دعوات كثيرة صادرة عن انقلابيين دمويين وطائفيين موتورين وسياسيين فاسدين و(نشطاء!!) يتعاطون (البانجو)- كلها تدعو إلى (التخلص) من الإخوان المسلمين، بأي وسيلة، مشروعة وغير مشروعة.. وهو أمر يدعو للحسرة والسخرية في آن واحد؛ الحسرة لما آلت إليه أخلاق هؤلاء المارقين من قيم الإنسانية حتى استحلت لهم أنفسهم المنحرفة قتل مواطنيهم كي يخلو لهم (الجو) وكي ينفذوا (أچندات) خاصة، محلية وعالمية.. والسخرية لأن أصحاب هذه الدعوات من الغباء والسذاجة لدرجة أنهم يذكرونني بالطفل الذي يطالب أبويه بتنفيذ رغبة مستحيلة، وليس على أبويه سوى إلهائه حتى يمر وقت فينسى هذا السفيه ما كان يطلبه منذ قليل.
ولو نجح أساتذة هؤلاء الانقلابيين الطغاة في التخلص من الإخوان لنجحوا هم، أو لا يعلم السذج أن دعوة الإخوان ما عُرفت ولا انتشرت هذا الانتشار الذي يمتد الآن، خارجيًا، في أكثر من (70) دولة، وداخليًا في كل قرى ومدن مصر- إلا بعد أن طوردت وفتحت لأبنائها السجون وعُلق قادتها على المشانق؟!، أو لا يعلم الأغبياء أن كل من حاول التخلص من الجماعة مات موت العير غير مأسوف عليه وبقيت الجماعة أشمخ عودًا وأنقى صفًا وأنبل من يُسمع له ويُشهد له بالوطنية والفداء؟!
اقرأوا التاريخ يا جهلة، لتعلموا أنه يعيد نفسه، وأن البقاء للأصلح، وأن الحقد والغباء والبطش لا تصلح مع الشرفاء.. أغلق آلهتكم الذين سبقوكم دور الإخوان وعطلوا صحفهم ولاحقوهم أينما كانوا، ورغم ذلك بقيت الفكرة تغيظ أمثالكم من المجرمين المستهترين.. حين أصدر الطاغية الأكبر قراره بحل الجماعة عام 1954 بعث إليه الأستاذ حسن الهضيبي بالرسالة التالية:
«إن قرار حل الإخوان، وإن أنزل اللافتات عن دورهم، فإنه لم يغير الحقيقة الواقعة وهي أن الإخوان المسلمين لا يمكن حلهم، لأن الرابطة التي تربط بينهم هي الاعتصام بحبل الله المتين، ولا تزال هذه الرابطة قائمة وستبقى كذلك بإذن الله، ومصر ليست ملكًا لفئة معينة ولا يحق لأحد أن يفرض وصايته عليها ولا أن يتصرف في شئونها دون الرجوع إليها والنزول إلى إرادتها، لذلك كان من أوجب الواجبات على الإخوان المسلمين أن يذكروكم بأنه لا يمكن أن يبت في شئون البلاد في غيبتهم، وكل ما يحصل من هذا القبيل لن يكون له أثر في استقرار الأحوال ولا يفيد البلاد بشيء».
أبشِّر هؤلاء جميعًا بأن الإخوان الآن في (منحة) وليسوا في (محنة) كما يتصورون، وأنهم الآن- أكثر من أي وقت مضى- أصلب عودًا وأشد تماسكًا؛ لأن ما جمعه الله لا يستطيع بشر أن يفرقه؛ ولأن الإخوان ليسوا مبنى في المقطم أحرقه التتار الجدد وليسوا جمعية تابعة لـ (الضمان الاجتماعي) كما يتصور السفهاء.. بل هم روح جديد يسري في قلب هذه الأمة فيحييه بالقرآن، ونور جديد يشرق فيبدد ظلام المادة بمعرفة الله، وصوت داو مرددًا دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم.. إنهم قوم تحابوا بروح الله على غير أرحام بينهم ولا أموال يتعاطونها، لذا فإنهم لا يخشون سوى الله، ولا يخافون إذا خاف الناس، ولا يحزنون إذا حزنوا.
لن تستطيعوا يا عبيد الغرب أن تطفئوا أنوار الدعوة، ولن تنجحوا في الخلاص من الإخوان كما تتمنون، وإذا قتلتم من الإخوان واحدًا سوف تلد الحرائر عشرة مثله، وإذا سجنتم بطلا سيخرج لكم من بين الصفوف عشرون آخرون يهتفون هتافه ويحملون شعاراته.. لقد غاب عنكم الواقع، أو أنكم غيبتموه عامدين؛ الواقع يقول إن غالبية شعب مصر ضد أفعالكم الشنيعة وجرائمكم البشعة، وهذا الشعب لن يكف ساعة عن إرباككم وزلزلة الأرض من تحت أقدامكم حتى تعيدوا إلينا بلدنا التي اغتصبتموها بقواتكم الغاشمة.
فضلا عن أن الإخوان لا يعرفون اليأس؛ لعلمهم أن اليأس ليس من أخلاق المسلمين، وأن حقائق اليوم أحلام الأمس، وأحلام اليوم حقائق الغد، كما يعلمون أنه لازال في الوقت متسع، ولازالت عناصر السلامة قوية في نفوس الشعوب المؤمنة، رغم طغيان مظاهر الفساد.. فهم لذلك لن يهدأوا ولن يناموا، وسيظلون في حركة وعمل حتى يذهب بلاؤكم وتستقر أوضاع البلاد والعباد.
أما وسائلنا لتحقيق أهدافنا وإتمام واجباتنا -كما قال إمامنا المؤسس منذ عشرات السنين- فهي الوسائل العامة للدعوات، لا تتغير ولا تتبدل، ولا تعدو هذه الأمور الثلاثة: الإيمان العميق، التكوين الدقيق، العمل المتواصل.. وهذه الوسائل تعني: الإقناع ونشر الدعوة بكل وسائل النشر؛ حتى يفقهها الرأي العام ويناصرها عن عقيدة وإيمان، ثم استخلاص العناصر الطيبة لتكون هي الدعائم الثابتة لفكرة الإصلاح.. ثم النضال الدستوري حتى يرتفع صوت هذه الدعوة في الأندية الرسمية وتناصرها وتنحاز إليها القوة التنفيذية.
أما سوى ذلك من الوسائل فلن نلجأ إليه إلا مكرهين، ولن نستخدمه إلا مضطرين، وسنكون حينئذ صرحاء شرفاء، لا نحجم عن إعلان موقفنا واضحًا لا لبس فيه ولا غموض، ونحن على استعداد تام لتحمل نتائج عملنا أيًا كانت، لا نلقى التبعة على غيرنا، ولا نتمسح بسوانا، ونحن نعلم أن ما عند الله خير وأبقى، وأن الفناء في الحق هو عين البقاء، وأنه لا دعوة بغير جهاد، ولا جهاد بغير اضطهاد، وعندئذ تدنو ساعة النصر، ويحين وقت الفوز، ويتحقق قول الملك الحق المبين (حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاء وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ) [يوسف:110].