على كرسي الرئاسةِ الدينيةِ لها، فأصبح يتحدثُ- دون البابا- عن المسيحيةِ فى مصر، وأصبح يجمع السلطتين الدينية والدنيوية عليكم، من الذى سمح له أن يعبث بتاريخٍ كتبت حروفَه الأيامُ والسنونَ سطورًا من الحبِ والإيخاء، وأن يبدل ماجاء به أحمدُ والمسيحُ من نظام تعايشٍ سلمي يصلح لكل زمانٍ ومكان، هل قال لكم إن أمريكا والغربَ المسيحىِّ سينتفضان لنصرتِكم، هل رأيتموهما- من قبلُ- ينتصران لأحدٍ عير مصالحهما؟ ما الثمنُ الذي ستقدمونه لقاءَ نصرتهما لكم على إخوانكم؟ هل ستتبعون مذهبهما الكاثوليكي؟ وهل سيتركانِكم- يومًا واحدًا- على ملتكم؟ هل نسيتم ما فعل الرومانُ بكم من ظلمٍ وقتلٍ وإبادةٍ، وأن الإسلام- وحده- هو من نصركم، ورفعَ الظلمَ عنكم، فأمنتم ديارَ الإسلامِ حتى في زمنِ الحملات الصليبية على العالم الإسلامي، فلم تجدوا إلا العدلَ والإخاء، إن الذي يفعلُه ساويرس ومن معه يوردُ المسيحيةَ في مصرَ أبوابَ الجحيم، فمتى تدق أجراسُ الكنائسِ إنذارًا بذلك الخطر.
----------
* رئيس محكمة المنصورة الابتدائية عضو المكتب التنفيذي لحركة قضاة من أجل مصر.