الأمن القومي لأي دولة، هو تلك الأمور والقضايا المتعلقة بحماية الدولة، وبقائها، وضمانة أمن حدودها، وهو يشمل: الجوانب العسكرية والاقتصادية والاجتماعية، بما فيها مرتكزات الشأن المعنوي للمواطنين لمواجهة التحديات والتهديدات.
ولو نظرنا إلى تلك الجوانب عندنا الآن لوجدنا خللا كبيرًا، وتهديدًا واضحًا للأمن القومي المصري، بل لا نبالغ إذ قلنا إن كل مجالات ومرتكزات الأمن القومي بعد الانقلاب الغادر صارت مهددة ملغمة، وإذا لم تعالج سريعًا وبنيات صادقة وتوجهات وطنية خالصة، فتوقعوا مصائب وكوارث- لا سمح الله- قد تجعل هذا البلد أثرًا بعد عين.
إن أول مرتكز في مرتكزات الأمن القومي، هو حماية الجبهة الداخلية، وصونها من الفتنة والتفتت والصراعات، وحماية الأخلاق، وتوفير احتياجات المواطنين من السلع والخدمات، ومنع المذاهب الهدامة والنظريات الإلحادية والإباحية من التسلل إليها.. وهذا كله لا نجد له دليلاً واحدًا على أرض الواقع.
فقد قسّمنا الانقلابيون شعبين اثنين، أحدهما يقتله الجيش ويطارده في كل مكان، والآخر يجهز له الميادين للتظاهر ويوزع عليه الهدايا والحلوى، شعب يقول للجيش (تسلم الأيادي)، والآخر يقول له (تتشل الأيادي)، والسؤال: ماذا لو دخل هذا الجيش حربًا؟، هل سيجد الشعب بكامله خلفه أم سيكون الشعب منقسمًا كما هو الآن؟!.. ساعتها سوف ينكشف ظهر الجيش، ولن يجد من يسانده، وسوف تكون حربه حربين، واحدة على الجبهة الخارجية، والأخرى في الداخل للملمة الجراح وإصلاح ما تم هدمه من قبل، ومعلوم أن أوقات الحروب عصيبة، تحتاج إلى تلاحم الجميع، وتعاونهم وتكاتفهم، بل لا بد أن يكونوا على درجة عالية من الحب والوئام والاحتمال.. فليقل لنا الانقلابيون: ماذا سيفعلون وقتها؟ أم أن قصة مواجهة الصهاينة لم تعد في تفكيرهم؟!.
إننا صرنا على شفا حرب أهلية، لما فعله العسكر من دق الأسافين بين المواطنين، حتى صار الرجل يعادى أباه ويعادى أمه وأخاه، وحتى تفككت الأسرة الواحدة والعائلة الواحدة، فكيف لشعب مثلنا أن ينهض، أو أن يواجه- لا قدر الله- محنة خارجية، وهو على هذه الصورة من التفرق والتشرذم والعداوة التي ليس لها سبب، فنحن- بفضل الله- شعب عافاه الله من الطائفية والمذهبية والتعدد العرقي، وهو- في الأصل- شعب متجانس أخلاقيًّا ونفسيًّا، وهذه المزايا نفعته في أزمات سابقة لا تحصى ولا تعد، حتى عُرف عن شعبنا أنه صابر كثير الاحتمال لدرجة أن اعتبرها البعض عيبًا فيه، ولو وضع الشعب الآن في محنة كالتي مرت عليه من قبل، فسوف نجد شعبًا آخر: جزعًا، هلعًا، لديه أثرة، سريع الغضب، فما أفسده هذا الفساد إلا العسكر الذين نظروا إلى مصالحهم الآنية الضيقة، ولم يفكروا في مصالح البلد، وأمنه واستقراره.
إن تماسك المجتمع وحفظ أمنه القومي وصيانة جبهته الداخلية، يتطلب أيضًا تفعيل مبدأ المواطنة بين الجميع؛ من حيث المساواة والحرية والمشاركة، وهي أسس ثلاثة تضمن الخير للجميع ورضاهم، دون استثناء أو تمييز أو انتقاص، ما يضمن استقرارًا على المستويات كافة، وما نراه الآن يخالف- تمامًا- هذه النظرية، فلا حرية ولا مساواة ولا مشاركة، فكيف نتحدث عن حرية وهناك آلاف القتلى والمعتقلين والمطاردين، وكيف نتحدث عن مساواة وهناك تصنيف جاهز يصم كل من يساند الشرعية بالتطرف والإرهاب، وهذا ليس له إلا القتل أو السجن والتغييب.. من ثم فإننا لسنا بإزاء دولة، بل غابة يأكل فيها القوى الضعيف، أو من يملك القوة يتخلص ممن لا يملكها.. أما من فعل هذا أيضًا فهم الانقلابيون، الذين كبتوا الجميع فلا ينطقون بخير أو بسوء، وداسوا بأقدامهم على المثل والدين، فالناس في نظرهم ليسوا سواسية، بل فيهم الموالون لهم فهم الشرفاء الأكفاء، وفيهم من يعارضونهم فليس لهم إلا السلاح.
وأين الانقلابيون من ضمانات الأمن القومي المصري، وقد أججوا نار الحزبية، وهي أول ما ينسف السلم الاجتماعي؟، وأين هم وقد وضعوا دستورًا معيبًا تشرع مواده للفتنة الطائفية؛ بسماحها للأقباط ببناء كنائس دون حساب، وبإعطائهم (كوتة) من دون الآخرين، ما يؤجج العداوة في نفوس الغالبية التي تعتبر هذا تعديًا على حقوقها وتهديدًا لدينها، كما شرع دستورهم للإباحية والانفلات الأخلاقي، بل للإلحاد والتشيع ونشر الرذيلة، فلا يجوز لآحاد الناس رفع دعوى قضائية لمنع ضرر أخلاقي إلا بإذن النيابة (الموالية للسلطة العلمانية)، وقد حذفوا مواد دستور 2012 التي تحض على الفضيلة وتحمى الأخلاق.. فهل بعد هذه الألغام ننتظر سلمًا اجتماعيًّا أو توافقًا بين المواطنين؟!
إن نهضة الشعوب لا تتم فجأة وليست على طريقة (كن فيكون)، إنما تسبقها مراحل معروفة، معلومة الخطوات، والواقع أن الشعوب المأزومة المحكومة بأنظمة قمعية فاشية لا يمكن أن تكون لها مكانة بين الشعوب، فالمرتعشون لا ينتجون، والفقراء لا يتقدمون، والمتنازعون تذهب ريحهم فلا يستطيعون مواجهة عدوهم.. وإذا ما أردنا الحفاظ على أمننا القومي، فعلينا أولاص تطهير جبهتنا الداخلية، وصنع السلام بين الجميع.. ولا حل لهذه الأزمة إلا بالخلاص من الانقلاب، ومن حكم العسكر، فما من مصيبة نعانيها الآن إلا وهم صانعوها، ولو ظللنا على هذا الوضع لصرنا ماضيًا غير مشرف.. ولله الأمر من قبل ومن بعد.