استغل عاشقو بيادة الانقلاب العسكري الأخير في مصر وراحوا يدجلون على الناس ويلبسون عليهم الحقائق ويحشون أدمغتهم بالزيف والكذب والتدليس، صاروا يأتمرون بإرادة هذا الانقلاب وينشرون ما يجيء إليهم من أخبار وتحليلات حتى صارت الأخبار كلها متشابهة وعلى وتيرة واحدة كان الذي كتب هذه الأخبار محرر واحد، بعد فترة من الحرية والرأي عشناها عبر سنتين مرت كأنها الحلم، هؤلاء الإعلاميون الذين اهتزوا لحادث حمادة المسحول المدبر وحادث صفع الفتاة عند المقطم، صاروا اليوم لا يأبهون لبرك الدماء المتناثرة اليوم في الشارع، حتى رأيت مذيعة من رعايا صفوت الشريف أسهم زوجها الهارب إلى لندن في تزييف الحقائق خلال ثورة يناير، قالت تعليقًا على مجزرة المنصة إن الأخوان نالوا ما يطلبونه من الشهادة، وطبعًا حاول البعض منهم أن يشبه السيسي بعبد الناصر الثاني ونفخوا في هذا على أبعد مدى وصاروا يحرضون الجيش والشرطة على مزيد من القمع، واعتبر هؤلاء الإعلاميون أن مناصري الرئيس مرسى وهم ملايين إرهابيون يريدون أن يحرقوا الوطن وغطوا على تعرضهم للمذابح والمجازر التي حدثت في الأيام الماضية والتي فاقت ما ارتكب خلال عصر عبد الناصر في 16عامًا، ولم نندهش من طلب الكثيرين منهم بالحل الأمني القمعي لإنهاء الأزمة الحالية. تمامًا هؤلاء الذين سطروا مئات الملايين من الصفحات في مدح جمال عبد الناصر، بل إن كبيرهم الذي أغرى الانقلابيين بفعلتهم كان يهب صحف بيروت ولندن الملايين ويشتري أقلامهم لمدح الزعيم الملهم الذي قلده في الصنيع كل ديكتاتور حكم المنطقة.
وعبد الناصر ورفاقه هم الذين تخلصوا من اللواء محمد نجيب قائد الحركة، وأهانوه وحددوا إقامته لأكثر من عشرين عامًا، بينما أكرموا الفاروق وأخرجوه من مصر في احتفال مشرف، لمجرد أنه دعا العسكر للعودة إلى الثكنات وتسليم البلاد لحكم مدني، ولكن السلطة "أحلوت" في أعينهم، وسال لعابهم للمال والجاه والمنصب، وقد علق على هذا المفكر "مكسيم رودنسون"؛ حيث قال: "اتضح أن الجيش جماعة أنانية، متلهفة على الاستمرار في السلطة، وعلى زيادة امتيازاتها، وهي بعيدة عن الطبقات العاملة، وغير جديرة بأن تهب نفسها لأهدافها"، وتشبثوا بالحكم ودافعوا عنه، وسخروا إمكانات الدولة وأموالها في صنع زعامات وهمية لهم وزيفوا الوعي الجماهيري بشعارات وخطب مثل: العدالة الاجتماعية، وتكافؤ الفرص، والتفكير في الطبقات العاملة، وقد سخر الكاتب الناصري إبراهيم عيسى من الرئيس المنتخب محمد مرسي، ولا يخلو يوم دون توجيه اللوم له فقال ينتقده في حضوره الاحتفال بعيد الفلاح الستيني، وعير مرسي بأنه استفاد من خير جمال عبد الناصر، وتعليمه المجاني ومنحه الخمس فدادين، وكأن عبد الناصر صرف على الناس من أمواله، وأضاف قائلاً: "السؤال الآن: هل يمكن أن يفعل محمد مرسي لشعبه وأبناء فلاحيه شيئًا مثل عبد الناصر غير نصيحته لهم بتقوى الله عشان يطرح البركة في المحصول؟ وهو كلام رائع وطيّب، لكن يليق بخطيب المسجد اللي على الترعة أكثر مما يكون جوهر ما قاله مرسي وسط خطبة رئاسية، بدأت بالاعتذار إلى الفلاحين عن الإجراءات الأمنية المشددة التي منعتهم وعطلتهم وأهانت بعضهم حين الدخول إلى قاعة الاجتماع، وربما هذا التعامل الأمني الفظ قد جعل اللغط والهمهمة والغمغمة مستمرة طويلا في أثناء كلمة الرئيس، حتى إنه طلب من الحضور أن يسمعوه، وقد سمعوه.".
