لم يعد خافيًا على أحد الدور الخبيث الذي لعبه الأستاذ محمد حسنين هيكل في الانقلاب العسكري الدموي الفاشي ومصرع خمسة آلاف مصري بريء بيد القتلة المجرمين، فضلاً عن إصابة عشرة آلاف واعتقال أضعافهم، وما زالت الملاحقة والترويع والاعتقال مستمرة.


هيكل الذي جعله صبيانه وقادة الانقلاب الدموي فيلسوفًا ومنظِّرًا ومخططًا وملهمًا، حاول أن يبدو في صورة المراقب والمحلل والملاحظ من بعيد ليتنصل من المسئولية والمشاركة في الجريمة التي أصابت آلاف البيوت المصرية، فضلاً عن التأييد العدواني لسلب الشعب المصري حريته واستقلاله والتعبير عن إرادته.


هيكل يبدو أمام العالم في صورة الرجل المتحضر الديمقراطي، ويوهم أصدقاءه من الصحفيين العالميين أنه رجل يعمل من أجل الحرية ويقف إلى جانب الشعوب وليس إلى الحكام، ومع أن الشعب المصري اكتشف دوره الخبيث منذ ساعد جمال عبد الناصر في طغيانه وجبروته وقهره للمصريين، فقد كان يزيف صورة غير حقيقية أمام أصدقائه في العالم.
من سوء حظ هيكل أن الانقلاب الأخير كشف كثيرًا من الزيف والأضاليل التي ابتلينا بها على مدى تاريخ طويل، ومن بينها خرافة هيكل، كنا نتمنى أن يحافظ الرجل على صورة حقيقية وصادقة للصحفي الباحث عن الحقيقة وليس الصحفي الصانع للطاغية والمسوغ لجرائمه واستبداده.


يبدو هيكل متغطرسًا ومتعجرفًا إزاء ما يقوله له أبناء وطنه، وقد ينظر إليهم باستعلاء قبيح وكريه بوصفهم يغارون منه أو يحقدون عليه، ولكن ماذا يقول في الأجانب المشاهير الذين يكشفونه وهم ليسوا من مدرسة مصطفى وعلي أمين، وليسوا من الإخوان المسلمين أو خلاياهم النائمة المزعومة؛ هل يمكن أن نعد سيمورش هيرش مثلاً من الحاقدين عليه وهو صديقه المعروف على مدى سنوات طويلة، وقد دعاه هيكل ليلقي محاضرة بالجامعة الأمريكية بالقاهرة منذ فترة ويقدمه للجمهور محتفيًا به ومقدرًا؟ سيمور هيرش الصحفي الأمريكي اليهودي المولود في شيكاغو والفائز بجائزة بولتزر للصحافة والمشهور باكتشاف مذبحة قرية ماي لاي التي قامت بها القوات الأمريكية خلال حرب فيتنام عام 1969 يقدم شهادته عن هيكل عقب مشاركة الأخير في الانقلاب العسكري الدموي الفاشي، وبعد أن أغلق هيكل هاتفه بوجهه.


يقول هيرش في مقال له بصحيفة الواشنطن بوست: "في محاضرتي التي ألقيتها في الجامعة الأمريكية بمصر قبل الثورة بأعوام قليلة؛ حيث استضافني (محمد حسنين هيكل) وجلس إلى جواري وقتها، قل : مصر في مضمونها عبارة عن مؤسستين عريقتين وما سواهما يتبع كلاًّ منهما، وهما: الجيش والإخوان، وقلت في هذه المحاضرة بالنص: إذا وصل الإخوان إلى الحكم بثورة أو بصفقة أو بأي طريقة كانت، ستواجه بحرب شرسة من جيش عميق مغروس حتى العنق في أمور السياسة بشكل غير مباشر وغير مرئي أو مكشوف.


بعد المحاضرة سألني هيكل قائلاً: هل تعتقد أن الجيش سيسمح للإخوان بالوصول إلى الحكم ورؤية العجب العجاب من فساد متراكم ويسلمون بأنفسهم أرواحهم أو حريتهم للإخوان؟ قلت له: قد يحدث هذا بثورة يضحي فيها الآلاف بأرواحهم مقابل تطهير مؤسسة الجيش، وهي المؤسسة التي لو طهرت ستسير البلاد نحو مستقبل واضح.


ابتسم هيكل حينها ساخرًا وقال: أي شعب هذا الذي تحدثني عنه الذي سيضحي بالآلاف ليطهر الدولة والجيش.


