ما إن فتح الانقلابيون نيرانهم على الشعب، وزجوا بالشرفاء في السجون حتى أخرست ألسن العبيد، وصُمَّت آذانهم، وترى الواحد منهم كأن به بللاً، مطأطأ الرأس تعلوه ذلة وخضوع وقد رُكِّب فيه استئناس القهر والرضا بالعبودية التي يصعب على صاحبها العيش في جو الحرية والكرامة.
قرأت منذ عامين، دراسة نفسية ميدانية، أجرتها إحدى الباحثات على مجموعة من النسوة المتزوجات، في القرى والحضر، حول تلذذ بعضهن بضرب الأزواج، والمفاجأة أن عددًا لا بأس به ممن خضعن للدراسة أكدن عشقهن للضرب، بسبب ودون سبب، حتى إن إحداهن أكدت أنها تخترع مشكلة، كل يوم، مع زوجها كي تمتد يده إليها.. المهم أن الباحثة أكدت- وأنا أؤيدها في هذا الرأي- أن هذا الصنف من النساء مريض نفسيًّا، وأنهن بحاجة إلى علاج، لأن من الطبيعي أن ينفر الإنسان السوي من الضرب والإهانة بجميع أشكالها، أما من يسعى إلى ذلك فهو لا شك خرج عن مسار الإنسانية إلى مسار آخر شاذ لا ينتمي حتى لعالم الحيوان التي تئن من الضرب وتنفر ممن يلوح به.
ومن ثمّ فلا يقبل سادية العسكر إلا مريض النفس منفصم الشخصية لا يستطيع الحياة دون سب وقذف الآخرين له، ودون أن يطؤوه بالضرب والإهانة وهو لا يستطيع أن يمد يده للدفاع عن نفسه.. بل يستكين ويدخل لسانه في فمه، فتراه راضيًا قانعًا حتى لو لم يجد طعامًا يأكله، المهم ألا يغيب أسياده الساديون عنه، وأن يبقوا هكذا (كاتمين على نفسه)..
لي جار من (الفلول)، كان كلما انقطعت الكهرباء خرج عاريًا إلى (البلكونة) يدعو على مرسي ويسب الإخوان المسلمين، وأبحث عنه الآن فأجده مختبئًا في الحجرة المطلة على (المنور!!) لا حس له، يستمع إلى الإعلام الكاذب والانقلابيين الدمويين واهمًا نفسه بأنهم على الحق وباقي الشعب على الباطل.
هناك طائفة من الناس إن ذهبت تقيمها كسرتها، بعدما جُبلت على حياة الدون، فلا ترضي إلا أن تكون هي السفلي، فلا تقل إن فطرتهم هكذا، حاش لله، فالله خالق البشر على الفطرة السوية السمحاء، أما البيئة والتربية فيضلان الإنسان أو يهديانه، وهؤلاء نشأوا في بيئات التبعية والاستبداد، وخلت حياتهم من الدين والطاعة، فاتبعوا أهل الهوى والضلال الذين صوروا لهم المنكر معروفًا والمعروف منكرًا.
في الوقت الذي كان الدكتور مرسي يتودد إلى هؤلاء العبيد، كنت تراهم يردون عليه ردودًا مسيئة وأجوبة قبيحة، وما كان يدعوهم إلى ضلالة، وما أمر بتعذيب أو قتل أحد كما يفعل العسكر اليوم، بل كان يريد الأخذ بأيديهم من ظلمات عاشوها حقبًا وسنين عددًا إلى حيث الحياة في ظلال الحق والهدي.. ورغم ذلك أعرضوا عنه؛ لأنه لا يرضي رغبة سيطرت عليهم وعاشوا تحت إلحاحها وهي أن يتسلط عليهم متسلط فيرتكب معهم الخطايا والآثام، ويضلهم عن الهدى وهم له محبون، وبه واثقون، ولو مارس معهم أحط الأساليب وأبشع الوسائل.
الواقع يؤكد أن العبيد الخاضعين لا يحبون من يحاورهم ويناقشهم، إنما يعشقون ساديًّا شاذًا يرضي انحرافاتهم وعقدهم النفسية، إنهم بشر دون البشر، لا يستطيعون حكم أنفسهم بأنفسهم، ويضيقون بالحوار والشورى، وهم من الضعف والهوان بحيث لا يقدرون على العيش دون قاهر لهم، يسومهم سوء العذاب بالليل والنهار، سرًّا وعلانية.