كان الكاتب الصحفي محمد حسنين هيكل مهندس الانقلاب العسكري الأخير في مصر، الذي أسس لدولة البيادة العسكرية الثانية في مصر، بعد أن انتهت الدولة الأولى بإحالة المشير طنطاوي والفريق عنان للتقاعد في 12/8/2012، وجاءت الدولة الثانية حامية هادرة، كأن بينها وبين الديمقراطية ثأرًا قديمًا، فالديمقراطية هي التي تجعل الجيش لا يجرؤ على الاقتراب من السياسة، مثلما يأمر المدنيين بمنع "الاقتراب والتصوير" من أسوار معسكراته، فهي محرمة عليه كما محرمة على القضاء وجهاز الشرطة، فهذه الأجهزة إذا نزلت ميدان السياسة تكون كفيلة بإشاعة الاستبداد والتقهقر والرجوع بالأمم إلى عصور الغاب، لذا عمل هذا الانقلاب على وأد التجربة الديمقراطية الوليدة الحقيقية في الوطن العربي، وكان هيكل ينظر بترقب ويجمع تلامذته الذين نافقوا مبارك وكان هيكل نفسه من المسبحين بحمده، وقال له ذات يوم بأنه لا بديل عنه في الوقت الراهن، وعقب رحيله تحول مع المتحولين ومكث في قنوات غسيل الأموال التي يمتلكها أصدقاء مبارك، يغسل سمعته ويكيل التهم لعصر مبارك بل ألف كتابه "مبارك وزمانه من المنصة إلى التحرير" الذي نشر منجمًا في جريدة "الشروق"، بعدها وجدناه يمتدح مبارك ويطالب بالإفراج عنه مثلما فعل تلامذته، الذين سيطروا على مفاصل الدولة في عهد المخلوع مبارك، نافقوا ثورة يناير 2011 عندما تنحى المخلوع وقدموا فيه بلاغات لجهاز الكسب غير المشروع، ثم وجدنا هذه الشخصيات البغيضة المتلونة بعد الحول الأول للثورة، يتعاونون مع فلول مبارك جهرة ودون استحياء يقاتلون من أجل إرجاع نظامه، وبعضهم كان يحرض المجلس العسكري على البقاء الأبدي في السلطة، بل إن هيكل نفسه لم يجد ممانعة في المناداة بالمشير حسين طنطاوي رئيسًا للبلاد عندما قال: "ويجب أن نعترف بأن عندنا اليوم غيابًا للدولة لأنه يوجد خلط بين تأسيس شرعية دائمة مؤسسية وهو ما يعني رئاسة جمهورية.. والوضع المؤقت الانتقالي، فلا يوجد شعب يستطيع أن يعيش بلا دولة، وأنا شخصيًّا لا أجد حرجًا وبحكم منطق الأشياء وحقائقها وتقديرًا لما قام به المشير طنطاوي مباشرة في أزمة الانتقال- في تسميته رئيسًا للدولة في هذه المرحلة الانتقالية, إذا رئي أن تكون رئاسة الدولة لمجلس رئاسي فليس من الصعب العثور على عضوين فيه إلى جانب المشير طنطاوي مع استمرار مسئوليته عن وزارة الدفاع وعن المجلس الأعلى للقوات المسلحة والذي يمكن أن يتحول إلى مجلس أعلى للأمن الوطني، وإذا كان بجوار رئاسة الدولة نوع من مجلس أمناء الدولة والدستور على نحو ما أشرت إليه، يشارك في التحضير لانتخابات جمعية تأسيسية، تطرح دستورًا جديدًا, فهذه ضمانة كبرى لسلامة وشرعية فترة الانتقال ذاتها, ولا بد وبلا تردد أن يحدث عنها فصل بين الدولة الحاضرة دائمًا ومن يملأ هيكلها السياسي والدستوري بمعني أن ضرورات الحياة تحتاج لوجود تنظيم الدولة".

 

وكان المشير طنطاوي ذكيًّا وحصيفًا لم يكن يريد ليصطدم بالشعب، وكان قائدًا مخضرمًا، حضر العديد من المواقع والحروب منذ أن تخرج في الكلية الحربية في يونية 1956، وحضر كل الحروب التي خاضتها مصر، وكان رئيسًا لهيئة العمليات أثناء حرب تحرير الكويت، أما قائد انقلاب اليوم هو ومعظم مرؤوسيه لم يحضروا إلا التدريبات التكتيكية فقط، التي تصاحبها الكاميرات والمهرجانات في كل مراحلها والتي لم تتجاوز أبدًا إلى حروب الميدان، لذلك أوفى الرجل بوعده وسلم الدولة إلى السلطة المنتخبة، وكان يسمع للشعب ويستجيب له ولتظاهراته، لذلك لم ينسق إلى تحريض الناصريين واليساريين والماركسيين والعلمانيين الذي طالبوا الجيش بالبقاء في السلطة مدة ثلاث سنوات مثل أسامة الغزالي حرب ابن الحزب الوطني ولجنة السياسات.

