لم يكن لوط النبي- عليه السلام- واحدًا عاديًا من البشر، بل كان نبيًّا ذا شأن ومكانة عند ربه (وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلاًّ فضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ (86)) (الأنعام)، ورغم ذلك فإن سفهاء قومه عادوه وتربصوا به؛ لأنه نصحهم ووعظهم ودلهم على طريق الخير، وحذرهم من طريق الضلال الذي كانوا يسلكونه؛ إذ كانوا يأتون فاحشة ما سبقهم بها أحد من العالمين، هي إتيان الذكورِ الذكورَ.
كانت جريمة لوط- حسب قومه الفاسقين-، هي العفاف والطهر، أما هم فيبغونها فحشًا ورذيلةً، ما دفعهم إلى أن تنادوا بإخراج آل لوط من بلدهم (وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّن الْعَالَمِينَ (80) إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاء بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ (81) وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُواْ أَخْرِجُوهُم مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (82)) (الأعراف).
ولقد بلغ السفه منتهاه عندما هرعوا إليه يومًا طامعين فيمن أتاه من رسل الله، وكان موقفًا عصيبًا واجهه لوط؛ إذ لم يكن يتخيل أن تصل الجريمة إلى هذا الحد، ومع من؟!: مع ضيوفه من الملائكة المكرمين.. لم تفلح توسلات لوط في صرفهم عن هذا الخبث، كما لم يقبلوا هم العرض الذي قدمه إليهم بالزواج من بناته، وتمادوا في غيهم وكفرهم، ما جعل نبي الله الكريم يتحسر أن ليس له قوة تردعهم وليست له عشيرة تحميه وترد عنه إجرامهم ودنسهم، فكان رد الله عاجلاً وقضاؤه مبرمًا؛ إذ لم يأت الصبح إلا وجعل- سبحانه ذو الحول والطول- قراهم خرابًا دمارًا، حيث قلبها فصار عاليها سافلها، وزاد على ذلك أن أمطر عليهم حجارة العذاب الأليم (فَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ (82) مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (83)) (هود).
أما الإخوان المسلمون في مصر فإن مثلهم كمثل آل لوط فإنهم يقتلون ويطاردون وينكل بهم بلا ذنب أو جريرة سوى أنهم يريدون الإصلاح، ويسعون في طلب الحق والعدل، ويبغون تحرير شعبهم من قيد الديكتاتورية ونير الاستبداد.
لم يكن الإخوان يومًا سارقين أو مرتشين، أو عملاء، بل هم دائمًا في خدمة أوطانهم وشعوبهم، تراهم في كل محفل بارزين، يعلون شأن الدين، ويكافحون التحلل والفساد ويضحون بالغالي والنفيس، ويتعرضون لشتى صنوف الإهانات والتعذيب فما يصرفهم ذلك عن دينهم أو طريقهم شيئًا؛ لإيمانهم أن تلك الطريق هي الموصلة لمراد الله، وهي التي عليها صلاح الدنيا والدين، واستقامة البلاد والعباد.
وصفات الإخوان تلك لا ينكرها إلا جاحد، ورغم ذلك فإن الأحزاب مجتمعة على حربهم، تمامًا مثلما حدث مع آل لوط الأبرار الأطهار، والسبب واضح: فإن النخبة والفسدة يبغونها عوجًا؛ إذ الصلاح والاستقامة يطردانهم من الساحة، ويمنعان عنهم أموالاً ومصالح ومناصب لا حدود لها، فالحل إذًا في إخراج الإخوان من البلد، والإسراع بالتخلص منهم قبل أن يقطعوا عليهم شهواتهم ومخصصاتهم.. وإذا كان قوم لوط قد رفضوا الحوار ولم يقبلوا المنطق، فإن هؤلاء قاموا بالدور نفسه، فهم يرفضون المصالحة ويمتنعون عن الجلوس مع الأطهار المصلحين على مائدة واحدة؛ لأن في هذا الجلوس خطرًا على الوضع القائم الذي هيأوا أنفسهم له.. أما الحل الأسهل بالنسبة لهم فهو قلب الأمور وعكس الحقائق، وإظهار الإخوان باعتبارهم هم من خرجوا على المجتمع وخالفوا قواعده وأعرافه واستنوا لأنفسهم طريقة معينة في العيش وممارسة الحياة.
أما عن استمرار الأوضاع على ما هي عليه من شذوذ وغرابة، فهذا ما لا نسمع عنه في تصاريف الله في خلقه، أو حتى في قوانين وأعراف البشر، فالحق أحق أن يتبع، والله لا يرضى لعباده الكفر، وإن من ناموسه أن جعل التدافع بين الأقوام سنة؛ ذلك ليظل يُعبد فلا تفسد الأرض ولا تتهدم بيوته في الأرض بأيدي قلة فاسدة من خلقه لا عقل لها.