انتظرت بشغف فعاليات ذكرى شهداء "محمد محمود" في 19/11، وراهنت ومعي الجميع، أنه سيكون يومًا مزلزلاً، يومًا يساوي هذه القسوة التي تعاملت بها قوات الجيش والشرطة مع الشباب المتظاهر، هذه القسوة التي انتقلت إلى قلوب شباب الثورة ولم يتحركوا بالاعتراض على قتل شهداء الشرعية في المجازر التي حركت القاصي والداني في أرجاء المعمورة، انتظرت من الشباب الثائر الذي قسا قلبه وتحجرت مدامعه ضد "الإخوان" رفاق الثورة.. انتظرت كيف سيكون ردهم مروعًا لمن قتلهم، فرأيتهم في الميدان ويا ليتني ما رأيتهم.
رأيت بضعة آلاف من الشباب يخرجون حماسهم في تمثال حجري وضعته الحكومة الانقلابية باسم النصب التذكاري لشهداء محمد محمود، ثم رأيتهم يتلعثمون ولا يدرون ماذا يفعلون.
هتفوا ضد الجيش والشرطة و"الإخوان"، ولم يطوروا طلباتهم ولا فعلوا مجهودًا يذكر طوال السنوات الماضية من أجل الشهداء إلا التظاهر "ونجيب حقهم يا نموت زيهم"، ولم يتعلموا من التحالف الذي يقود معركة في كل الاتجاهات ضد الانقلاب رغم الرصاص الحي والمدرعات والقناصة.
ورأيتهم حيارى وجدوا ضالتهم في الاصطدام بالجيش والشرطة آخر الليل، وهم الذين أيدوهم للانقلاب على منظومة الشرعية التي أتت بها الثورة أول النهار.. وقدموا شهيدين تم التعتيم عليهما، فدماء هؤلاء ليست مثل "جيكا" ولا "كريستي"، الذين تاجر الجميع بدمائهم الزكية هم وأمثالهما، والآن انفض سوق التجارة بالدم.. فلا سعر لهم.
جاءت الثائرة "رانيا فاروق" على التليفون مع الجزيرة وظلت في منتهى الثورية حين تحدثت عن (الإخوان باعونا) ولكن حين سئلت: الإخوان باعوكم وأنتم عاقبتموهم بالمثل في فض رابعة فماذا فعلتم بمن قتلوكم؟
تلعثمت الثائرة وقالت: القضاء، فقال لها الصحفي "سامي كمال الدين": ولكن القضاء أفرج عمن قتلوا شهداء بورسعيد، فتلعثمت وقالت: نعم هناك مشكلات في كل الإجراءات ولا ندري ماذا نفعل، فقال لها المذيع: أسألك من قتل الشهداء؟ فقالت: لست مخوَّلة عن أحد لأقول من الذي قتل!!
فقال لها المذيع: إذن فإلى من تشير أصابع الاتهام؟
فقالت: لا أستطيع أن أجزم!!
فقال لها: أليس الجيش والشرطة متهمين؟
هنا زاد التلعثم وظهر الخوف المريع فقالت: لا لا أستطيع أن أتهم أحدًا!!!
من قتل شهداء محمد محمود أصبح فجأة غير معلوم ولكن المعلوم تمامًا أن "الإخوان باعونا"، أي سخرية هذه وأي مهزلة تلك؟!
لقد احترمنا اتهامكم، وبعضنا مال لرأيكم ورأي أن "الإخوان" أخطأوا والبعض الآخر رأى أنه كان اجتهادًا مقدَّرًا بقدر ما توفر من معلومات في ذلك الوقت، وكلنا استنكرنا تصريحات بعض أعضاء مجلس الشعب المبنية على معلومات خاطئة تبرئ الشرطة وقتها، ولكن لم نكن نتخيل أن شباب الثورة الذين صدَّرهم الانقلابيون في معارضة "د. مرسي" سيلجمهم الخوف، ويضع أحجارًا على ألسنتهم فلا تنطق في وجه الطغيان إلا رسالة مسجلة "الإخوان باعونا" بينما شباب الأزهر- في نفس التوقيت- يقدمون ثورة طلابية تكفي وحدها لتقود الموجة الأخيرة من ثورة الشعب، ولا تحدثني عن الحرائر وراء القضبان أو في الأكفان.
لم نكن نعلم أن الأعين قد وضعت عليها ستائر الغشاوة عمدًا حتى أصبحت لا ترى إلا إدانة تصريحات "الرئيس الشرعي" يمدح أجهزة الشرطة والقوات المسلحة، وكأن "الرئيس" كان ينبغي أن يصطدم بمؤسسات الدولة التي يقودها أو أن يدعو للتظاهر ضدهم، في وقت لم يروه وهو يقوم بدوره كرئيس حقيقي، وقد ظهر ذلك في تقرير لجنة تقصي الحقائق الذي قدمه المستشار "عزت شرباش"- وهي اللجنة الوحيدة التي قدمت نتائج حقيقية بين كل اللجان التي تشكلت قبل "د. مرسي" وبعده- وأدانت بوضوح الشرطة والجيش وتم تقديم التقرير للنيابة التي كان رئيسها المحترم محلاً للهجوم الضاري، وكاد العدل يأخذ مجراه، لولا الصخب الذي انتهى بالانقلاب، بما يعني أن هؤلاء الثوار (المخدوعين) هم الذين أضاعوا حق الشهداء برعونتهم وسيرهم عميانًا وراء كل ناعق، ويخطئون بالأمس في تقدير رئيسهم ويواصلون خطاياهم اليوم بالتخبط، ولا نجاة أمامهم إلا بالتطهر بماء ثورة الشرعية.
