أكدت البيانات الرسمية لحكومة الانقلاب العسكري تراجع المؤشرات الاقتصادية خلال فترة توليها؛ حيث أشارت بيانات وزارة الاستثمار إلى تراجع عدد الشركات الجديدة خلال شهري يوليو وأغسطس الماضيين، وكذلك انخفاض الاستثمارات الحكومية، وأشارت بيانات وزارة السياحة إلى تراجع أعداد السياح الواصلين خلال الشهرين.


وأشارت بيانات وزارة المالية لزيادة عجز الموازنة خلال الشهرين، كما أظهرت بيانات جهاز الإحصاء تراجع قيمة الصادرات خلال شهر يوليو، وارتفاع معدلات التضخم خلال شهور يوليو وأغسطس وسبتمبر، وأشارت بيانات وزارة النقل لتراجع إيرادات السكك الحديدية، ونفس الأمر لوزارات الطيران المدني والثقافة والآثار فيما يخص إيرادات المطارات والمتاحف والمزارات الأثرية.


وهكذا تجمعت عوامل الاضطراب الأمني خلال المائة يوم الأولى لحكومة الانقلاب، وفرض حظر التجول وانخفاض الساعات المتاحة للحركة والعمل والنقل وتعطيل حركة القطارات، والمجازر المتكررة في العديد من الأماكن واستمرار الاعتقالات، في تراجع مؤشر الثقة بالمستقبل لدى عموم المصريين.


وتسببت حالة عدم اليقين والنظرة المتشائمة أو الحذرة تجاه المستقبل، في إحجام الكثيرين عن الإنفاق والاستهلاك لكثير من السلع والخدمات؛ الأمر الذي أدَّى لقلة الطلب على السلع والخدمات وتراجع المبيعات؛ ما انعكس على خفض الطاقات الإنتاجية بالعديد من المشروعات الإنتاجية، وتقليص شركات أجنبية ومحلية عديدة لنشاطها، والتخلص من جانب من العمالة لديها مما زاد من معدلات البطالة.


كما تسبب تراجع الثقة بالمستقبل في إحجام الكثيرين عن القيام بمشروعات جديدة، أو إجراء توسعات بالمشروعات القائمة، في ظلِّ إجراءات حكومية بمنع مستثمرين من التصرف في أموالهم رغم عدم صدور أحكام قضائية بشأنهم، ورغم تعارض تلك الإجراءات مع نصوص قانون الاستثمار، إلى جانب قيام البعض بالدعوة لعدم التعامل مع المحال التجارية التابعة لرموز من التيار الإسلامي، بل وقيام البعض بتدمير بعض تلك المنشآت التجارية دون أي تدخلٍ من جانب أجهزة الأمن؛ ما أشاع جوًّا من الفزع بين المستثمرين في حالة وجود إشاعة تخص انتماء أحدهم أو حتى تعاطفه مع التيارات الإسلامية.


وكانت النتيجة الإجمالية انخفاض كم السلع والخدمات المعروض بالأسواق، مما انعكس على زيادة التضخم رغم انخفاض معدلات الطلب نسبيًّا، الأمر الذي يعني تآكل قيمة النقود بنسب تتخطى العشرة بالمائة حسب البيانات الرسمية، رغم التحفظ على طريقة احتساب مؤشر أسعار المستهلكين بجهاز الإحصاء؛ ما يعني أن معدلات التضخم الحقيقية أعلى من المؤشرات الرسمية المعلنة، وينطبق ذلك على مؤشرات البطالة المعلنة.


وهكذا أعلنت وزارة السياحة تراجع أعداد السياح الواصلين بشهر يوليو الماضي بنسبة 25% بالمقارنة لنفس الشهر من العام الماضي وتراجع عدد الليالي السياحية بنسبة 46%، وفي أغسطس بلغت نسبة الانخفاض بأعداد السياح 40 %.


وحسب وزارة الاستثمار فقد تراجع عدد الشركات الجديدة التي تم تأسيسها خلال شهري يوليو وأغسطس الماضيين بالمقارنة لنفس الشهرين من العام الماضي، كما تراجعت رءوس أموال الشركات الجديدة خلال الشهرين بنسبة 43%.


وفيما يخص عمليات الاستحواذ فقد اقتصرت على نسبة 5ر21 % من أسهم شركة وحيدة، وتوقفت عملية الخصخصة تمامًا، خاصةً مع أحكام إعادة عدد من الشركات للحكومة رغم قيام المستثمر بدفع ما عليه من التزامات.


 وعلى صعيدٍ آخر ذكرت وزارة الاستثمار أن عددًا من الوزارات لم تسحب شيئًا من الاعتمادات المخصصة للاستثمار بها، خلال الربع الأول من العام المالي الحالي والمواكب لفترة تولي حكومة الانقلاب.