 

وعندما فاز الرئيس مرسي وتياره في انتخابات مجلسي الشعب والشورى وانتخابات الرئاسة وقف هيكل يحرض المجتمع الدولي ضد هذا النظام المنتخب، فقد قال في حواره مع رئيس الأهرام علام بأنه "لن يسمح بقيام نظام إسلامي على شاطئ المتوسط"، وقال أيضًا: "إن تيار الإسلام السياسي في مصر لا يقبل مبدأ الاختلاف فكريًّا.. وهذا ليس الآن فقط.. حيث أنني أختلف مع المقولة الأساسية للأستاذ حسن البنا، مؤسس الإخوان المسلمين، من أن الإسلام دين ودولة.. وذلك لأن هذه المقولة تحمل كثيرًا من التناقض، فالدين ثابت والسياسة نسبية.. والدين يقين واعتقاد.. والسياسة حوار دائم ومستمر.. كما أن الدين له منطقه ومجاله وله فعله بمقدار ما هو ممكن، ولكنه دومًا في القلب.. أما السياسة فقضية أخرى.. لأنها خيارات دنيوية.. وليست أخروية.. وأزمة سيطرة تيار الإسلام السياسي تكمن في غياب (مجال الحوار) فالوعد والتبشير والجنة والنار كلها أشياء لا تمهد لاختيارات سياسية.. لأنها تعبر عن مقادير مكتوبة ومحسومة".

 

ولم يستح هيكل من تاريخه ودوره في عصر الهزائم والمظالم، والتي انتهت بنكبة 1967، والتي دلعها هيكل بأن وصفها نكسة، وكان هو الذي ردد في الأهرام مقولة "أن الجيش الإسرائيلي لا يقهر"، وكان الجنود عندما يطالعون مقالاته لا يتحملون كذبه وفساد آرائه، فكانوا يمزقون الأهرام على الأشهاد، ولكن الله خيب ظنه هو ومن على شاكلته من عبدة البيادة، فجاء بنصره على أيدي نظام طهر مصر من أدران سلفه، وأشاع العدل ومحا الظلم، وأقبل على الله، بعد فترة عربدت فيها الشيوعية على مصر الأزهر، وتم صبغ الأجواء باللون الماركسي الأحمر، وكان شعار الجنود "الله أكبر" يهز أرجاء سيناء التي خضبت بدماء الشهداء" بعدما فُرض عليهم قبل ست سنوات أن يحلفوا بالمدفع والمنجل، وأن يصحبوا معهم صور المطربات والمطربين والراقصات والفنانات، ولم يستح الرجل بأسلوبه الشيطاني المتلون من أن يقلب الحقائق وينسب حرب أكتوبر إلى رائده جمال عبد الناصر منسق انقلاب يوليو ومؤسس دولة البيادة الأولى..  

 

وموقف هيكل هذه في عهد عبد الناصر وعهد السيسي يتشابه مع مواقف الكاتب الصهيوني الكبير الدكتور "برنارد لويس" مستشار السوء لإدارة الرئيس جورج بوش الأب والابن، الذي ورطه في مستنقع أفغانستان ومستنقع العراق، وقد وفر الكثير من الذخيرة الأيديولوجية لإدارة بوش في قضايا الشرق الأوسط والحرب علي الإرهاب حتي أنه يعتبر بحق منظرًا لسياسة التدخل والهيمنة الأمريكية في المنطقة، وقدم تأييدًا واضحًا للحملات الصليبية الفاشلة وأوضح أن الحملات الصليبية على بشاعتها كانت رغم ذلك ردًّا مفهومًا على الهجوم الإسلامي خلال القرون السابقة وأنه من السخف الاعتذار عنه، وطور "لويس" روابطه الوثيقة بالمعسكر السياسي للمحافظين الجدد في الولايات المتحدة منذ سبعينيات القرن العشرين حيث يشير "جريشت" من معهد العمل الأمريكي إلى أن لويس ظل طوال سنوات "رجل الشئون العامة" كما كان مستشارًا لإدارتي بوش الأب والابن، ولم يقف دور برنارد لويس عند استنفار القيادة في القارتين الأمريكية والأوربية وإنما تعداه إلى القيام بدور العراب الصهيوني الذي صاغ للمحافظين الجدد في إدارة الرئيس بوش الابن إستراتيجيتهم في العداء الشديد للإسلام والمسلمين وقد شارك لويس في وضع إستراتيجية الغزو الأمريكي للعراق حيث ذكرت الصحيفة الأمريكية إن "لويس" كان مع الرئيس بوش الآن ونائبه تشيني خلال اختفاء الاثنين على إثر حادثة ارتطام الطائرة بالمركز الاقتصادي العالمي وخلال هذه الاجتماعات ابتدع لويس للغزو مبرراته وأهدافه التي ضمنه في مقولات "صراع الحضارات" و"الإرهاب الإسلامي". تمامًا مثلما فعل هيكل وتلامذته الذين زينوا للدمويين والطغاة سوء عملهم برروا هذه الأفعال على نحو ما رأينا منهم على مدار ثلاثة أسابيع حيث رجع هؤلاء يعبدون البيادة مرة أخرى بعد وصلة نفاق للديمقراطية استمرت ما يزيد على سنتين، ونلحظ أن عداوة الإسلام ومحاربته قد جمعت بين قلبين الرجل. 

 

ونختم بما قاله الكاتب الصحفي أشرف عبد الشافي في كتابه "البغاء الصحفي" عن هيكل: "الأستاذ في الأربعينيات، كتب ومجد في الملك فاروق الذي ما أن سقط حتى مجد في جمال عبد الناصر، ثم بعدها في السادات الذي نال منه ما أراد ثم قام بإقصائه، وبعد وفاته كتب هيكل "خريف الغضب" الذي أهان فيه السادات كثيرًا، وبعد وصول مبارك إلى الحكم رفض الاستعانة به رغم محاولات الأستاذ الكثيرة للوصول إلى عقله وقلبه، وهذا ما تثبته لنا المقالات المحجوبة التي كتبها هيكل في شكل رسائل إلى مبارك يعرض عليه فيها خدماته التي رفضها مبارك.