ولقد صدق "وائل قنديل" برد الفرية عن "الإخوان" حين أوضح بأن الجميع يعلم أن "الإخوان" لو باعوا في موقعة الجمل ما قامت للثورة قائمة، وأن الآخرين هم من باع الإخوان" يوم تركوا الميدان تأثرًا بالخطاب العاطفي للمخلوع أو خوفًا من بطش يوم الجمل، ولم يُصَدِّر "الإخوان" خطابًا استعلائيًّا ولا فضحوا من تقهقر، ولكن جمعتهم برفاق الثورة أحضان النصر.
و"الإخوان" لم يتهموا أحدًا ببيعهم حين انفرد بهم نظام مبارك ونكل بهم وأغلق شركاتهم وصادر أموالهم وحاكمهم عسكريًّا وزوَّر الانتخابات ضدهم، ولم تكن هنالك ألسنة تنطق، ولم يلم "الإخوان" أحدًا، وكم ذاق "الإخوان" خيانات من رفاق درب، ولكنهم غفروا وقالوا لن ننظر إلى الوراء رغم أن فطنتهم أكبر من التلاعب بهم، واسألوا "حمدين صباحي" ورجاله الذين حملهم "الإخوان" إلى مجلس الشعب ونقابة المحامين، وكانوا مغمورين ولم يسمع بهم أحد، واسألوا حزب الوفد الذي حملته يد "عمر التلمساني" لتضعه في النور بعد أن كان في مجاهيل السياسة بعد حركة 52، واسألوا حركة كفاية والجمعية الوطنية للتغيير اللتين مدهما الإخوان بكل الطاقات ليبرزا ككيانات سياسية حية محترمة.
إذا فتحنا الدفاتر سنغضب أبناء "الإخوان" الذين يتهمون قيادتهم- بل ورئيسهم- بالتسامح الذي يصل للمهانة، ولسنا كذلك، ولكننا نعرف تمامًا ما معنى مسئولية وطن ونتسامى عما يحدث في حقنا حتى لا يشغلنا الثأر عن الوصول بالأمة للأمان.
واسألوا شباب الثورة الذين قالوا إن "الإخوان" باعوهم في محمد محمود بسبب البرلمان يوم كان الانتقال إلى جدول زمني سياسي تحقق فيه الأمة إرادتها باختيار رئيسها ونوابها وقيادات مؤسساتها النقابية والحكومية، اسألوهم ألم يكن "الإخوان" مُصرِّين على وضع هؤلاء الشباب على رؤوس قوائم الانتخابات ليشارك الجميع في السلطة.. وقدم "الإخوان" أنفسهم كرافعة اجتماعية للثوار وليس منافسًا لهم؟
ألم يرفضوا جميعًا طلب "الرئيس" لهم بالمشاركة بمسئولية الحكم خوفًا من المسئولية المهولة بعد الثورة، حتى اعترفت "أسماء محفوظ" وطلبت من الجميع ألا يلوموا "د. مرسي" بعد ذلك لأنها شاهدة على عرضه عليهم واعتذارهم جميعًا؟
لم يذهب الإخوان إلى مغنم لأنفسهم أبدًا، نقولها وكلنا ثقة مهما زايد المزايدون الذين لم يعد في جعبتهم إلا السخرية والنجومية، أما مصالح الوطن فالكل سيعلم- في حينه- من كان يضحي من أجلها، ومن تركها، ومن خاف وباعها، ومن شُغل بالانتقام لنفسه عنها.
إن إصرار الشباب على مبدأ "الإخوان باعونا" تؤكد أن أعمارهم ومداركهم لم تصل بعد إلى تحمل مسئولية وطن، للدرجة الذين لا يعرفون فيها الصديق من العدو؟
وشغلتهم غريزة الانتقام السفيه، وكأننا بهم وهم يرون المجازر ضد "الإخوان" يقولون:
(أحسن ياكش يولعوا في بعض) وهذه هي طبيعة ضيقي الأفق الذين تشغلهم الثارات الشخصية، ثم يبنون صروحًا من الوهم حتى يقنعوا أنفسهم بأن لهم مناهج منطقية في حين أنها مجرد غرائز بشرية يحركها الهوى، وتغذيها الحيرة.
إن التسعين مليونًا شهيدًا!! ينتظرون قصاصًا لهم ينتهي بهم إلى العدالة والحرية، وهؤلاء الشهداء- أي الشعب كله- يخدعهم السيسي الآن، وشباب الثورة يعلمون ولا يغضبون، فشباب الثورة- إذن- يبيع 90مليون شهيد ...لأن "الإخوان باعونا"!
هل أصبحت المواقف لها ثمن غالٍ لا يستطيعه الجميع فآثر السلامة؟
الحقيقة: إن الميادين مفتوحة، وأن الذي باع يعرف نفسه متى باع ولمن باع وكم كان الثمن؟
أما الذي اتخذ العقيدة منهجًا والتضحية سبيلاً، فهذا لا ترده اتهامات، ولا تردعه رصاصات.
الثورة في الميدان و"الإخوان" يمدون أياديهم بعد أن قدموا أرواحهم، من أراد تطهير نفسه ومواجهة الحقيقة ونفض ركام الزيف فليحق بهم.
الثورة مستمرة.
مكملين.
لا رجوع.