وأشارت بيانات جهاز الإحصاء لتراجع قيمة الصادرات بنسبة 11% خلال شهر يوليو الماضي بالمقارنة لنفس الشهر من العام الماضي، مع الأخذ في الاعتبار زيادة قيمة الصادرات بسبب زيادة سعر الصرف ما بين شهري المقارنة؛ ما يؤكد تراجع كمية الصادرات إلا أن البيانات الرسمية للصادرات تقتصر على القيمة ولا تذكر الكمية الأكثر دلالةً على الموقف.


ورغم إعلان وزارة المالية بلوغ قيمة العجز بالموازنة خلال شهري بوليو وأغسطس الماضيين 40 مليار جنيه، كفرق بين الايرادات البالغة 34 مليار والمصروفات البالغة 74 مليار جنيه، إلا أن تلك البيانات قد اكتفت في بنود المصروفات باحتساب فوائد الدين البالغة 27 مليار جنيه، ولم تحتسب أقساط الديون البالغة 29 مليار جنيه خلال الشهرين، حيث بلغت خدمة الدين خلال الشهرين 56 مليار جنيه، والتي بموجبها يتم إصدار أذون الخزانة وسندات الخزانة لتغطيته.


وخلال الشهور الثلاثة الماضية زادت مؤشرات التضخم الرسمية لكل السلع والخدمات عن نسبة العشرة بالمائة، وعادةً ما يهتم الجمهور برقم تضخم السلع الغذائية أكثر، والذي بلغ 14% خلال شهر سبتمبر الماضي، في حين أن دول العالم تسعى لاحتواء نسبة التضخم السنوي تحت نسبة 2% لتحقيق الاستقرار المعيشي للمواطنين.


ونظرًا لكون آخر بيانات معلنة عن الدين الخارجي تعود إلى شهر مارس الماضي حين بلغ 38 مليار دولار، فغير معروف رقم الدين الخارجي حاليًّا، حيث إنه سيزيد مع أرقام المبالغ التي قدمتها دول السعودية والإمارات والكويت، ونفس الأمر لأرقام الدين العام الداخلي المتوقف عند بيانات شهر مارس الماضي بنحو 1 تريليون و460 مليار جنيه، في حين أنه سيزيد بقيمة العجز بالموازنة خلال الربع الأول من العام المالي الحالي.


وهكذا لم يتم إعلان أية بيانات للاستثمار الأجنبي المباشر وللتحويلات الخاصة، ولإيرادات خدمات النقل وغيرها من موارد ميزان المدفوعات خلال شهور تولي حكومة الانقلاب، إلا أنه يمكن توقع تأثرها بسبب حالة عدم الاستقرار الأمني والقانوني، فمن الطبيعي أن يؤثر استرداد الشركات من المستثمرين رغم وفائهم بما عليهم من التزامات، ومنع مستثمرين من التصرف في أموالهم، في إقبال مستثمرين جدد.


كذلك من المتوقع تأثر التحويلات الخاصة بما شاهده المغتربون من مجازر وإصابات واعتقالات ومطاردات طالت أقاربهم وجيرانهم في عموم المحافظات وعدد من القرى، ونفس الأثر المتوقع لانخفاض إيرادات خدمات النقل مع تراجع أعداد الطائرات المتحركة بالمطارات والسفن بالموانئ، خاصةً مع انخفاض الواردات.


ويتكرر ذلك التوقع مع القطاع المصرفي الذي لم يتم إعلان أية بيانات تخص شهور فترة الانقلاب؛ حيث يتوقع تراجع حجم الودائع في ضوء دعوة البعض بسحب الودائع، خاصةً من الأسر المتضررة من المجازر والإصابات والاعتقالات وأقاربهم وجيرانهم، إلى جانب أثر خفض نسبة الفائدة على الودائع أكثر من مرة خلال فترة الانقلاب.


كما يتوقع تشدد البنوك في الإقراض في ضوء حالة عدم الاستقرار التي تزيد معها مخاطر عدم السداد، والصعوبات التي تواجه المشروعات المقترضة، والتي تحول دون وفائها بما عليها من التزامات، مثل قطاعي السياحة والمقاولات وغيرهما، وعلى الجانب الآخر وجود بديل مضمون لتوظيف أموال البنوك متمثلاً في الأوراق المالية الحكومية الخالية من المخاطر.


وإذا كانت بيانات البطالة متوقفة عند نهاية يونيو من العام الحالي بنحو 6ر3 ملايين متعطل، بنسبة 3ر13% من قوة العمل، فمن الطبيعي أن يزيد العدد والنسبة خلال شهور فترة الانقلاب، بسبب انضمام آخرين لطابور البطالة من المنشآت التي استغنت عن جانب من العمالة لديها بسبب ظروف السوق المضطربة واستمرار حالة الكساد.