1- مدخل: مسارات الوهم
من إيجابيات مناهج البحث العلمي الصبر على الفروض، واختبارها، وصولاً إلى فحصها، واستبعاد ما لا يثبت منها بالفحص، واستبقاء ما يسلم منها بالفحص والتدقيق.
وقد توزعت كثير من هذه الفروض على مسارات متعددة أظهرها ما يلي:
أولاً– مسار يصور أمر الحادث في مصر بعد 3 يوليه سنة 2013 م على أنه تصحيح لمسار الديمقراطية!
ثانيًا– مسار يصور أمر الحادث في مصر في هذه الحقبة على أنه صراع سياسي بين الإسلاميين الطامعين النهمين في السلطة والليبراليين والعلمانيين الوطنيين المتسامحين!
ثالثًا– مسار يصور أمر الحادث في مصر في هذه المرحلة الدقيقة على أنه صراع وجود بين الإسلام ومشروعه وطموحه في استعادة الذات وبين التبعية والتغريب ومشروعه وحركته في اتجاه استلاب الشخصية واقتلاع الهوية.
2- العلم والمنهجية يحسمان المسألة
إن مراجعة القواعد والمعايير والمبادئ حاكمة في هذا السياق، ذلك أن العودة إلى هذه المنطلقات حاسمة في تصحيح مسارات الوهم والانطلاق نحو الحقيقة الناصعة والمشرقة.
إن العلم يقرر أن الانقلاب coup وهو مصطلح عريق مستقر منذ القرن 17 م والدلالات المركزية للمصطلح ظاهرة في العلامات التالية:
أ- أنه تغيير مفاجئ في نظام الحكم.
ب-ويقوم به رجال الجيش اعتمادًا علي البطش والقوة.
ج- التنكر لليمين والعهد الذي سبق ومنحه هؤلاء للحاكم الشرعي.
والمدهش أن ثمة تطورًا دلاليًّا أصاب هذه المصطلح، بدءًا من1930م على يد الإيطالي لورزيومالاباري في كتابه (تقنيات الانقلاب) عندما قرر أن تعطيل بعض القوى المدنية لعمل الرئيس الشرعي جزء من مفهوم الانقلاب، وهو ما يفتح الباب لفهم إسهام الإعلام ورجال المال وكثير من زعماء الليبرالية والعلمانية في مصر اليوم في صناعة انقلاب 3 يوليه الماضي.
ومن هنا فإن خطاب العلم يقرر متعانقًا مرتكز الضمير أن ما حدث في مصر يصب في مسار الانقلاب ضد الهوية الإسلامية لمصر بدليل ما يلي:
أولاً- قذف المحاريب والتعدي على المساجد.
ثانيًا- قتل المصلين والساجدين (مجزرة الحرس الجمهوري).
ثالثًا- إهانة الرموز الإسلامية الزمنية (اختيار توقيت الهجوم على المعتصمين عادة في الفجر وأثناء أداء الصلاة وانتهاك حرمة الشهر الفضيل).
رابعًا- التطاول على الهدي الإسلامي الظاهر (إيذاء الملتحين والمنتقبات).
خامسًا- استدعاء المصطلحات الغربية المعبرة عن كراهية الفكرة الإسلامية من مثل الإرهاب، تعبيرًا عن الإسلام.
سادسًا- شيطنة الحركة الإسلامية بكل تنوعها.
سابعًا-إعلان الخوف من التمدد الإسلامي (الخلافة/ الحكم الإسلامي) على ألسنة رموز الحكم الانقلابيين.
ثامنًا- انفلات ألسنة العلمانية بالدعوة إلى مصر علمانية واستئصال الإسلاميين جميعًا. (نموذج تصريحات حلمي نمنم وتهاني الجبالي يوم 18 رمضان الماضي).
تاسعًا- تواتر تصريحات الزعماء والمفكرين والساسة من الكيان الصهيوني التي تصب في دعم ما نقرره.
إن الذي بدا واضحًا أن الوهم الذي تسربل بثوب معرفي خادع في صورة حقيقة محاولات أن تمرره على أنه صراع سياسي تعرى الآن وكشفت حقائق العلم وتجلياتها في الواقع أن حقيقة الصراع هي صراع وجود يهدد هوية الأمة المصرية في إسلامها واعتقادها ومنجزها الحضاري المنبثق من هذا الدين العظيم ورموزها الفكرية الإسلامية ومؤسساتها الخادمة لهذا التوجه.
إن مصر في هذه اللحظة الفارقة تملك وستظل تملك الطريق الصحيح مع وفرة التحديات التي تواجه شعبها لكن خبرة السنين وحكمة الدهور والتجربة العميقة ستحميها من كل وهم.
عاشت مصر كريمة أبية ملهمة.
------------------------------------
كلية الآداب- جامعة المنوفية.
رئيس دار الكتب والوثائق القومية المستقيل0