ما يقرب من ثلاثة أشهر مرت على (خارطة طريق) الانقلابيين، لم نحصد خلالها سوى الشر، لقد وعدوا الشعب بالمن والسلوى، وبأن مصر خلال أيام معدودات سوف تكون إحدى القوى العالمية الضاربة، ورفعوا لذلك شعار (وبكرة تشوفوا مصر)، فإذا هي تحتل- بجدارة- في خلال التسعين يومًا ذيل الأمم في التعليم، وشفافية القضاء والعمل والصحة وغيرها من المجالات، فضلاً عن اليد الممتدة بالسؤال لمن كانت مصر تتعطف عليهم حتى خمسين سنة مضت، فإذا هم يمنون علينا بتلك الصدقات، بل يبدون الضجر من إلحاح الانقلابيين المتسولين حتى قال وزير خارجية إحدى هذه الدول (لقد صدع المصريون أدمغتنا، فليبتعدوا عنا قليلاً).

 

وإذا كان المتربصون بالدكتور مرسي وبالإخوان قد وضعوا له (مرسي ميتر) وعدوا عليه الدقائق والساعات، فإن هؤلاء وغيرهم لا يستطيعون الآن أن يتفوهوا ولو بكلمة وإلا كان مصيرهم القتل والتنكيل، ما يجعل الناس تئن أنينًا مكتومًا تحت ضغط المصائب التي وقعت على رءوسهم من جراء هذا الانقلاب الدموي، فالأسعار تضاعفت خلال هذه الأشهر الثلاثة بطريقة لا يحتملها المواطنون، وما زال الأمن منفلتًا بصورة واضحة رغم تطبيق الحظر ومنع السير في الشوارع ليلاً، والوضع العام لا يبشر بأي خير، فالمظاهرات تتزايد يومًا بعد يوم ضد الانقلابيين، وأعداد لا حصر لها تنضم إلى صفوف الشرعية بعدما تكشفت لها الحقائق، وأن (خارطة الطريق) إن هي إلا مسوغ لحكم العسكر، لكنها ليست أبدًا كما سوقوها في وسائل الإعلام المأجور بأن الهدف من ورائها إنقاذ مصر من الإخوان وتسليمها إلى أبنائها المدنيين بطرق ديمقراطية وشورية سليمة..


الواقع يؤكد أن (السيناريو) الذي جرى عام 1952 يتم تطبيقه بحذافيره الآن، لقد وقعت الثورة في يوليو 1952، وتعهد العسكر بالعودة إلى ثكناتهم في غضون أشهر حال تسلم السلطة لمدنيين، لكنهم لم يعودوا لثكناتهم حتى الآن، ومرت وقتها أحداث- كما يحدث الآن- تؤكد أن العسكر طامعون في الحكم، ومثلما استعان عبد الناصر قديمًا بأساتذة القانون الدستوري ومسئولي مجلس الدولة لتمرير هذا الانقلاب، يستعين الانقلابيون الجدد برئيس المحكمة الدستورية وغيره لإقناع الشعب بهذا الانقلاب، رغم انتهاء (موضة) الانقلابات في العالم كله- حتى في الأدغال الإفريقية.


بات الناس يشعرون بالخطر العظيم على حياتهم وعلى مستقبل أولادهم، في ظل هذا التردي الفظيع في مقومات الدولة، وفي ظل الانحدار السريع في ظروف أعمالهم ومعايشهم، ومازال أصحاب الدماء- وهم كثيرون- يسعون للقصاص لأبنائهم وذويهم، وهو ما يشعل البلد نارًا، ولا أظن أن استقرارًا سوف يتم دون عودة الشرعية وإنصاف المظلومين والقصاص للمقتولين ممن قتلهم، أما غير ذلك من فرض الدبابة والمدفع لإرهاب الناس وإرغامهم على القبول بهذا الواقع المر- فإنه يزيد الأمور تعقيدًا، ويدخل بلدنا الذي إن نهض نهضت أمته العربية وإن انتكس- لا سمح الله- انتكست جميعها.. في دوامة من المحن ما لها من قرار.


إن (خارطة الطريق) التي قسمت الشعب، وزرعت الفتنة وأطلقت الذئاب تنهش الشرفاء، والتي قتلت الآلاف باسم الحفاظ على مصر وتحسينها والنهوض بها-هي في الحقيقة (خارطة طريق إبليس)، لأنها فعلت ببلدنا ما لم يفعله المحتلون من قبل، وداست على كرامة المواطنين وحطمت لديهم الأمل في كل شيء، ولو لم يسرع الثوار باستعادة الثورة وكبح جماح العسكر لانهدم المعبد على من فيه جميعًا.


ولو كان في هذه الخارطة خيرٌ لبانت ثمراتها من أول يوم، لكن حتى الساعة فشلت الخارطة فشلاً ذريعًا، لقيامها على شفا جرف هار، ولأن أهلها من أصحاب القلوب العليلة التي لا ترقب في مؤمن إلاً ولا ذمة؛ لأجل ذلك لن يكتب لها التوفيق، ولن يحالفها النجاح، وفي يقيني أنه لن تطول بهم الأيام في مكانهم، فمن رأى الشعب خارجًا عليهم متحديًا أسلحتهم الفتاكة وسجونهم المظلمة يدرك أن الثورة الآن صارت ناضجة أكثر من أي وقت مضى، وأنه لن يوقفها شيء، وأن العنصر المشارك في هذه الفعاليات مختلف تمام الاختلاف عما رأيناه من قبل.. هناك ثقافة جديدة تلحظها بوضوح هذه الأيام.. الجميع (مكملين)، الجميع يستهين بما يمكن أن يقع له، الجميع لديه اليقين في استعادة الشرعية.. وعودة العسكر من حيث أتوا.