فابتسمت ساخرًا منه، واتصلت به منذ أيام وقلت له: يا هيكل ها هو الشعب يا صديقي وقد ثار ضد الجيش وضحَّى بالآلاف مقابل حريته وكرامته، وها أنت تساند الجيش الذي أكدت لي أنه سفينة تبحر في محيط من الفساد، ولكنه أغلق الهاتف في وجهي ثم أغلق كل أرقامه التي أعرفها، وبما أنك يا صديقي تعرف عني أني عنيد سأخاطبك قائلاً: كن شجاعًا واعترف أنك قلت لي: إن الجيش يجب أن يبتعد عن السياسة ويلتفت لعدوه الأساسي ويترك الحكم لأي حكومة حتى ولو كانت إسلامية، وأنك قلت إن الحكومة الإسلامية هي الوحيدة التي يمكن أن تجبر العالم على القبول بمصر في وضع جديد، وإن الليبراليين والإعلاميين أغلبهم مجندون للأجهزة الحساسة.


أنت لست شجاعًا وإلا لماذا خالفت مبادئك وساندت العسكر ووقفت في الجانب الذي تعرف جيدًاأنه الجانب الخاطئ؟ افتح هاتفك يا هيكل فأنا لا يشرفني الاتصال بك ثانية..
 لقد سقط القناع عن هيكل واختفى هيكل الذي كنت أحترمه..


قارن ما كتبه سيمور هيرش بما كتبته صحفية مصرية عجوز موالية لهيكل تمدحه بما ليس فيه وتنافقه نفاقًا فجًّا ورخيصًا، تقول بعد أن تصفه بأنه قمر الكتابة الكاشف: إنه الأستاذ هيكل... الذي أبى إلا أن يحول عيد مولده إلى هلّة وطلّة وهالة القمر على تلاميذه وقرائه الذين ينتظرون دومًا مقالاته التي تكشف بضوئها كل ما يحيط بنا بفلسفة البساطة والسهل الممتنع... 


وتقول عن سنواته التسعين: "وصلنا منها مائة عام من الخبرة وتسلمنا منها أمانة الكلمة واحترام عقلية القارئ، سواء جالسًا على المصطبة في القرية أو يأكل المارون جلاسيه في الصالون.. إنه يختار الكلمة التي تبني ويبدأ من قاعدة الهرم وصولاً إلى قمته..".


قارن هذا الكلام المتهافت بكلام هيرش الذي يضربه كلام هيرش ويسقطه من جذوره، ولماذا نذهب بعيدًا وها هو ناحوم تشومسكي المفكر الأمريكي الشهير الذي يتوقع عودة الشرعية والرئيس مرسي وانتصار الشعب المصري المقاوم على الانقلاب العسكري الدموي الفاشي يقول عن هيكل في محاضرة بجامعة كاليفورنيا التي درّس فيها الرئيس الشرعي محمد مرسي: "اتصل بي هيكل وهو صحفي مصري شهير ويدعم الانقلابيين وسخرته المؤسسة لأهدافها واستعانت به ليكون وسيطًا بينها وبين الإخوان وفشل.. وسألني كيف تنشر أن مرسي سيعود ومن أين جئت بهذه الثقة؟ فقلت له أنتم عرضتم على الإخوان كل العروض بما فيها رئاسة الوزراء ولكنهم رفضوا، فما هو العرض الأخير الذي لم يعرض بعد وهو عودة الشرعية المتمثلة في مرسي، رفض هيكل أن يقتنع أن منصب رئيس الجمهورية شاغر، وسيظل حتى عودة الرئيس ولو قتل العسكر مليونًا، وقلت له: ياللأسف أنت لوَّثت تاريخك في آخره، ولن يذكرك التاريخ إلا بأنك كنت سببًا في مقتل ألوف سلميين".


من المستحيل أن يفلت هيكل من حكم التاريخ الذي يسجل عليه كثيرًا من الخطايا في حق الوطن والشعب والمصريين الذين منحوه ما لم يحلم به، وقدروا موهبته بأكثر مما تستحق، فكان جزاؤهم أن يتآمر على ثورتهم وحريتهم وديمقراطيتهم الوليدة انحيازًا منه للقتلة الطغاة الذين استبدوا بالبلاد وقمعوا أهلها وروعوهم ومنحوا القانون إجازة مفتوحة.