نحن أمام ثورة في مقابل ثورة مضادة, كل طرف يدعي أنه يستكمل ثورة يناير وأن الآخر يمثل الثورة المضادة, كل طرف يستهدف التغيير وفقًا لرؤيته، والحقيقة أن "التغيير قادم لا محالة" وبالتالي فالصدام المتصاعد في الأيام الأخيرة أمر متوقع وحتمي؛ لأنه بين اتجاهين متضادين تمامًا في طبيعة رؤية الحياة، والانتصار لا بد أن يكون للطرف الذي يمتلك أساسًا شعبيًّا.


فهناك من العوام لم يصل بعد لحسم عملية الفرز والتمييز بين الثورة والثورة المضادة بسبب انحياز الإعلام والقضاء وأجهزة الأمن التي وصلت لتزوير كل شيء لدرجة دفع الجنود للحضور بملابس مدنية كمتظاهرين بميدان التحرير ليظهروا داعمين لقرارات السيسي، وهو اعتراف بعدم وجود لا شعبية ولا شرعية، مما يعني أنه انقلاب عسكري بامتياز وأن المجتمع سيكتشف الحقيقة,
والتغيير مرتبط بالمصداقية، بعكس الإعلام الذي يركز على الطرف المعارض للرئيس مرسي ويهمل الآخر تمامًا (يتم تصوير شهداء سلميين, برصاص بلطجية تحت حماية الشرطة, على أنهم إرهابيون ومطلوب من الجيش حماية الوطن منهم).


في مناخ الحرية الذي يقوم بالنهضة والمجتمع,لا أحد غيره, وبالتالي لا بد أن تنطلق هذه النهضة من مرجعية وهوية المجتمع الإسلامية وبالتالي فالحشود التي نزلت للميدان في 30 يونيو لم تكن معظمها (بغير المسيحيين) اعتراضًا على الهوية، بل اعتراضًا على الأحوال المعيشية، لكنهم مدفوعون من منظومة (أصحاب الأموال والإعلام والشرطة والقضاء) ضد الرئيس لإفشال مشروعه, منظومة محلية خليجية دولية لا تهدف بالأساس لتحسين أحوال المصريين، بل تستهدف إعاقة نتائج الصناديق، لأنها تأتي بحكام ينتمون للمرجعية الإسلامية التي هي حتمًا ضد استبداد المنظومة العالمية الحالية. وحتما معظم المتظاهرين الذين استجابوا لهذه المنظومة سيكتشفون الحقيقة لاحقًا, "المشوار طويل ويتطلب إرادة".


وإذا أجمعنا على أن كل ذلك يحتاج إلى إرادة هائلة لتوجيه الرأي العام لتغيير أفكار وسلوكيات تمثل أهم الأسباب لعدم وجود تيار شعبي عام كاسح يدعم المشروع الإسلامي (ضد التضليل الإعلامي الذي دفع حشود 30 يونيو), وهي مثلاً عدم التفرقة بين حرية الرأي ومرجعية الرأي, فليس كل من هو ضد الأحزاب الإسلامية يكون ضد المرجعية الإسلامية (خصوصًا بعد غزو ثقافي علماني لعدة قرون) والتجربة التركية دليل ذلك, وهو أمر يرقى لأن نعتبره من أولويات شريعة الإسلام وإلا وبكل وضوح لا أمل في التغيير إلى الأفضل لا حاليُا ولا لاحقًا.


إننا أمام منعطف تاريخي غير مسبوق فمعظم الأجهزة الرسمية تدعم "خارطة الطريق" المستهدفة حاليًّا وهي بداهة "طريق بلا خارطة" لأن كل الإجراءات بلا جدول زمني.. فنحن لا نعرف فترة تعليق الدستور ولا مواعيد أي انتخابات وإذا قمنا بسؤال 95% من المصريين, ماذا تعرف عن رئيس مصر المعين؟ لا أحد يعرف عنه شيئًا إلا أنه لا علاقة له بالسياسة وبالتالي القرار السياسي سيظل في يد العسكر, وإذا نظرنا لبعض الشخصيات التي تطفو على السطح نلاحظ- ليس فقط عودة نظام مبارك بل عودته ببعض الرموز القديمة، مما يعني أن المستهدف هو عزل مرسي ونظامه لعودة النظام البائد، ولذلك نحن أمام انقلاب عسكري صريح على شرعية دستورية نتجت بإرادة شعبية حرة من خلال استفتاء دستوري أشرف عليه القضاة وحماة الجيش واعتمدته الجهة الرسمية واعترف به العالم.


بالتالي فالمنطق يؤدي بنا إلى ضرورة ربط الإرادة المأمولة بأركان الهوية الإسلامية "صيام رمضان" الذي يمثل شرعًا "مركز تدريب" شهري من كل عام على إرادة التغيير وبالتالي رمضان لا بد أن يكون دافعًا لاستمرار وصمود الحشود (المطالبة بالشرعية الدستورية) وليس العكس كما يظن البعض, فمعظم الانتصارات الإسلامية كانت في رمضان مثل بدر والخندق والقادسية واليرموك وحطين وعين جالوت حتى العاشر من رمضان وليس بالضرورة أن تكون انتصارات "عسكريه" بل "شعبية سلمية".


كل الدول المتقدمة لم تنهض بعد ثورة سلمية تهدف للحرية والنهضة, إلا بالإرادة كحتمية دنيوية فقط فما بالكم إن كانت عندنا أيضًا "كفريضة شرعية".
ونحن على موعد بمقال آخر بعد نهاية الشهر الكريم لتأكيد شرعية وحتمية استمرار الإرادة الرمضانية للتغيير طوال العام.


رئيس جمعية المقطم للثقافة والحوار
Hassanelhaiwan@hotmail.com