قال تعالى (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا) " الأحزاب: 23".
إن القلب ليحزن وإن العين لتدمع، وإنا لفراقك محزونون، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا يا مصعب، يوم الخميس الموافق 15 من الشهر الجاري كان من أشد الأيام التي مرت على حياتي، تلقيتُ نبأ وفاة الداعية الدكتور عبد الرحمن السميط، صاحب الأيادي البيضاء في العمل الخيري، وهو شخص غني عن التعريف يعرفه الجميع في قارتنا السمراء، فقد أسلم على يديه عدد غير قليل من سكان القرى والأرياف النائية في أنحاء قارة إفريقيا.
وتلقيتُ أيضًا نبأ استشهاد زميلي وصديقي مصعب مصطفى الشامي المصور الصحفي الذي كان يعمل لصحفية "فيتو المصرية"، فالحياة لا تخلو من مصائب، يعيش الإنسان فيها لحظاتٍ يجد فيها نفسه في حالة يُرثى لها، وتشدد الظروف عندما يكون المرحوم أحد أقرب أصدقائك، هكذا هي الحياة فهي لا تدوم على حال، ولا تجري على منوال واحد، فهي تشهد تدافعًا بين الحق والباطل، تجمع في طياتها بين الفرحة والحزن.
هناك مئات من المصريين الذين سقطوا ضحية مؤامرات العسكر، وواجهوا بصدورهم العارية رصاصة الجيش المصري الغادر، الذي تحول بين ليلة وضحاها إلى جيشٍ متحجر القلب، لا يرحم شعبه، كانت متابعتي لهذا الحدث كبقية شعوب العالم العربي لا تتعدى حدود المتابعة اليومية لأوضاع مصر. كنتُ أتألم كما يتألم غيري من متابعي الحدث المصري، لكنني عندما علمتُ بوفاة الشهيد مصعب تأثرتُ بالحدث أيما تأثر، فهو مشهد يدمي القلب ويبكي كل ذي ضمير إنساني، عندما ترى شابًا في مقتبل عمره وهو مضرج بالدماء، وفوقه يجلس والده، وهو في حالة هستيرية يذرف الدموع على فقدان فلذة كبده.
كنتُ أتصفح كغيري من شعوب العالم العربي والإسلامي ما يجري في مصر المحروسة، وكعادتي بدأتُ تصفح موقع "الفيس بوك" الاجتماعي، ورأيتُ فجأة صورة المربي مصطفى الشامي وهو يبكي، وأمامه جثة نجله مصعب، الذي تجمعني به صداقة وزمالة الدراسة في جامعة إفريقيا العالمية بالسودان.
لقد كان هذا المنظر من أكثر المناظر التي حرّكت وجداني على الإطلاق، تألمتُ- كغيري- من ملايين المتابعين للشأن المصري، وما زاد ألمي ولوعي هو معرفتي القديمة بالداعية مصطفى الشامي صاحب اللمسات الإنسانية الحانية، ويشهد على ذلك كل من تعامل معه، كان مصطفى الشامي والد جميع الوافدين، وكان بالنسبة لي موجها وأبًا حنونًا، كان يتابع بصورة دائمة أداء نجله في الجامعة، ولثقته بي كان يسألني- دائمًا- عن وضع نجله الأكاديمي، كون مصعب من الدفعات التي كانت خلفنا لدراسة كلية الإعلام بجامعة إفريقيا العالمية بالخرطوم.
كان مصعب أعز أصدقائي، كُنا نتجاذب أطراف الحديث عما يجري في الوطن العربي بصورة خاصة، وعن أوضاع العالم الإسلامي بصورة عامة، كان متابعًا جيدًا للأوضاع في منطقة القرن الإفريقي، وبحكم انتمائي إلى هذه الرقعة الجغرافية من العالم، كان الشهيد مصعب كثير السؤال عن جديد هذه المنطقة، وعن ثقافة أهلها وأوضاع المسلمين فيها.
كُنا نجده طالبًا واعيًا مدركًا- تمامًا- ما يحيط حولنا من أحداث، ولعل هذه الثقافة والدراية الواسعة التي كان يتمتع بها الشهيد مصعب استمدّها من واقع معايشته اليومية لهموم الدعوة؛ خاصةً أن والده كان يعمل مديرًا لمنظمة "الرحمة لتدريب وتأهيل الشباب" وهي منظمة تُعني بشؤون تدريب وصقل مواهب الشباب من كل الجنسيات التي وفدت إلى السودان بغرض التلقي الأكاديمي.
غادر مصعب عن دنيانا الفانية وهو مازال في العقد الثاني من عمره، لكن شجاعته ستظل مضرب المثل، مات مصعب وهو يطمح إلى عصر سياسي جديد في وطنه الأم فتاريخ تعلمنا أن المشاريع الكبيرة لا تسبقها سوى تضحيات جسيمة، وكان الشهيد مصعب أحد الذين دفعوا روحهم رخيصة في سبيل وطن حر يحترم الإرادة الشعبية.
ستظل سيرة مصعب خالدة، وسيظل إنجازه عالقًا في أذهان الجميع، فهو شهيد افتقدناه في ريعان شبابه، مع عشرات من الكوادر والشخصيات المهمة التي اغتالتها الأيدي الآثمة.
نواسي والده مصطفى الشامي، ونقول له: عرفناك قويًّا لا تأبه للظروف، وداعيًا يجول بفرسه في ميادين الخير والبذل، ومصعب لم يمت بنص الآية القرآنية (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون).
إلى جنات الخلد يا مصعب، غادرتنا دون استئذان، ودون أن نحظى- نحن الأحباب- بنظرة الوداع قبل سفرك إلى عالم الشهداء، لقد خلفت وراءك تاريخًا سطرته بدمائك، وحفظ الله مصر وأهلها من كل مكروه.
فأنت بالحق شهيد الكلمة، حيث فقدت روحك وأنت تغطي مجزرة رابعة العدوية بعدسة كاميرتك، لقد أبكيت عيونًا يا مصعب.