والجدير بالذكر أن الاحتفال الأول بعيد الفلاحين تم في 9/9/1952، وكان رئيس الحركة وقائد الثورة محمد نجيب ولم يسمع أحد بجمال عبد الناصر إلا بعد حادث المنشية الوهمي سنة 1954، فكيف ينسب هذا الإنجاز لناصر ومحمد نجيب هو كان رئيس مجلس قيادة الثورة، والبلاد أيضًا كانت تحت حكم الوصاية الملكي؟ أليس هذا من قبيل التدليس والكذب ونسب الخير لغير أهله؟ ونرد على هذه الترهات بقول أحمد حمروش أحد قادة يوليو الذي قال:"التفكير في الطبقات العاملة لم يكن واردًا في ذهن قادة الجيش وتعبير العسكريين عن أهداف هذه الطبقة كان تصورًا بعيدًا عن الواقع والحقيقة."
وأهين الإنسان المصري في عصر جمال وحرم من خير مصر الذي وزعه جمال على الدول ليصنع به الأمجاد ويشترى نفاقهم دون التفكير في المواطن المصري الذي عانى الأهوال في مجازر طرة والقلعة ووادي النطرون والواحات وقد حدث مرة أن مصر كانت قد اشترت كمية من القمح من الاتحاد السوفييتي، وكان القمح في طريقه إلى مصر، وحينئذ أشيع أن بالهند مجاعة، فأمر عبد الناصر بأن تتجه السفن التي تحمل القمح إلى الهند، أرأيت أن الرئيس الملهم كان يفكر في غيره أكثر من شعبه لإضافة رصيد زعامي إلى رصيده؟ وغرف مشيره المهزوم عامر من الذهب الموجود بالبنك المركزي، ليرشي به شيوخ اليمن بعد الانتكاسات والهزائم التي واجهها الجيش المصري في هذه الحرب التي كانت لا ناقة لنا فيها ولا جمل والذي يرجع لكتاب الصحفي الكبير وجيه أبو ذكري، وهو من الصحفيين الشرفاء الذين لم يشتروا من قبل رجال الأعمال، وقد ذهب لليمن مرارًا وكتب كتابه "الزهور تدفن في اليمن"، يدرك حجم الكارثة التي تعرضت لها مصر من هول هذه الاشتراك في هذه الحرب التي تحيز فيها عبد الناصر لطرف عربي ضد طرف عربي آخر باسم القومية والوحدة، ومن الهزائم نكبة يونيو 1967 التي دلعها الناصريون باسم نكسة 1967 التي عرت النظام وكشفته على حقيقته وبانت الزعامات الورقية، لقد أعطى الزعيم الملهم قرار الانسحاب قبل أن تبدأ المعركة، وضرب سلاح الطيران على الأرض، فبينما كان الطيارون الإسرائيليون يعودون إلى إسرائيل من كل أرجاء العالم ويرتلون آيات التوراة كان نظائرهم المصريون يحتسون الخمر ويعربدون في حفلة ماجنة أنشاص وربما كان معهم الفريق الهارب شفيق والرئيس المسجون مبارك، وكانت النتيجة خسائر بشرية رهيبة وخسائر في المعدات بلغت 100%.
وقد تعرض السنهوري أبو القانون للضرب في مكتبه بمجلس الدولة حتى سقط مغشيًّا عليه، ثم عزل من منصبه وجميع الذين كتبوا أو اتهموا بذلك مسهم الضر، وألقى في غياهب السجون وصودرت أموالهم وانتهكت أعراضهم وأعراض ذويهم، وصحيفة "المصري" التي كانت مفخرة الصحافة المصرية، صدر قرار بإغلاقها لمجرد أن انتقدت أفعاله ولم تصفه بالفاشي أو الطرطور أو التائه كما تفعل صحافة السفالة اليوم، وما حدث من تلفيق تهمة لمصطفى أمين، وكذلك تعرض القضاة للعزل لمجرد أن تكلموا وانتقدوا، وتكلم المحامون فهددوا، وقيل إن الدولة الاشتراكية لا تعرف الاشتراكية... هذه حقيقة نقدمها للناس نبين للذين يريدون استنساخ فترة مظلمة من تاريخ مصر، أرجعت مصر للخلف سنين، في حين تقدمت دول اعتمدت المسار الديمقراطي التعددي بعد أن طلقت الحكم البوليسي الفاشي الشمولي مثل الهند التي زارها أنيس منصور في الخمسينيات وتكلم عنها في كتابه "حول العالم في 200يوم"، وكانت في أوج تخلفها، ولما اتخذت الديمقراطية مسارًا لها صارت من الدول الصناعية العظمى. لا يمكن أن نتقدم إلا بالعلم والوعي والتخلص من أسرة سحرة فرعون الذين يشدون البلاد للخلف حرصًا على استمرارية مصالحهم.